القيادة الرشيدة ورحلة دبي نحو العالمية: نظرة في سيرة الشيخ محمد بن راشد
إذا كنت مقيماً في دبي، فالعالم بأكمله يأتيك، حتى لو لم تسافر حوله. إن تأسيس هذه المدينة العصرية، التي تعتز بماضيها وتتطلع بثقة نحو المستقبل، هو ثمرة القيادة الحكيمة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.
إن مسيرة دبي لتصبح مدينة عالمية تعكس تطور سمو الشيخ محمد بن راشد كقائد، وهو ما سجله كاتب السيرة الذاتية غرايم ويلسون في كتابه “أن تكون الأول”، الذي سيصدر في مهرجان طيران الإمارات للآداب في مطلع العام القادم.
لمحات من حياة ملهمة
من الاستجابة لأزمة إعصار بهولا بإرسال مساعدات عاجلة، إلى إدارة أزمة اختطاف طائرة وهو في الثالثة والعشرين من عمره، تعتبر حياة سموه مصدر إلهام وإثارة. قبل الإصدار، تحدثنا إلى ويلسون، الذي كتب سيرة ذاتية معتمدة عن الأب المؤسس لدولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، بالإضافة إلى رؤساء دول أذربيجان وكازاخستان وعمان وسريلانكا وجزر المالديف. فيما يلي مقتطفات من المقابلة:
سنوات التكوين: من الصحافة إلى السير الذاتية
يتحدث ويلسون عن بداياته، قائلاً: “ترعرعت في الطبقة المتوسطة في شمال إنجلترا. كنت أطمح أن أصبح متسابق دراجات نارية محترفاً، لكن افتقاري للموهبة وشغفي بالكلمات حالا دون ذلك. اكتشفت حبي للكتب في مكتبة والدتي، وخاصة السير الذاتية للقادة السياسيين. بدأت الكتابة في سن مبكرة، وكنت أعمل لحسابي الخاص في الصحف المحلية والوطنية.”
الانجذاب إلى كتابة السير الذاتية
ويضيف: “الكتابة للصحف تمنحني سعادة فورية، لكن قراءة كتاب ‘خطوات’ لريتشارد هولمز في عام 1987 جعلتني أقع في حب السير الذاتية. كتابات هولمز عن أبطال الأدب في القرن التاسع عشر كانت رائعة.”
ذكريات في الإمارات
دبي في التسعينيات: بداية رحلة
“وصلت إلى دبي في إجازة عام 1990، وقررت البقاء. كانت دبي تتمتع بأجواء إيجابية. عملت في صحيفة خليج تايمز، واكتشفت البلد وقابلت الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وكانت تجربة مذهلة. في عام 1992، قابلت صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لأول مرة. كان يتمتع بوقار وطموح فريدين من نوعهما.”
كتابة عن الرواد
“في عام 1990، توفي الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم. أذهلني هذا الرجل العبقري الذي لم يعرف عنه الكثير. كتبت كتاب ‘والد دبي’ عن الشيخ راشد، واستمتعت بالعملية.”
تحديات كتابة السيرة الذاتية
البحث عن الجديد
“كتابة السيرة الذاتية للشخصيات المعروفة يمثل تحدياً كبيراً. نسعى لإضافة سياق جديد واكتشاف عناصر غير معروفة من خلال إجراء مقابلات وزيارة الأرشيفات. التحدي هو معرفة المزيد.”
تجاوز المصادر التقليدية
“هناك ميل للباحثين للتوجه إلى الأرشيف الوطني في لندن، ولكن هذا المصدر مستهلك. نستخدم الأرشيف الجامعي وأرشيف الشركات والأرشيف الخاص، وقد يستغرق الأمر أياماً للعثور على معلومة جديدة.”
مثال من الأرشيف
“في أرشيف كامبريدج، وجدت مذكرة من رئيس الوزراء البريطاني الأسبق هارولد ويلسون عام 1965 تشير إلى دعم الشيخ راشد لأبحاث السرطان. هذا قادني لاكتشاف قصة أوسع عن اهتمامه بعلم أبحاث السرطان.”
الدافع وراء كتابة سيرة الشيخ محمد بن راشد
تتويج لجهد دام 24 عاماً
“بدأت في طلب الإذن لإنتاج سيرة الشيخ محمد منذ نشر كتاب ‘والد دبي’ في عام 1999. هذا الكتاب الجديد هو تتويج لجهد دام 24 عاماً. إنه شخصية استثنائية، وقد تشرفت بلقائه والتفاعل معه. رأينا دبي والإمارات العربية المتحدة تنموان، وهذا دليل على الطاقة التي تحركه.”
الرغبة في الإنصاف
“على الرغم من أنه رجل دولة عظيم وعملاق في مجال التنمية، لم يتبق سوى القليل من حياته وشخصيته التي عرفناها حقاً. أردت أن أكون الكاتب الذي يحصل على هذا الشرف والمسؤولية. كنت أعلم أنني أستطيع أن أنصفه.”
