المرونة العاطفية: رحلة النمو لا وهم الراحة
كلما التقيت بشخصية ملهمة ومثيرة للإعجاب، لا يسعني إلا أن أتساءل عن التحديات التي واجهتها لتصل إلى هذه المكانة. فليس خافياً على أحد أن الشخصية تتشكل من خلال تجاوز أصعب التجارب في الحياة.
بين الحفاظ على الذات والتخريب الذاتي: نظرة معمقة
في السنوات الأخيرة، شهدنا انتشاراً واسعاً لمفاهيم الوعي الذاتي، وهو أمر إيجابي بلا شك. فلحسن الحظ، لم يعد اللجوء إلى العلاج النفسي وصمة عار، بل أصبح الاهتمام بالذات ممارسة شائعة، وأصبح التعبير عن المشاعر موضع تقدير.
إلا أن هذه الحركة، التي بدأت بدوافع نبيلة، اتخذت منحىً مقلقاً، إذ عززت ثقافة الجمود، مما جعل الأفراد أقل مرونة، وأقل قدرة على المواجهة، وأكثر هشاشة عاطفياً.
بات البعض يردد عبارات من قبيل “لا أستطيع تحمل هذه المحادثة، إنها تؤثر سلباً على صحتي العقلية”. ولكن هل هذا صحيح فعلاً؟
لقد لاحظت أنه تحت ستار الحفاظ على السلام الداخلي، غالباً ما يتم استغلال لغة الصحة العقلية لتجنب المسؤوليات والمواجهات الصعبة.
فلنتأكد من ذلك.
الصحة العاطفية والعقلية: تمييز ضروري
ما الفرق بين الصحة العاطفية والعقلية؟
تشير الصحة العاطفية إلى القدرة على إدارة المشاعر والتعبير عنها بطريقة صحية عند مواجهة تقلبات الحياة. بينما تشمل الصحة العقلية الصحة النفسية العامة، بما في ذلك القدرة على التفكير بوضوح، واتخاذ القرارات، والتعامل مع تدفق المعلومات اليومي.
على الرغم من الترابط الوثيق بينهما، إلا أنهما ليسا مترادفين. فالصحة العاطفية هي جزء لا يتجزأ من الصحة العقلية، ولكن الصحة العقلية تشمل أيضاً الجوانب المعرفية والسلوكية.
وهذا يعني أن الصحة العقلية الجيدة لا تقتصر على الشعور بالسعادة، بل تتعلق أيضاً بالأداء الجيد، حتى في أصعب الظروف.
بصفتي متخصصاً في هذا المجال، أرى أننا نسير في الاتجاه الخاطئ.
من رعاية الذات إلى تخريب الذات: تحليل نقدي
1. الوعي الذاتي مقابل التشخيص الذاتي: ثنائية خطيرة
يكمن جوهر الذكاء العاطفي في الوعي الذاتي، أي فهم مشاعرك، ونقاط قوتك، وتأثيرك في الآخرين، وكيف يراك العالم.
ولكن، يشهد العصر الحالي اتجاهاً نحو تفسير كل فكرة أو شعور على أنه عرض مرضي.
إن تشخيص حالات القلق أو الاكتئاب أو اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة بناءً على مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي يمثل تبسيطاً مفرطاً وتقويضاً لمعاناة أولئك الذين يعانون من أعراض حادة وتشخيصات سريرية فعلية.
إن المبالغة في تشخيص التجارب الطبيعية قد تؤدي إلى الشعور بالعجز، وتعزيز عقلية الضحية، مما يسبب معاناة غير ضرورية، وخوفاً، وقلقاً لا مبرر لهما.
إذا كنت تشك في أنك بحاجة إلى دعم حقيقي، توقف عن التخمين والتمس المساعدة من متخصصين. سيساهم ذلك في تقليل قلقك وتلبية احتياجاتك.
2. العلاج النفسي: أداة للنمو لا وسام شرف
العلاج النفسي هو أداة قوية للشفاء والنمو، فهو لا يقتصر على دفع المال لشخص ما للاستماع إلى مشاكلك، بل هو عملية تعمل فيها بنشاط على تحسين ذاتك وتتعلم تحمل مسؤولية حياتك بطريقة هادفة.
يهدف التشخيص السريري إلى مساعدتك على فهم نفسك وتوجيهك نحو التعافي والشفاء، وليس إلى أن يصبح مجرد تصنيف يحد من إمكاناتك.
لسوء الحظ، يرى البعض في عبارة “أنا في مرحلة العلاج” ذريعة للتباهي أو التهرب من المسؤولية.
3. لغة الصحة العقلية: حماية أم قمع؟
في زمننا هذا، أصبح الجميع “مُستثارين” أو “سامين” أو “مُصابين بصدمات نفسية”.
