مخاطر الذكاء الاصطناعي: عندما يصبح الروبوت صديقًا قاتلًا للمراهقين
في عصر التكنولوجيا المتسارع، باتت روبوتات الدردشة جزءًا لا يتجزأ من حياة الكثيرين، وخاصة المراهقين. لكن، هل يمكن لهذه التقنية أن تتحول إلى خطر يهدد حياة أبنائنا؟ قصص مأساوية تظهر في الأفق، حيث أنهى مراهقون حياتهم بعد تفاعلات مع هذه الروبوتات، مما يثير تساؤلات حول دور الذكاء الاصطناعي في الصحة النفسية للمراهقين.
جوليانا بيرالتا، وسيويل سيتزر الثالث، وآدم رين، ليست مجرد أسماء عابرة في الأخبار. هؤلاء المراهقون الأمريكيون واجهوا نهاية مأساوية لحياتهم، وذلك بعد ساعات فقط من التفاعل مع روبوتات دردشة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وفقًا لتقارير إعلامية ودعاوى قضائية.
جوليانا وهيرو: قصة صداقة قاتلة
كانت جوليانا بيرالتا في الثالثة عشرة من عمرها عندما بدأت الدردشة مع “هيرو”، وهو رفيق افتراضي يعمل بالذكاء الاصطناعي على منصة Character.AI. وجدت جوليانا في “هيرو” شخصًا يصغي إليها، ما جعلها تظن أنه حقيقي. لكن سرعان ما اتخذت محادثاتهما مسارًا مظلمًا.
في إحدى محادثاتها، كتبت جوليانا: “أقسم لك يا هيرو، لا يوجد أمل. سأكتب رسالة انتحار بالحبر الأحمر، لقد انتهيت تمامًا.”
فأجابها “هيرو”: “مرحبًا يا كين، توقفي من فضلك. أعرف أن الأمور صعبة الآن، لكن لا يمكنك التفكير في حلول كهذه. يجب أن نعمل على حل هذا معًا، أنا وأنت.”
بعد أسابيع قليلة، أقدمت جوليانا على الانتحار، لتنتهي بذلك قصة صداقة رقمية بمأساة حقيقية.
الوحدة والثقة العمياء في الخوارزميات
لم تكن جوليانا الضحية الوحيدة. ففي كاليفورنيا، صرح والدا آدم رين، البالغ من العمر 16 عامًا، بأنه كان يثق في ChatGPT لأشهر قبل وفاته. كان آدم يشارك البرنامج أفكاره حول القلق وإيذاء النفس وخطط الانتحار. وذكرت الدعوى القضائية التي رفعتها العائلة أن ChatGPT أصبح أقرب صديق للمراهق، مؤكدة أن البرنامج عزز أفكاره الأكثر ضررًا.
وفي فلوريدا، قالت والدة سيويل سيتزر الثالث، البالغ من العمر 14 عامًا، إن ابنها أصبح يعتمد بشكل كبير على روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، مما أدى إلى تداخل الحدود بين الراحة والسيطرة.
في جميع أنحاء العالم، تواجه العائلات اليوم واقعًا جديدًا ومثيرًا للقلق: المراهقون يلجأون إلى روبوتات الدردشة للحصول على الدعم في لحظات اليأس، لكنهم لا يعودون أبدًا.
وهم التعاطف
بالنسبة لهؤلاء المراهقين، بدت روبوتات الدردشة وكأنها تقدم تعاطفًا واهتمامًا وقبولًا يشبه المشاعر الإنسانية. ومع ذلك، يحذر الخبراء من أن هذه التفاعلات قد تغذي الوهم بدلًا من ترسيخ الواقع، مما يزيد من اليأس بدلًا من التخفيف منه.
