الرأي العام في الحضارة الإسلامية: دراسة في المفهوم والتاريخ
مفهوم الرأي العام، وإن بدا حديثًا، له جذور عميقة في التاريخ الإسلامي. هذه المقالة تستكشف الرأي العام في الحضارة الإسلامية، بدءًا من تعريفه وأهميته، وصولًا إلى تجلياته التاريخية وأدواره المتعددة. سنبحث كيف نظر علماء الإسلام إلى الرأي العام، وكيف تفاعل معه الحكام، وكيف أثر في مجرى الأحداث.
تحديد مفهوم الرأي العام في الفكر الإسلامي
الرأي العام بين الإجماع الشرعي والواقع الاجتماعي
أورد الإمام أبو الحسن الآمدي (ت 631هـ/1234م) في كتابه “الإحكام في أصول الأحكام” نصًا يوضح فيه مستويات التعبير عن آراء الأمة، مفرقًا بين إجماع العلماء وحضور الأمة ذاتها في هذا الإجماع. هذا التفريق يقودنا إلى تأمل مفهوم الرأي العام كفرع من مباحث الإجماع الشرعي الأصولي، وهو ما تتناوله هذه الدراسة في مساريها النظري والتاريخي.
الرأي العام كمبحث سياسي اجتماعي لم يحظَ بالدراسة الكافية، رغم حضوره المؤثر في التراث الإسلامي. باستقراء هذا المفهوم وتحليل خبرته، يمكن الكشف عن أفكار سياسية واجتماعية قيّمة تفيد في فهم واقعنا السياسي الراهن والمستقبلي.
الرأي العام: وعاء الانتماء وعنوان الهوية
الرأي العام مفهوم واسع ومتعدد التعريفات، يتوزع بين الحقول السياسية والاجتماعية والنفسية والإعلامية. في الحضارة الإسلامية، كان الرأي العام من أقوى مراكز التأثير المجتمعية، بوصفه وعاء الانتماء وعنوان الهوية، حيث تم تمكين المجتمع من التشكل الذاتي وتدبير شؤونه بشكل طوعي.
العامة كانوا دائمًا مادة للنزاع بين العلماء ورجال السياسة، ونقطة الصراع بين الفرق والطرق والمذاهب. الدراسات الإنسانية اليوم تهتم بمواقف العامة لتحليل سلوكهم وتحديد كيفية استقطابهم أو التعامل معهم.
مكانة العامة في التراث الإسلامي
في التراث الإسلامي الديني والاجتماعي والسياسي، لم يكن العامة مهمشين في الشأن العام، بل كانوا مادته المركزية لدى العلماء والأمراء، باعتبارهم محل الرضا والمقبولية والسيادة والخشية. إضافة إلى ذلك، كانت لهم رقابة شعبية دفعتهم للتحرك من موقع الرأي إلى موقف الفعل، مما أدى إلى ثورات وهبات اجتماعية ملأت التاريخ السياسي والاجتماعي في الحضارة الإسلامية.
هذا الاهتمام القديم بالرأي العام لا يكاد يجد له صدى في مباحث العلوم السياسية العربية والإسلامية اليوم، وهي ثغرة تسعى هذه المقالة إلى لفت الأنظار إليها.
مصطلحات الرأي العام في التراث الإسلامي
آراء العامة في مقابل الرأي العام المعاصر
اهتم علماء الإسلام بمناقشة ظواهر الرأي العام الشعبي ودوره في حركة الحياة العامة للمجتمعات، باعتباره مركز الثقل في الحضارة الإسلامية.
قد نندهش لاستخدامهم قديما مصطلحات مثل “رأي العامة”، الذي يكافئ دلاليا مصطلح الرأي العام بمفهومه الأكثر شيوعا اليوم. أبو حيان التوحيدي (ت بعد 400هـ/1010م) يقول: “إنا لا نظن أن كل من كان في زمان الفلاسفة بلغ غاية أفاضلهم..، بل كان في القوم من رأى «رأي العامة» وحَطّ إلى ما حطَّتْ إليه”.
تعبير الرأي العام في مؤلفات الشهرستاني وإقليدس
بل إننا نطالع تعبير الرأي العام نفسه عند الشهرستاني (ت 548هـ/1153م)، وإن كان بدلالة تختلف قليلا عن المفهوم الشائع اليوم. فهو ينقل عن إقليدس اليوناني (ت 265ق.م) قوله: “افْزَعْ إلى ما يشبه «الرأي العام» التدبيري العقلي واتَّهِم ما سواه!”. وأيضا ربما عبّروا عن الرأي العام بمصطلح “الهيئة الاجتماعية”.
