الفن العام في الإمارات: لطيفة سعيد وتحويل الحركة إلى تحفة فنية
في قلب دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تتلاقى الأصالة مع المعاصرة، تبرز فنانة إماراتية كرست موهبتها لالتقاط جوهر الحركة الدائمة، سواء كانت ملموسة في الواقع أو مجردة في عالم الأفكار.
لطيفة سعيد، فنانة متعددة التخصصات من دبي، تستلهم من التراث الثقافي والطبيعي للإمارات لإنشاء أعمال تتجاوز المألوف، محولة المساحات العامة إلى قصص بصرية عن الحركة والتكيف. إنها تفكر بعقلية عالمية، تتبنى الابتكار، وتتحدى القيود التقليدية.
“السرمدي”، أحدث أعمالها، ليس مجرد تمثال، بل هو حوار عميق بين المكان والزمان وإيقاع الوجود المستمر.
نشأة في بيئة متغيرة
نشأت لطيفة في كنف مدينة دبي التي لا تتوقف عن التطور، محاطة بأجواء من التحول المستمر. وذكرت في تصريح لـ “المجد الإماراتية” بمناسبة يوم المرأة العالمي: “لقد شكلت طفولتي رؤيتي للعالم – التفكير الشامل، وتبني كل ما هو جديد، وتجاوز الحدود المعتادة”.
لطالما كانت الإمارات العربية المتحدة، نقطة التقاء الحضارات، مكانًا يمتزج فيه التراث مع التقدم. هذه الازدواجية تتجلى بوضوح في فلسفة لطيفة الفنية، حيث تتداخل الحكايات والأشعار والذاكرة الثقافية مع رؤية مستقبلية.
سيمفونية القوة والحركة
الحركة كمصدر إلهام
تتمحور ممارسة لطيفة الإبداعية حول الانبهار بالحركة، القوة الدافعة وراء أحدث أعمالها الفنية العامة، “السرمدي”. بتكليف من هيئة الطرق والمواصلات في دبي، تم وضع هذا العمل الفني في دوار نادي ناس الرياضي في ند الشبا، مستخدماً قضبان الفولاذ المقاوم للصدأ لتجسيد الانسيابية والزخم، وتحويل الحركة إلى فن مرئي.
السرمدي: تجسيد السرعة والمرونة
أوضحت لطيفة أن هذا العمل هو تقدير للسرعة والمرونة والاستمرارية، مضيفة: “لا توجد رموز قليلة تنقل هذه الصفات بقوة مثل الحصان.”
“السرمدي” هو تكوين مذهل يجمع بين القوة والحركة. يضم التمثال ثمانية خيول في وضع العدو، وقد جُسدت أشكالها في مراحل مختلفة من الحركة. تخلق هذه التكوينات تباينًا إيقاعيًا بين الثبات والديناميكية، مما يعكس نبض المدينة المحيطة.
الفن في الأبد
وهم الحركة الدائمة
في وصفها لعملها الفني، أشارت لطيفة إلى أن الدوامة التي تم إنشاؤها في قلب الدوار تعطي انطباعًا بالحركة المستمرة. ومع مرور السيارات، ينبض التمثال بالحياة – فهو ليس ثابتًا أبدًا، بل دائم الحركة.
معنى السرمدي
في اللغة العربية، تعني كلمة “السرمدي” الأبدي – وهي كلمة تجسد الطاقة المتواصلة للقطعة والفلسفة الفنية الأوسع التي تمثلها.
أوضحت لطيفة أن الاستمرارية تعبر عن إيقاع الوجود المتواصل – تيارات الطبيعة، وإيقاع المدن، والقوى الخفية التي تشكل عالمنا، مشيرة إلى أن عملها يلتقط هذا المد والجزر الأبدي، ويختزل الحركة إلى شيء ملموس ولكنه يتطور باستمرار.
الفن من أجل الشعب
الفن جزء من الحياة اليومية
بالنسبة إلى لطيفة، الفن ليس حكرًا على المعارض والمتاحف؛ بل هو ملك للجميع. وتقول: “يجب أن يكون الفن العام جزءًا من الحياة اليومية. فهو يحول المساحات الحضرية إلى معالم ثقافية، مما يثري روح المدينة.”
في بلد يشكل فيه الهندسة المعمارية والابتكار أفق المدينة، يعمل الفن العام كقوة حيوية تضفي طابعًا إنسانيًا على المساحات الحضرية. وأكدت لطيفة أن الفن يبني الجسور، فهو يحافظ على الماضي بينما يدفعنا إلى الأمام، ويربط بين التاريخ والحاضر والمستقبل في تدفق مستمر.
مسيرة فنية حافلة
تميزت مسيرة لطيفة الفنية بسلسلة من المعارض المرموقة والأوسمة. تخرجت لطيفة من جامعة زايد بدرجة في الآداب والعلوم (سنة مضت)، ومنذ ذلك الحين احتلت مكانة مهمة في المشهد الفني المعاصر.
في عام (سنة مضت)، حصلت على زمالة الفنان الناشئ من مؤسسة سلامة بنت حمدان آل نهيان بالتعاون مع كلية رود آيلاند للتصميم في أبو ظبي. وبعد عامين، حصلت على منحة من معهد مسك للفنون في الرياض وعرضت أعمالها في معرض قيد الإنشاء في قاعة الأمير فيصل بن فهد للفنون الجميلة. في نفس العام، كانت من بين المرشحين النهائيين لجائزة ريتشارد ميل للفنون، حيث عُرضت أعمالها في مبادرة الفن هنا التابعة لمتحف اللوفر أبوظبي تحت عنوان الذاكرة والوقت والأرض.
في عام (سنة ماضية)، شاركت لطيفة في بينالي البندقية كجزء من برنامج ما وراء الفنانين الناشئين التابع لفن أبوظبي، حيث عرضت عملها شياطين الغبار في مارينانا آرت. استكشف عملها ظواهر الصحراء الخليجية من خلال التفاعل بين الهواء والنار والماء والأرض، مما عزز حضورها على الساحة الفنية العالمية.
استمر حضور لطيفة الدولي في النمو، وبلغ ذروته بإنجاز بارز – حيث أصبحت أول فنانة إماراتية تقدم معرضًا فرديًا في ألماتي، كازاخستان. أظهر معرض Black Silhouette، الذي أشرفت عليه مؤرخة الفن فاليريا إبراييفا، قدرة لطيفة على ربط الثقافات من خلال التعبير الفني.
و أخيرا وليس آخرا
بالنسبة إلى لطيفة، الفن ليس مجرد تجربة جمالية، بل هو حركة وقوة وقصة في حركة مستمرة. من خلال أعمالها الفنية، تدعو لطيفة العالم إلى أن يشهد ويتفاعل ويتحرك معها في نهاية المطاف، فهل ننجح في التقاط هذه الدعوة وتحويلها إلى واقع ملموس؟