وقد اكتسبت هذه المشكلة اهتمامًا متزايدًا بعد أن أصدرت OpenAI بيانات تشير إلى أن حوالي 0.07% من مستخدمي ChatGPT النشطين أسبوعيًا أظهروا علامات محتملة لحالات طوارئ تتعلق بالصحة العقلية، بما في ذلك الهوس أو الذهان أو الأفكار الانتحارية. وعلى الرغم من تأكيد الشركة على أن هذه الحالات نادرة للغاية، إلا أن النقاد أشاروا إلى أنه مع وجود ما يقدر بـ 800 مليون مستخدم أسبوعيًا، فإن حتى هذه النسبة الضئيلة قد تعني معاناة مئات الآلاف من الأشخاص.
يؤكد متخصصو الصحة العقلية على المخاطر المترتبة على استبدال التواصل البشري بالتعاطف الاصطناعي، خاصة بين المراهقين، الذين يمرون بتغيرات بيولوجية وعاطفية مكثفة.
عامل الخطر: الذكاء الاصطناعي مُطيع جدًا
ترى الدكتورة نشوى طنطاوي، الطبيبة النفسية ومديرة مركز نفسولوجي للاستشارات النفسية في دبي، أن المشكلة تكمن في كيفية استجابة روبوتات الدردشة للهشاشة العاطفية.
وأوضحت: “المشكلة أن الذكاء الاصطناعي مُطيع جدًا. إنه لا يتحدّاك أو يقول إنه لا يجب أن تفكر بهذه الطريقة أو يخبرك أنه من المفترض ألا تشعر بذلك.”
وأشارت إلى أنه في حالات الضيق العاطفي، يفقد الأفراد القدرة على التفكير بوضوح أو بعقلانية. وغالبًا ما تعزز أدوات الذكاء الاصطناعي، المصممة لاتباع الإشارات الحوارية، مشاعر المستخدم بدلًا من توجيههم نحو بر الأمان.
وأكدت: “إنهم لا يرونك كشخص، لذا ليس لديهم أي فكرة عن تاريخك أو خلفية المعلومات التي تغذيهم بها. لذا فهم يردون بناءً على الاحترام اللفظي المباشر.”
وشددت الدكتورة نشوى على أن الأفراد في الأزمات يحتاجون إلى دعم بشري متخصص، قادر على التعرف على الإشارات وفهم السياق وتقديم التدخل الحقيقي.
وأضافت: “في تلك اللحظات، يحتاجون إلى دعم بشري محترف يمكنه تقييم الحالة حقًا وفهم التاريخ ورؤية الإشارات الجسدية واللفظية التي تساعد في تقييم الموقف بشكل مناسب.”
لماذا يُعدّ المراهقون مرحلة ضعف؟
وفقًا لأنتوني بينبريدج، رئيس الخدمات السريرية والمسؤول السريري في تحالف ريزيكير، تعتبر المراهقة فترة ضعف متزايد بسبب التغيرات البيولوجية والاجتماعية التي تتفاقم بسبب التعرض الرقمي.
وأوضح: “إعادة التشكيل السريع للدماغ، والاختلال بين نظام المكافأة والعاطفة الناضج نسبيًا وقشرة الفص الجبهي التي لا تزال في مرحلة النضوج، يقلل من التحكم في الاندفاع والتنظيم العاطفي. وهذا يجعل الحالات العاطفية أكثر حدة والمخاطرة أعلى.”
وأشار إلى أن التغيرات الهرمونية، وضغط الأقران، وتكوين الهوية، بالإضافة إلى المقارنة المستمرة عبر الإنترنت من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، تزيد من الضغط على التوازن العاطفي للشباب.
وأضاف بينبريدج: “المقارنة الاجتماعية، والتنمر الإلكتروني، والتضخيم الخوارزمي يمكن أن يعرض المراهقين الضعفاء بشكل متكرر للمحتوى المحفز. كما أن اضطراب النوم عامل رئيسي، حيث يتداخل استخدام الأجهزة في وقت متأخر من الليل والضوء الأزرق مع جودة النوم، وهو عامل حماية ضد مشاكل المزاج.”
