الصحة في الإمارات: قصص وتجارب حول ضغوط العمل وتأثيرها على الصحة
في دولة الإمارات العربية المتحدة، يشهد قطاع الأعمال نشاطاً مكثفاً يدفع العديد من المهنيين إلى التضحية بصحتهم من أجل تحقيق النجاح المهني. تتضمن هذه التضحيات البقاء لساعات طويلة في العمل، وإهمال وجبة الإفطار، وتناول وجبات سريعة وغير صحية، بالإضافة إلى استهلاك المشروبات الغازية والسجائر كجزء من الروتين اليومي.
وفي شهر أبريل، الذي يُحتفل به عالمياً كشهر التوعية الصحية، يشارك بعض المقيمين في دولة الإمارات تجاربهم الشخصية حول كيفية تأثير إهمالهم لصحتهم على حياتهم، وكيف أدى ذلك إلى إصابتهم بأمراض خطيرة.
ضغوط العمل تتسبب في مشاكل صحية
العمل يستهلك الحياة
عثمان كاظمي، رجل أعمال إيراني يبلغ من العمر 42 عاماً ويعيش في ديرة، هو أحد هؤلاء الأشخاص الذين وضعوا طموحاتهم المهنية قبل صحتهم.
يقول كاظمي: “كنت أولي العمل أهمية قصوى، وأقارن نفسي باستمرار برجال الأعمال الآخرين وأتنافس معهم بشكل يومي. شعرت وكأنني في سباق محموم لا نهاية له… حتى تدهورت صحتي.”
كان يقضي أيامه في التنقل بين المكتب والمتجر والاجتماعات، معتمداً على مشروبات الطاقة والوجبات السريعة، ونادراً ما كان يحصل على أكثر من خمس ساعات من النوم. ويضيف: “كنت أهمل وجبات الطعام لحضور الاجتماعات وكسب عملاء من الخارج. كنت أدخن للتغلب على التوتر، معتقداً أن هذا هو السبيل لتحقيق النجاح.”
ولكن فجأة، انهار كل شيء عندما أصيب بنوبة قلبية. يوضح كاظمي: “كنت في بهو أحد الفنادق في ديرة، أنتظر عميلاً من أفريقيا. وما إن صافحته، حتى سقطت على الأرض.” نُقل كاظمي على الفور إلى مستشفى حكومي قريب، حيث أكد الأطباء إصابته بنوبة قلبية، بالإضافة إلى التهاب الشعب الهوائية والمرحلة الثانية من مرض الانسداد الرئوي المزمن.
يصف كاظمي لحظة استيقاظه في وحدة العناية المركزة بأنها “من أكثر اللحظات رعباً في حياتي. أدركت حينها أن جسدي بدأ في محاسبتي على سنوات من الوجبات السريعة، ومشروبات الطاقة، والسجائر. لقد أهملت نفسي لفترة طويلة، وبدأت أدرك عواقب ذلك.”
اليوم، وبعد مرور أربع سنوات، يعتبر كاظمي مثالاً حياً على إمكانية التغيير. ويقول: “ما زلت أمتلك نفس الطموح، ولكن صحتي أصبحت أولويتي. والمدهش أن عملي أيضاً يشهد تحسناً ملحوظاً، لأنني أستيقظ كل يوم بطاقة أكبر وصفاء ذهني أوضح.”
الأدرينالين والقهوة بديلًا عن الصحة
أما راهول، وهو مقيم في أبوظبي يبلغ من العمر 30 عاماً، فقد نجح في بناء مسيرة مهنية ناجحة في مجال إدارة الفعاليات، ولكن على حساب صحته. يقول: “كنت أعتمد على الأدرينالين والقهوة لأبقى نشيطاً. لم يكن هناك مكان للطعام الصحي في نمط حياتي، وكنت أتناول المشروبات الغازية باستمرار لإرواء عطشي. أما زيارة الطبيب، فكانت دائماً مؤجلة بحجة أنني مشغول وليس لدي وقت للاهتمام بصحتي.”
كانت السهرات مع الأصدقاء واستراحات التدخين المنتظمة جزءاً من روتينه اليومي. ولكن إحدى الليالي العادية تحولت إلى مأساة غير متوقعة. يروي راهول، الذي انهار فجأة ونُقل بسرعة إلى مستشفى برجيل في أبوظبي: “لم أتخيل أبداً أن ليلة بسيطة مع بعض السجائر قد تنتهي بي وأنا ألهث طلباً للهواء، وأمسك صدري من شدة الألم، وأتوسل فقط للبقاء على قيد الحياة.”
تم تشخيص حالته بنوبة قلبية حادة. وأضاف: “لطالما اعتقدت أن النوبات القلبية تصيب من هم في الخمسينيات أو الستينيات من العمر، وليس شخصاً في مثل سني. كانت تلك اللحظة بمثابة جرس إنذار، وأدركت كم أسأت إلى جسدي.”
غادر راهول المستشفى بعد يومين وهو في حالة صحية جيدة، ولكن بتغيير جذري. يقول: “خرجت من المستشفى، وقد شفيت تقريباً، ولكنني تغيرت عاطفياً ونفسياً. أصبحت قوياً لدرجة أنني جعلت الانضباط شريكي. الصحة هي أعظم هدية، ولا ينبغي لأحد أن ينتظر الأزمات لإدراك ذلك.”
نصائح للحفاظ على الصحة وتجنب المخاطر
المبادرة خير من الانتظار
الدكتور أرون هاري، أخصائي أمراض القلب التداخلية في مستشفى برجيل، عالج العديد من الحالات المماثلة. يقول: “يبذل الناس جهداً كبيراً لتوفير الوقت أو كسب المال. يفضلون تناول الوجبات السريعة لأنها سريعة التحضير، ويتجنبون التمارين الرياضية بسبب الشعور بالتعب، ويتجاهلون الأعراض حتى تظهر مشكلة صحية خطيرة.”
ويؤكد الدكتور هاري أن الرعاية الوقائية والفحوصات الدورية والنظام الغذائي المتوازن والنشاط البدني والترطيب المناسب والنوم الكافي ليست رفاهيات بل ضروريات.
ويضيف: “لا تحتاج إلى روتين مكلف، بل إلى التزام مستمر فقط. جسدك مقدس، والصحة هي الهبة الوحيدة التي لا تعوض.”
أهمية الصحة والوقاية في مجتمع الإمارات
الحفاظ على الصحة ليس مجرد إجراء وقائي، بل هو استثمار في جودة الحياة والإنتاجية. من خلال تبني نمط حياة صحي ومتوازن، يمكن للمهنيين في دولة الإمارات تحقيق أهدافهم المهنية دون التضحية بصحتهم ورفاهيتهم.
وأخيرا وليس آخرا
تُظهر هذه القصص والتجارب أهمية إعطاء الأولوية للصحة في خضم حياة مهنية مزدحمة. فهل يمكننا تغيير نظرتنا إلى الصحة ودمجها كجزء أساسي من نجاحنا المهني والشخصي في دولة الإمارات؟