في الأصل، كان الهدف من مصطلح “المحفزات” مساعدة ضحايا الصدمات النفسية على تجنب المواقف التي قد تعيد إليهم ذكريات مؤلمة. أما اليوم، فهو يستخدم للإشارة إلى مجرد مضايقات بسيطة.
فهل أنت حقاً “مستثار” أم مجرد “منزعج”؟ هل عملك “سام” أم مجرد “صعب”؟ هل تشعر “بصدمة” أم مجرد “إزعاج”؟ هل أنت “مكتئب” أم مجرد “محبط”؟
إن تجنب الخلافات، أو المضايقات، أو أي شيء يزعجك باستمرار، لا يمثل حماية لصحتك العقلية، بل هو تجنب للحياة نفسها.
4. المشاعر الهشة والعناية الذاتية المفرطة
العناية بالذات هي وسيلة لتجديد طاقتك لتكون أفضل في حياتك. ويجب أن تكون هذه الممارسة من أولويات الحياة التي لا تقبل المساومة في هذا العصر.
جميعنا بحاجة إلى فترة راحة، ولكن الراحة والتجنب الناتج عن الهشاشة ليسا سيان.
إن تجنب التحديات والمسؤوليات يعيق التقدم الشخصي، بينما تدعم العناية بالذات هذا التقدم.
الخبرة مقابل السهولة: صراع حاسم
إن الاعتقاد بأن الصحة العقلية الجيدة تعني الشعور بالسعادة طوال الوقت هو اعتقاد خاطئ. فالحياة الحقيقية مليئة بالتحديات، ولا أحد يحصل على معاملة خاصة.
إذا أردنا أن نحيا حياة ذات معنى، علينا أن نطور قدراتنا على فهم المعلومات، والتفكير بوضوح، واتخاذ القرارات، والتعامل مع المواقف الصعبة أو التكيف معها بفاعلية.
يقول المؤلف روبن شارما: “إن السعي وراء الراحة هو عدو العظمة”.
إذا كنت تطمح إلى أن تصبح أكثر حكمة، وقوة، وكفاءة، تجنب الطريق السهل، لأنه لا يحمل في طياته أي تطور.
بناء المرونة والقدرة على التكيف: خطوات عملية
- تقبل الانزعاج: يظهر الانزعاج في التجارب غير المألوفة التي تتطلب منك الحياة تقديم شيء لم تكن مستعداً له من قبل. تعلم كيف تتقبل هذا الشعور. تبني عقلية “أنا لا أخسر أبداً، إما أن أفوز أو أتعلم”، فهي عقلية قوية تعزز المرونة وتنمي قدراتك العقلية.
- تحمل المسؤولية الجذرية: تحمل مسؤولية أفكارك ومشاعرك وسلوكياتك. فبدلاً من إلقاء اللوم على الآخرين، اسأل نفسك: ما الذي يمكنني فعله لتحسين هذا الوضع؟ ثم ابدأ بالعمل.
- توقف عن المبالغة في تعريف نفسك من خلال التصنيفات: اعترف بأنك إنسان معقد وديناميكي قادر على التطور والتغيير، فأنت لست مجرد تصنيف سريري أو ذاتي.
- استخدم اللغة بمسؤولية: لا تسيء استخدام مصطلحات الصحة العقلية للتعبير عن تحديات الحياة اليومية. حدد مشاعرك الحقيقية وتعامل معها بالشكل المناسب، واطلب المساعدة إذا كنت بحاجة إليها.
- تحدى نفسك: حدد أهدافاً صغيرة وقابلة للتحقيق تدفعك للخروج من منطقة الراحة الخاصة بك، واحتفل بكل تقدم تحرزه.
- أعطِ الأولوية للتطور على الراحة: غالباً ما يصاحب التطور بعض الألم. وقد يكون الانخراط في محادثات صعبة هو السبيل الوحيد لإحداث التغيير المطلوب. تقبل الشعور بعدم الراحة كعلامة على أنك في طريق التطور.
- اطلب المساعدة المتخصصة: إذا كنت تشك في أنك تعاني من حالة لم يتم تشخيصها.
الصحة العقلية: رحلة مستمرة
الصحة العقلية رحلة وليست وجهة
هذه دعوة لك لتقبل الحياة بكل ما فيها من تقلبات، وأن تسعى لتكون النسخة الأكثر إلهاماً وتميزاً من نفسك. كن فضولياً ومنفتحاً، ومستعداً لرؤية الأمور بمنظور جديد.
و أخيرا وليس آخرا
ختاماً، ندعوكم لتبني مفهوم المرونة العاطفية كرحلة نمو مستمرة، لا كوهم بالراحة الدائمة. فالحياة الحقيقية تكمن في مواجهة التحديات وتجاوزها، لا في الهروب منها. فهل أنتم مستعدون لخوض هذه التجربة؟
للحصول على الدعم الصحي النفسي، يمكنكم زيارة الموقع الإلكتروني الخاص بالمجد الإماراتية.










