برنامج إعداد القيادات الحكومية: رؤية استراتيجية لتمكين المستقبل الإماراتي
تعد تنمية القيادات الحكومية الركيزة الأساسية لأي دولة تسعى إلى الريادة والتميز، فبناء الكفاءات الوطنية القادرة على استشراف المستقبل وقيادة التغيير يعد استثمارًا لا يضاهى. في هذا السياق، وفي إطار التزام دولة الإمارات العربية المتحدة الراسخ بتعزيز قدرات كوادرها، شهدت دبي مؤخرًا حدثًا بارزًا يعكس هذه الرؤية الطموحة. فقد احتفت كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية، بالشراكة مع اللجنة العليا للتشريعات في إمارة دبي وهيئة دبي للطيران المدني، بتخريج دفعة جديدة من برنامج “إعداد القيادات” المخصص لمديري الإدارات في هاتين الجهتين الحيوّيتين، وذلك في حفل مهيب أقيم في مقر الكلية ببرج المؤتمرات.
تخريج قادة المستقبل: حصاد استثمار مستدام
يمثل هذا التخريج تتويجًا لجهود مكثفة، حيث شهد الحفل تخريج 19 موظفًا من الكوادر الإدارية المتميزة من كلتا الجهتين، بحضور رفيع المستوى لممثلين عن الجهات المشاركة وعدد من القيادات التنفيذية. كان في مقدمة الحضور سعادة الدكتور علي بن سباع المري، الرئيس التنفيذي لكلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية، الذي أكد على أهمية هذه البرامج في صقل الكفاءات الوطنية. هذا الإنجاز ليس مجرد حفل تخرج، بل هو تأكيد على الاستثمار العميق في رأس المال البشري، الذي لطالما كان محورًا رئيسيًا في استراتيجية الإمارات التنموية.
أبعاد الشراكة الاستراتيجية ومحاور البرنامج
امتد برنامج “إعداد القيادات” خلال الفترة من يناير حتى مايو من عام 2025، بإجمالي 110 ساعات تدريبية مكثفة. يأتي هذا البرنامج ضمن شراكة استراتيجية راسخة بين كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية والجهات الحكومية في دبي، بهدف تمكين القيادات الحكومية وتطوير قدراتها. تركز المحاور التدريبية على مجالات حيوية تشمل التخطيط الاستراتيجي، وإدارة التغيير، وصياغة السياسات العامة. إضافة إلى ذلك، يزود البرنامج المشاركين بمهارات القيادة الرقمية واستشراف المستقبل، بما يعزز كفاءة الأداء المؤسسي ويواكب أولويات الدولة في التحول والابتكار المستمر.
لقد صُممت محاور البرنامج التدريبي بعناية لتغطي خمسة مجالات رئيسية ضرورية للقائد الحكومي المعاصر. شملت هذه المجالات: الإدارة والفهم المؤسسي، والسياسات العامة، والتخطيط الاستراتيجي، والقيادة الرقمية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تضمن البرنامج مساقات للتعلم الإلكتروني الذاتي، وقراءات وحالات عملية لتحليلها، وزيارات ميدانية داخل الدولة لتطبيق المعارف، بالإضافة إلى جلسة حوارية مع قائد تنفيذي بارز لتبادل الخبرات.
رؤى قيادية: استثمار في العقول والكفاءات
أعرب القادة المشاركون في الحفل عن فخرهم بهذا الإنجاز. صرح أحمد سعيد بن مسحار، أمين عام اللجنة العليا للتشريعات في إمارة دبي، بأنهم يفخرون بتمكين وتخريج جيل جديد من القيادات الوطنية، مؤكدًا أن هذا النجاح يمهد الطريق أمام نقلات نوعية في مساراتهم المهنية ومنظومة العمل المؤسسي. وأضاف أن ذلك يواكب التوجهات الاستراتيجية لترسيخ ريادة دولة الإمارات العربية المتحدة وصياغة معالم مستقبلها بالاعتماد على كوادرها الوطنية المتميزة.
من جانبه، أكد سعادة محمد عبدالله لنجاوي، المدير العام لهيئة دبي للطيران المدني، أن الاستثمار في العقول والكفاءات الوطنية هو الاستثمار الأكثر استدامة. وشدد على أن برنامج إعداد القيادات يمثل خطوة جديدة نحو بناء جيل من القادة القادرين على قيادة التحولات المستقبلية في قطاع الطيران والخدمات الحكومية، معززًا بذلك مكانة دبي كعاصمة عالمية للطيران. بدوره، اعتبر سعادة الدكتور علي بن سباع المري، الرئيس التنفيذي لكلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية، أن البرنامج يمثل خطوة استراتيجية في مسيرة تطوير الكفاءات الوطنية، ويجمع بين التعليم النظري والتطبيق العملي.
تطبيق عملي وابتكار مستدام
في ختام البرنامج، نفذ المشاركون مشاريع تطبيقية جماعية تناولت تحديات واقعية من بيئة العمل. اقترحت هذه المشاريع حلولاً عملية ومبادرات تطويرية مبتكرة، عُرضت أمام لجنة تقييم متخصصة. تولى تنفيذ البرنامج فريق تدريبي يضم نخبة من المحاضرين والخبراء في تطوير القيادات الحكومية، حيث صُممت المناهج بأسلوب يجمع بين المعرفة الأكاديمية والتطبيق العملي. هذا النهج يضمن تزويد المشاركين بأدوات تنفيذية قابلة للتطبيق الفوري في مؤسساتهم.
هذا البرنامج يجسد نموذجًا وطنيًا متكاملاً في إعداد القيادات الحكومية، من خلال الدمج الفعال بين النظرية والتطبيق. كما يستثمر التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي لتحسين تجربة المتعاملين ورفع كفاءة الخدمات الحكومية. هذا يعكس التزام الكلية والجهات المشاركة ببناء منظومة قيادية متجانسة قادرة على ترجمة الرؤى الاستراتيجية إلى إنجازات ملموسة تعزز ريادة الدولة عالمياً.
و أخيرا وليس آخرا:
يمثل تخريج هذه الدفعة من برنامج “إعداد القيادات” علامة فارقة في مسيرة تطوير القيادات الحكومية في دبي ودولة الإمارات بشكل عام. إنه ليس مجرد تدريب، بل هو استثمار عميق في كوادر بشرية تحمل على عاتقها مسؤولية قيادة المستقبل. لقد أظهرت دولة الإمارات، من خلال هذه المبادرات، فهمًا عميقًا بأن التميز المؤسسي ينبع من تمكين الأفراد بالمعرفة والمهارات اللازمة لمواجهة التحديات واستغلال الفرص. فهل ستستمر هذه البرامج في التوسع لتشمل قطاعات أوسع، لضمان استمرارية عجلة الابتكار والريادة في جميع مفاصل العمل الحكومي؟ هذا ما يبرهن عليه الزمن والمجد الإماراتية ستكون حاضرة لتغطية كافة التطورات.










