الإمارات العربية المتحدة: ريادة عالمية في الذكاء الاصطناعي تعيد تشكيل المستقبل الرقمي
شهد العالم في عام 2025 تحولات جوهرية على صعيد المشهد الرقمي، مدفوعة بتقدم متسارع في مجال الذكاء الاصطناعي. في خضم هذه الثورة التكنولوجية، برزت الإمارات العربية المتحدة كقوة محورية وفاعلة، لا في تبني هذه التقنيات فحسب، بل في صياغة ملامحها وتطوير بنيتها التحتية على مستوى عالمي. لم تكن هذه القفزة وليدة الصدفة، بل جاءت تتويجًا لرؤية استشرافية وخطط استراتيجية طموحة، وضعت الدولة في صدارة الدول الأكثر استخدامًا وتطويرًا لتقنيات الذكاء الاصطناعي، مؤكدة بذلك مكانتها كمركز ثقيل في الاقتصاد الرقمي العالمي الجديد. هذه الريادة لم تقتصر على النطاق المحلي، بل امتدت لتشمل مبادرات وشراكات دولية كبرى، رسخت دور الإمارات كلاعب أساسي في مستقبل الذكاء الاصطناعي.
بناء البنية التحتية الرقمية: ركائز الريادة العالمية
كان عام 2025 نقطة تحول حاسمة في مسيرة الإمارات نحو تعزيز بنيتها التحتية الرقمية، حيث بلغت نسبة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الدولة 97%، وهي النسبة الأعلى عالميًا، متجاوزة بذلك العديد من الاقتصادات الكبرى. هذا الإنجاز يعكس مدى التغلغل الواسع لهذه التقنيات في مختلف القطاعات، ويكشف عن جاهزية مجتمعية ومؤسسية عالية. كما تزايد عدد المبرمجين في الدولة ليجاوز 450 ألف مبرمج، ما يشير إلى استثمار كبير في رأس المال البشري المؤهل والقادر على قيادة هذا التحول الرقمي.
شراكات دولية استراتيجية: توسيع نفوذ الذكاء الاصطناعي الإماراتي
تجاوزت جهود الإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي حدودها الجغرافية، لتشمل تحركات دولية واسعة النطاق. كان من أبرز هذه الخطوات إطلاق إطار العمل الإماراتي–الفرنسي للتعاون في الذكاء الاصطناعي، والذي تضمن إنشاء مشروعات حيوية في قطاعات واعدة مثل الطاقة المتجددة والرقائق المتقدمة. كما شمل الإطار تطوير منصات بحثية مشتركة، والاستثمار في مجمع حوسبة عملاق بقدرة 1 جيجاوات في فرنسا. هذه الشراكة الاستراتيجية تعكس التزام الإمارات بالتعاون الدولي لتعزيز الابتكار وتبادل الخبرات في هذا المجال الحيوي.
مجمعات الحوسبة الفائقة: قلب الابتكار التكنولوجي
تعد مجمعات الحوسبة الفائقة شريان الحياة لتقدم الذكاء الاصطناعي، وقد خطت الإمارات خطوات جريئة في هذا المضمار. شكل إنشاء مجمع الذكاء الاصطناعي الإماراتي–الأميركي في أبوظبي، بقدرة 5 جيجاوات، نقطة تحول كبرى. يُصنف هذا المجمع كأكبر مجمع للحوسبة الفائقة خارج الولايات المتحدة الأمريكية، مما يجعله مركزًا عالميًا للابتكار.
يتيح هذا المشروع قدرة حوسبية هائلة قادرة على خدمة مليارات المستخدمين، معتمدًا على مصادر طاقة متنوعة تشمل الطاقة النووية والشمسية والغاز، لضمان استدامة ومرونة التشغيل. إضافة إلى ذلك، أُعلن عن مشروع “ستارغيت الإمارات” بقدرة جيجاوات واحدة، بشراكة استراتيجية ضخمة تضم عمالقة التكنولوجيا مثل G42 وOpenAI وOracle وCisco وSoftBank وNvidia. هذا المشروع سيضم أحدث رقاقات “Grace Blackwell GB300″، مما سيجعله واحدًا من أكبر تجمعات المعالجة المتقدمة على مستوى المنطقة. من المقرر بدء تشغيل المرحلة الأولى منه في عام 2026، وتجري حاليًا عمليات تنفيذ البنية التحتية ضمن المجمع الإماراتي–الأميركي الجديد.