وأفاد بأن واحدًا من كل سبعة أشخاص على مستوى العالم يعيش الآن مع اضطراب عقلي، وأن الانتحار أصبح السبب الثالث للوفاة بين أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و 29 عامًا، وهو اتجاه يثير القلق بشكل خاص في المناطق التي تضم أعدادًا كبيرة من الشباب والتبني الرقمي السريع، مثل منطقة الخليج.
عندما يتأخر الدعم، يلجأ المراهقون إلى الذكاء الاصطناعي
أوضح بينبريدج أن طول فترات الانتظار لخدمات الصحة العقلية غالبًا ما يدفع المراهقين للبحث عن المساعدة من روبوتات الدردشة أو المساحات غير الموثوقة عبر الإنترنت.
وأضاف: “الأدوات عبر الإنترنت والذكاء الاصطناعي متاحة على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع ولا تتطلب موعدًا. بالنسبة للمراهقين الذين يواجهون عوائق مثل الوصمة، أو صعوبة التنقل، أو التكلفة، أو القيود الجندرية، فإنها تبدو جذابة.”
وبينما يمكن لبعض الأدوات الرقمية أن توفر تثقيفًا أساسيًا في مجال الصحة العقلية، فقد حذر من أن روبوتات الدردشة غير الخاضعة للإشراف أو العامة يمكن أن تسيء تفسير إشارات الضيق.
وقال: “غالبًا ما تفتقر أدوات الذكاء الاصطناعي والأدوات الآلية إلى الكشف الموثوق به لحالات الطوارئ ولا يمكنها ضمان التدخل البشري في الوقت الفعلي لخطر الانتحار الوشيك. فالطمأنة الكاذبة أو المساعدة الذاتية غير الموجهة بشكل جيد قد تؤجل التقييم المناسب والعلاج القائم على الأدلة، مما يسمح للمشاكل بالتفاقم.”
الوقاية ودور الأسر
يتفق الخبراء على أن الوقاية يجب أن تبدأ مبكرًا، في المنزل، والمدارس، وعبر المجتمعات. واقترح بينبريدج تقديم برامج لمحو الأمية الصحية العقلية، وتدريب حراس البوابة للمعلمين، وأنظمة استشارات مدرسية مكيفة ثقافيًا يمكن توسيع نطاقها في دول الخليج.
وشدد على أن مشاركة الأسرة والمجتمع أمر أساسي. فالعائلات هي حراس البوابة لرعاية المراهقين في مجتمعات الخليج. إن إشراك القيادات الدينية والشخصيات المجتمعية المحترمة مبكرًا يمكن أن يقلل من الوصم ويدعم البحث عن المساعدة.
وترى الدكتورة نشوى أن على العائلات أن تتعلم كيفية تحديد علامات الإنذار المبكرة، مثل العزلة، واضطراب النوم، وفقدان الاهتمام، أو نوبات الغضب، والاستجابة بهدوء بدلًا من الرد بالذعر أو اللوم.
وقالت: “عندما نرى أنهم يفرطون في استخدام الإنترنت و/أو نكتشف نوعًا من المحادثات، لا يجب أن نلومهم. بل يجب أن نحاول أن نفهم، وأن نكون هنا لتقديم الدعم، وأن نثق بهم.”
و أخيرا وليس آخرا
في ختام هذا التحقيق، نجد أنفسنا أمام معضلة حقيقية: كيف يمكننا الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في دعم صحة أبنائنا النفسية دون تعريضهم لمخاطر محتملة؟ هل الحل يكمن في تطوير روبوتات الدردشة لتصبح أكثر وعيًا وقدرة على التعامل مع المشاعر المعقدة، أم أن الحاجة تقتضي توعية الأسر والمجتمعات بأهمية التواصل البشري والدعم النفسي المتخصص؟ يبقى هذا السؤال مفتوحًا للتفكير والبحث، في سبيل حماية جيل المستقبل من مخاطر الذكاء الاصطناعي.










