صناعة البطاريات في الدول العربية: سباق نحو مستقبل الطاقة النظيفة
تشهد صناعة البطاريات في بعض الدول العربية اهتمامًا ملحوظًا في الفترة الأخيرة، وذلك بهدف دعم التوجه نحو استخدام التقنيات النظيفة، بما في ذلك السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، وذلك في إطار الجهود المبذولة لمكافحة الانبعاثات الضارة بالبيئة وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي.
يأتي هذا التوجه في ظل توقعات تشير إلى أن سوق تخزين البطاريات عالميًا سيشهد نموًا كبيرًا، حيث من المتوقع أن يتجاوز حجم السوق 1 تيراواط بحلول عام 2033، أي ما يعادل سبعة أضعاف القدرة المركبة الحالية، وفقًا لبيانات وحدة أبحاث الطاقة.
وتشهد المنطقة العربية طفرة ملحوظة في مجال الطاقة المتجددة، حيث حققت 10 دول عربية (مصر، والإمارات، والسعودية، والمغرب، والأردن، والسودان، وقطر، والعراق، وسوريا، ولبنان) قفزة في سعة المصادر المتجددة بلغت 33.76 غيغاواط خلال عام 2024، مما يزيد الحاجة إلى بطاريات تخزين الكهرباء للتغلب على الطبيعة المتقطعة لإنتاج الطاقة المتجددة.
وترصد وحدة أبحاث الطاقة تطورات صناعة البطاريات في كل من الإمارات والمغرب، اللتين بدأتا بالفعل في تشغيل مصانع متخصصة في هذا القطاع، مما يفتح الباب أمام منافسة عربية واعدة في هذا المجال.
الإمارات العربية المتحدة: ريادة في صناعة البطاريات المتقدمة
تولي الإمارات العربية المتحدة اهتمامًا متزايدًا بقطاع صناعة البطاريات في السنوات الأخيرة، وذلك في إطار سعيها لرفع نسبة الطاقة المتجددة إلى 32% بحلول عام 2030، من خلال الاعتماد على محطات الطاقة الشمسية بشكل أساسي.
وتسعى الدولة أيضًا إلى زيادة حصة السيارات الكهربائية والهجينة لتصل إلى 13% من إجمالي المركبات بحلول نهاية عام 2030، ثم إلى 50% بحلول عام 2050.
وقد حققت الإمارات مؤخرًا تقدمًا ملحوظًا في بدء صناعة البطاريات المتقدمة، وذلك ضمن جهودها لتوطين هذه الصناعة بشكل كامل، حيث تُستخدم هذه البطاريات في مجالات متعددة مثل السيارات الكهربائية، وشبكات الكهرباء، ومراكز البيانات، وتتميز بما يلي:
- القدرة على التشغيل المتكرر لنحو 4 أو 5 مرات يوميًا.
- الاعتماد على مبدأ التخزين الكهروستاتيكي للطاقة.
- سرعة شحن فائقة وكفاءة تشغيلية عالية.
- عمر تشغيلي يصل إلى 40 عامًا.
- إمكانية شحن المركبات الكهربائية في أقل من 6 دقائق.
وتؤكد شركة آيبيكس للاستثمار الإماراتية أن هذه البطاريات المتقدمة يتم تصنيعها بالكامل في الإمارات، بدءًا من الفكرة والتصميم وصولًا إلى التصنيع.
توطين صناعة مواد البطاريات
في الوقت نفسه، تعمل الإمارات على تصنيع المواد المستخدمة في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية، وقد تجسد ذلك في توقيع مناطق خليفة الاقتصادية أبوظبي (مجموعة كيزاد) اتفاقية لإنشاء مصنع متطور لمعالجة الليثيوم في منطقة كيزاد المعمورة، بالتعاون مع شركة تايتان ليثيوم، ومقرها في الإمارات.
وتنص الاتفاقية على إنشاء مصنع تايتان ليثيوم على مساحة 290 ألف متر مربع على 3 مراحل، وبتكلفة استثمارية قدرها 5 مليارات درهم، بهدف إنتاج مادتي كربونات الليثيوم وهيدروكسيد الليثيوم.