استثمارات ضخمة ومبادرات رائدة: دفع عجلة النمو
برز عام 2025 كشاهد على تدفق استثمارات ضخمة نحو قطاع الذكاء الاصطناعي في الإمارات. فقد أعلنت “إم جي إكس” الإماراتية، بالتعاون مع “بلاك روك” و”مايكروسوفت”، عن انضمام “إنفيديا” و”إكس إيه آي” إلى “الشراكة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي”. تهدف هذه الشراكة إلى الاستثمار في مراكز بيانات الجيل القادم وحلول الطاقة المتقدمة، بإجمالي استثمارات محتملة تصل إلى 100 مليار دولار، مما يؤكد الثقة العالمية في البيئة الاستثمارية الإماراتية.
الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية المستدامة
لم تقتصر جهود الإمارات على الجانب الاقتصادي والتكنولوجي فحسب، بل امتدت لتشمل التنمية المستدامة على الصعيدين المحلي والدولي. أطلقت الدولة منظومة للذكاء الاصطناعي لدعم تنمية القطاع الزراعي الدولي، في إطار شراكة مع مؤسسة غيتس بقيمة 200 مليون دولار. وقد أُعلن عن هذه المبادرة خلال مؤتمر الأطراف (COP28)، مما يسلط الضوء على التزام الإمارات باستخدام الذكاء الاصطناعي لمواجهة التحديات العالمية.
كما أعلنت الإمارات خلال قمة مجموعة العشرين الأخيرة عن مبادرة “الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية” بقيمة مليار دولار، لدعم مشاريع الذكاء الاصطناعي في الدول الأفريقية، وهو ما يعكس دورها كشريك عالمي فاعل في تحقيق التنمية المستدامة.
ابتكار تشريعي وتعليمي: ريادة في حوكمة الذكاء الاصطناعي
في سابقة عالمية، كشفت الإمارات عن أول منظومة تشريعية ذكية في العالم تعتمد الذكاء الاصطناعي في تحليل القوانين، وتقييم تأثير التشريعات، وإعداد السياسات العامة. هذه الخطوة تمثل نقلة نوعية في حوكمة الذكاء الاصطناعي، وتضع الإمارات في طليعة الدول التي تستفيد من هذه التقنيات في تطوير أنظمتها القانونية.
دعم الكفاءات وتطوير نماذج لغوية متقدمة
وفي إطار دعم الكفاءات الوطنية، أطلقت الإمارات منحة طحنون بن زايد للتميز في الذكاء الاصطناعي، لدعم الطلاب المتميزين من طلبة البكالوريوس في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، التي تعد أول جامعة متخصصة في الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم. هذا الاستثمار في التعليم يعكس إيمان الدولة بأهمية إعداد جيل قادر على قيادة مستقبل الذكاء الاصطناعي.
شهد العام نفسه استحداث مساعد الموارد البشرية الذكي الذي يوفر 108 خدمات تشمل مختلف إجراءات العمل الحكومي، ويخدم أكثر من 50 ألف موظف، مما يتيح توفير آلاف الساعات سنويًا. كما شهدت إطلاق “جيس 2″، النموذج اللغوي العربي الكبير مفتوح الوزن الأكثر تقدمًا في العالم، والذي تم تطويره من الصفر باستخدام 70 مليار مُعامل متغيّر، وتدريبه على أكبر وأغنى قاعدة بيانات عربية المنشأ حتى اليوم، مما يعزز المحتوى العربي الرقمي.