العلماء يتطرقون لعلاقة عامة الناس بالمعارف والعلوم في مجالات عديدة، مثل اهتمام علماء اللغة برصد الانحراف اللغوي عند العامة، وتأليف المصنفات في ذلك، واهتمام المؤرخين برصد أنشطة الرأي العام في كل العصور.
دور العامة في صياغة الرأي الشرعي
علماء الشريعة سعوا لجعل إيمان العامة قويا والتزامهم الديني عميقاً، فبحثوا دور العامة في صياغة الرأي الشرعي وخاصة في المجالين: العقدي (أصول الدين) والتشريعي (أصول الفقه).
يقدم لنا الإمام فخر الدين الرازي (ت 606هـ/1209م) خلاصة نقاشات العلماء بشأن موقع العامة في مراتب الناس على سلّم المعرفة، وما يجب على المنتسب إلى العامة طبقا لموقعه المعرفي.
اختيار العلماء وحرية الاستفتاء
إلزام العلماء بإقناع العامة
مع إلزام العلماءِ العامةَ باستفتائهم في الأحكام، فإن الإمام الغزالي (ت 505هـ/1111م) يلفت انتباه زملائه من العلماء إلى ضرورة النظر إلى فلسفة الدين ومقاصد الشريعة، فيدعوهم إلى إقناع العامة بذكر الدليل الشرعي لهم مقرونا بالآراء العقدية والفقهية حتى ترتاح نفوسهم.
يقول الغزالي في ‘إلجام العوام عن علم الكلام‘: “فإن قلتَ: العاميُّ إذا لم تسكن نفسه إلى الاعتقادات الدينية إلا بدليل؛ فهل يجوز أن يُذكَر له الدليل؟”.
توجيهات الغزالي للعامة
انشغل الإمام الغزالي كثيرا بمسألة العامة وعلاقتهم بالعلوم والأصول العقدية. في كتابه ‘القِسْطَاس المستقيم‘، يحيل الغزاليُّ العامةَ إلى القرآن الحكيم وأدلته في الأصول (العقائد)، وأما في الفروع (العبادات والمعاملات ونحوهما) فيحيلهم إلى المتفق عليه بين العلماء.
وينصح الغزالي العامي إذا احتار في مسألة مختلف فيها بين الفقهاء فيقول: “اجتهد مع نفسك، وانظر: أيُّ الأئمة أفضلُ عندك، وصوابُه أغلب على قلبك فاعمل به!”.
معضلة معرفة العامي بأهلية العالم
إذا كانت العامة مطالبة بالرجوع إلى علماء عصرها لاستفتائهم فيما يعرض لها من مشكلات، فإن ذلك يثير سؤالا مهمًّا عن كيفية معرفة العامي بالأهلية العلمية للعالِم. هذا السؤال طرحه الشهرستانيّ -في ‘المِلَل والنِّحَل‘- دون أن يحسم بشأنه.
لكن الإمام السيوطي (ت 911هـ/1506م) يجيب على هذا السؤال، ناقلا عن بعض العلماء أنه يقلد العاميُّ من ظهر اسمه في البلد، وشاع اسمُه في ألسن الناس.
حق اختيار الفقهاء واختبارهم
العلماء أثبتوا للعامة من المقلِّدين حقهم في اختيار فقهائهم الذين يثقون في فتاويهم، بل وجعلوا من طرق هذا الاختيار أن يختبروهم حتى يطمئنوا إلى أهليتهم العلمية. الإمام الجويني (ت 478هـ/1085م) يقرر أنه يتعين على المستفتي ضربٌ من النظر في تعيين المفتي الذي يقلده ويعتمده، وليس له أن يراجع في مسائله كل مُتَلقِّب بالعلم.
هذا يفيد بأنّ العامي لا يخلو من نمط ما من الاجتهاد، وإلا كان كسولا في أسمى شيء في حياته وهو الدين وتعاليمه.
عدم حصرية ارتباط العامة بتقليد فقيه معين
يتصل بذلك عدم حصرية ارتباط العامة بتقليد فقيه معيّن، إذ لهم -في أرجح الأقوال- حق استفتاء من يشاؤون من مختلف الفقهاء الموثوق بعلمهم، والدليل على ذلك ما وقع عليه إجماع الصحابة من تسويغ استفتاء العامي لكل عالم في مسألة.
مساءلة الفقهاء وحق الاختيار
مساءلة الفقيه عن الدليل الشرعي
لم يكتف الفقهاء بتقرير حق العامة في