وتستخدم هذه المواد في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية، على أن يتم تصديرها إلى مصانع البطاريات وقطع غيار السيارات الكهربائية على مستوى العالم.
ومن المتوقع أن يستورد المصنع حوالي 150 ألف طن سنويًا من خام الليثيوم من المناجم في زيمبابوي عبر ميناء خليفة المجاور لموقع المصنع في كيزاد.
إعادة تدوير البطاريات: نحو اقتصاد دائري
في الربع الأول من العام الماضي، افتتحت الإمارات مصنعًا لإعادة تدوير البطاريات في مدينة دبي الصناعية التابعة لمجموعة تيكوم، وهو تابع لشركة دوبات.
ويعتمد مصنع دوبات على تقنيات متقدمة لفتح البطاريات وفصل مكوناتها وصهرها وتكريرها، وذلك لضمان استخراج المواد الخطرة بأمان من بطاريات الرصاص الحمضية المستعملة، ومن ثم تدوير ما يصل إلى 80% من مخلفات البطاريات لإنتاج سبائك الرصاص.
ومن المقرر استخدام السبائك المصنعة لإنتاج بطاريات جديدة وإنشاء نظام اقتصاد دائري، بهدف توفير منتجات المصنع النهائية في السوق الإماراتية، وكذلك للتصدير إلى دول الخليج وأوروبا وشرق آسيا.
وتشير التقديرات إلى أن الإمارات تنتج ما بين 72 ألفًا و96 ألف طن من البطاريات المعاد تدويرها سنويًا، كما تصدر البلاد 90% من مخلفات بطاريات الرصاص الحمضية التي تنتجها لإعادة تدويرها.
المغرب: خطوات متسارعة نحو إنتاج مكونات البطاريات
نجح المغرب في بدء إنتاج مكونات بطاريات السيارات الكهربائية، وهو ما يمهد الطريق أمام البلاد لصناعة البطاريات والتصدير للخارج، وسط استثمارات مرتقبة للعديد من الشركات العالمية داخل البلاد.
في يونيو 2025، بدأ أول مصنع في البلاد لإنتاج مواد بطاريات الليثيوم أيون العمل رسميًا بتكلفة استثمارية أولية قدرها 20 مليار درهم (نحو ملياري دولار)، وذلك بالتعاون بين صندوق المدى وشركة سي إن جي آر الصينية.
وتتضمن المرحلة الأولى لمصنع كوبكو إنتاج نحو 40 ألف طن من المواد النشطة، على أن ترتفع إلى 120 ألف طن سنويًا تدريجيًا من مكونات الكاثودات النشطة الأولية (NMC)، و60 ألف طن من كاثود فوسفات الحديد والليثيوم (LFP).
ومن المخطط أن تصل الطاقة الإنتاجية للمشروع الجديد إلى 70 غيغاواط/ساعة سنويًا، وهو ما يكفي لتجهيز مليون مركبة كهربائية، وذلك عبر الاعتماد على الطاقة الخضراء بنسبة 80%، لتصل إلى 100% بحلول العام القادم (2026).
ويُصنَّف المصنع بأنه أول منشأة على مستوى أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط تُنتج الكاثودات النشطة الأولية (NMC)، وهي مكونات تُمثّل نحو 50% من بطارية السيارات الكهربائية.
ويأتي ذلك مع تنفيذ شركة غوشن هاي تك الصينية الأوروبية مصنعًا آخر لصناعة البطاريات الكهربائية في المغرب، ويُصنَّف بأنه الأضخم من نوعه في أفريقيا بتكلفة استثمارية 6.5 مليار دولار، ومن المتوقع بدء تشغيله في الربع الثالث من 2026.
وأخيرا وليس آخرا
في ختام هذا التحليل، يظهر بوضوح أن صناعة البطاريات في الدول العربية تشهد تطورات متسارعة، مدفوعة بالتوجه نحو الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية. ومع استمرار الاستثمارات والابتكارات في هذا القطاع، هل ستتمكن الدول العربية من تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال تصنيع البطاريات وتصديرها إلى الأسواق العالمية؟ وهل ستنجح في بناء اقتصادات مستدامة تعتمد على الطاقة النظيفة؟