التفاعلات والقصص
آراء متنوعة
“لم أقابل الشيخ محمد أثناء كتابة الكتاب، ولكنني التقيت بعشرات الأشخاص الذين شاركوا رحلته، بما في ذلك أفراد الأسرة والأصدقاء والزعماء العالميين. كانت ملاحظاتهم مفيدة في توضيح كيفية نظر العالم إلى الشيخ محمد.”
قصة نيلسون مانديلا
“أجرى مقابلة مع دبلوماسي من جنوب إفريقيا كان مساعداً لنيلسون مانديلا، الذي نصح زعماء الدول النامية بدراسة ما حققه الشيخ محمد في دبي.”
حكاية مفضلة: إعصار بهولا
الاستجابة الإنسانية
“أحب قصة استجابته لإعصار بهولا عام 1970. أرسل الشيخ محمد طائرات محملة بالمساعدات الطارئة في غضون 72 ساعة من وقوع الكارثة، واستأجرت دبي قوارب محملة بالمساعدات. لقد ابتكر نموذج إغاثة من الكوارث مثل الذي نراه اليوم.”
شهادات من بنغلاديش
“أجريت مقابلات مع الرئيس السابق لبنغلاديش وزعماء إقليميين تحدثوا عن التأثير الجوهري لهذا الجهد.”
جوانب مفاجئة في شخصية الشيخ محمد بن راشد
التوازن في الشخصية
“الشيخ محمد شخص متوازن للغاية. لقد قابلت شخصاً كان يسكن مع عائلته عندما كان يدرس في كامبريدج، ووصف ليالي السبت التي قضاها معه وهو يشاهد برنامج كرة قدم. كما حكت لي إحدى الوزيرات قصة عن إصابتها بالإنفلونزا، فقدم لها علاجاً عشبياً تقليدياً تعلمه من والدته.”
القيادة المبكرة
“في سن الثالثة والعشرين فقط، قضى أياماً وليالي في برج المراقبة في مطار دبي لإدارة أزمة طائرة. ماذا كنت تفعل في سن الثالثة والعشرين؟ كان هو يتفاوض مع إرهابيين أثناء عملية اختطاف طائرة.”
القيادة الحكيمة والتركيز على المستقبل
“ألا يستحق شعبي الأفضل؟”
“عنوان الكتاب ‘أن تكون الأول’ يلخص شخصيته تماماً. عندما سأله أحد وزرائه: لماذا يتعين علينا أن نكون الأوائل في كل شيء؟، كان رده: ألا يستحق شعبي الأفضل؟.”
جوانب متعددة
“الشيخ محمد يتمتع بحنكة سياسية وبراعة في بناء الأمة. لقد علمنا بالدور المحوري الذي لعبه في إنهاء التمرد في الفلبين، حيث اعتبره الأمين العام للأمم المتحدة حكماً محايداً ماهراً.”
الأعمال الخيرية غير المعلنة
“أعمال الشيخ محمد الخيرية غير المعلنة أثرت على حياة مئات الملايين من الناس في مختلف أنحاء العالم. وهذا ما أفتخر بتصويره.”
دبي كمدينة عالمية
قصة مترابطة
“قصة دبي وقصة الشيخ محمد مترابطتان تماماً. لا يمكن أن تحكي قصة أحدهما دون الأخرى.”
نظرة الغرب
“بصفتي من الغرب، أدرك الجهل الذي يسود عامة الناس، والذي تخلده وسائل الإعلام المثيرة. دوري هو سرد الحقائق وعرض قصة تستند إلى وثائق وحقائق تاريخية. لقد حظيت بامتياز أن أقيم في الإمارات العربية المتحدة، وأن يتم تكليفي برواية قصص عمالقة.”
تطور الأدب الإماراتي
تفاؤل بالمستقبل
“عندما كتبت كتاب ‘والد دبي’، كان هناك عدد قليل من الكتب التي تتناول مواضيع إماراتية. ومنذ ذلك الحين، شهدنا ظهور مجموعة كبيرة من الأعمال التي ستغير مجرى الأمور. عندما نطلق كتاب ‘أن تكون الأول’ في نسخة 2025 من مهرجان طيران الإمارات للآداب، فسوف يتم ذلك إلى جانب الثروة الأدبية الموجودة بالفعل، ولذلك يمكننا أن نكون متفائلين بشأن الأمر.”
وأخيرا وليس آخرا
في الختام، يتبين لنا أن كتاب “أن تكون الأول” لا يسرد فقط سيرة ذاتية لقائد استثنائي، بل يجسد أيضاً قصة تحول دبي إلى مدينة عالمية. من خلال استعراض جوانب غير معروفة من حياة الشيخ محمد بن راشد، يسلط الكتاب الضوء على رؤيته الثاقبة وإنسانيته العميقة، ويفتح آفاقاً جديدة لفهم القيادة الحكيمة في عالمنا المعاصر. فهل سيتمكن الكتاب من تغيير الصورة النمطية التي يحملها الغرب عن المنطقة، وهل سيساهم في إلهام قادة المستقبل؟