تدريب متخصص وتكامل تعليمي
عملت الإمارات على توسيع نطاق التدريب المتخصص عبر برنامج الرؤساء التنفيذيين للذكاء الاصطناعي بالتعاون مع جامعة بيرمنغهام دبي. يهدف هذا البرنامج إلى إعداد قيادة حكومية قادرة على تطبيق نماذج الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، بما يضمن تكامل هذه التقنيات ضمن آليات العمل الحكومي.
كما شكلت مبادرة “وكيل ذكاء اصطناعي لكل عضو هيئة تدريس” في جامعة حمدان الذكية تحولًا جديدًا في منظومات التعليم العالي. أسهمت هذه المبادرة في خفض عبء العمل بنسبة 95% ورفع مستوى تحصيل الطلاب بنسبة 40%، مما يدل على الإمكانات التحويلية للذكاء الاصطناعي في التعليم.
مؤشرات قياسية ومستقبل الاستثمار
واصلت الإمارات إنتاج نماذج نوعية في الذكاء الاصطناعي، أبرزها نموذج الاستدلال المطوّر “K2 Think”، الذي يُعد من أكثر النماذج تقدمًا في الاستدلال اللغوي المفتوح. كما جرى إطلاق مؤشر “AI في الميدان” لقياس توافق نماذج الذكاء الاصطناعي مع الثقافة الإماراتية من خلال 250 إشارة ثقافية، ليكون أول مؤشر من نوعه عالميًا، مما يعكس اهتمام الدولة بتطوير الذكاء الاصطناعي بشكل يتناسب مع هويتها الثقافية.
أظهرت دراسة وطنية أن 44% من الجهات في الدولة تعتمد أنظمة حوسبة عالية الأداء، فيما تم رصد 91 حالة استخدام نوعية للذكاء الاصطناعي في المجالات الصحية والمالية والتعليمية والأمنية، مما يؤكد التبني الواسع لهذه التقنيات. تجاوزت الاستثمارات الموجهة نحو الذكاء الاصطناعي 543 مليار درهم خلال عامي 2024 و2025، ما يشير إلى حجم الالتزام المالي الكبير الذي تقدمه الدولة لهذا القطاع. وقد أعلنت شركات عالمية مثل مايكروسوفت وKKR عن استثمارات كبيرة داخل الدولة، مما يعزز مكانتها كوجهة جاذبة للاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
تعزيز الأمن السيبراني بالذكاء الاصطناعي
أطلق مجلس الوزراء مركز تميز عالمي للأمن السيبراني بالتعاون مع “جوجل”، بما يوفر أكثر من 20 ألف فرصة عمل ويعزز منظومة الأمن السيبراني الوطنية. هذا المركز سيعتمد بشكل كبير على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتعزيز الحماية ضد التهديدات السيبرانية المتزايدة، مما يضمن بيئة رقمية آمنة وموثوقة.
وأخيرا وليس آخرا:
لقد شهد عام 2025 تحولًا نوعيًا في مسيرة الإمارات نحو الريادة العالمية في الذكاء الاصطناعي. من بناء مجمعات الحوسبة الفائقة والاستثمارات الضخمة، إلى إطلاق مبادرات تنموية وتشريعية رائدة، مرورًا بتطوير نماذج لغوية متقدمة ودعم الكفاءات، رسمت الدولة خارطة طريق واضحة لمستقبل يعتمد بشكل متزايد على هذه التكنولوجيا. هذه الإنجازات لم تكن مجرد أرقام وإحصائيات، بل هي انعكاس لرؤية استشرافية تهدف إلى تسخير قوة الذكاء الاصطناعي لخدمة البشرية وتحقيق التنمية المستدامة. فهل تستطيع الإمارات الحفاظ على زخم هذه الريادة، وتوسيع تأثيرها الإيجابي ليشمل مناطق أوسع من العالم، لتصبح بذلك نموذجًا يحتذى به في كيفية دمج التكنولوجيا المتقدمة مع أهداف التنمية الشاملة؟










