وسام الإمارات للثقافة والإبداع: تكريمٌ يرسّخ الهوية ويُعلي شأن القوة الناعمة
في عالمٍ يتسارع إيقاعه، وتتداخل فيه الحضارات، تبرز الثقافة كركيزة أساسية لتحديد هوية الأمم وصياغة مستقبلها. إنها ليست مجرد تراث يُحفظ، بل هي ديناميكية متجددة تعكس روح المجتمع وطموحاته. وفي هذا السياق، تولي دولة الإمارات العربية المتحدة اهتمامًا بالغًا للثقافة والإبداع، مدركةً أن القوة الناعمة هي مفتاح التأثير الحضاري والتواصل الإيجابي مع العالم. هذا التوجه الاستراتيجي يتجلى بوضوح في المبادرات الوطنية التي تُعنى بتكريم المبدعين وصنّاع الفكر، ساعيةً بذلك إلى ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للإبداع الفني والفكري.
تكريم رفيع المستوى يعزز الرؤية الثقافية
شهدت العاصمة أبوظبي، في إطار الاجتماعات السنوية لحكومة دولة الإمارات التي جرت مؤخرًا، حدثًا ثقافيًا رفيع المستوى، تمثل في حفل تكريم الفائزين بوسام الإمارات للثقافة والإبداع في نسخته الثانية. هذا التكريم، الذي حظي بحضور صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، عكس التزام القيادة الراسخ بدعم الحركة الثقافية والإبداعية في البلاد. وتولى سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، مهمة تسليم هذه الأوسمة التقديرية، مؤكدًا بذلك الأهمية القصوى التي توليها الدولة لهذا القطاع الحيوي.
الثقافة والإبداع: ركيزة أساسية في التنمية
في كلمته خلال الحفل، شدد سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان على أن الثقافة والإبداع يشكلان “ركيزة أساسية في رؤية دولة الإمارات وتوجهاتها التنموية”. وأوضح سموه أن هذين العنصرين هما “جوهر الهوية الوطنية وروح الانفتاح الحضاري”، وأن مكانتهما ستظل “أولوية إستراتيجية في القوة الناعمة التي تعزز مكانة الإمارات عالمياً، وتفتح أمامها آفاقاً جديدة للتواصل مع الشعوب والتأثير الإيجابي في تنمية المجتمعات”. هذا التوجه يعكس فهمًا عميقًا لدور الثقافة كجسر حضاري، قادر على بناء الجسور بين الشعوب وتعزيز التفاهم المشترك، وهو ما يتوافق مع رؤية الإمارات الرامية إلى الريادة في شتى الميادين.
وأضاف سموه أن وسام الإمارات للثقافة والإبداع يمثل “تكريمًا وتقديرًا مستحقًا لنخبة ملهمة تساهم بإنجازاتها الثقافية والإبداعية في ترسيخ هذا التوجه المهم”. ويُعتبر هذا التكريم بمثابة حافز للمبدعين “لمواصلة العطاء لتعزيز مكانة الإمارات الحضارية والإنسانية، ومضاعفة حضور الثقافة والإبداع والاعتزاز بالهوية الوطنية في مسيرتنا التنموية الرائدة”. فالتكريم ليس غاية بحد ذاته، بل هو وسيلة لدفع عجلة الإبداع قُدمًا، وتشجيع الأجيال الجديدة على الانخراط في هذا المجال الحيوي.
حضور رفيع يبرز أهمية الحدث
شهدت وقائع الحفل حضورًا كثيفًا من كبار الشخصيات والمسؤولين، ما يؤكد الدعم الحكومي غير المحدود للمبادرات الثقافية. كان من أبرز الحضور سمو الشيخ عمار بن حميد النعيمي، ولي عهد عجمان، ورئيس المجلس التنفيذي لإمارة عجمان، وسمو الشيخ محمد بن حمد الشرقي، ولي عهد الفجيرة. كما حضر سموّ الشيخ محمد بن سعود بن صقر القاسمي، ولي عهد رأس الخيمة، وسموّ الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الثاني لحاكم دبي ورئيس مجلس دبي للإعلام.
انضم إليهم في هذا المحفل الثقافي الهام سمو الشيخ سلطان بن أحمد بن سلطان القاسمي، نائب حاكم الشارقة، وسموّ الشيخ أحمد بن سعود بن راشد المعلا، نائب حاكم أم القيوين. كما شمل الحضور الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية، وسمو الشيخ منصور بن محمد بن راشد آل مكتوم، رئيس اللجنة الأولمبية الوطنية، بالإضافة إلى سمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، رئيسة هيئة الثقافة والفنون في دبي. هذا التجمع الرسمي الرفيع المستوى يؤكد على إجماع القيادة في دعم وتعزيز مكانة الثقافة والإبداع كركائز أساسية للتنمية الوطنية.
وسام الإمارات للثقافة والإبداع: رؤية وأهداف
تعد مبادرة وسام الإمارات للثقافة والإبداع، التي تشرف عليها وزارة الثقافة، أرقى وسام من نوعه في الدولة، وتُعنى بالاحتفاء بالشخصيات المتميزة التي أسهمت أعمالها ومشاركاتها الفنية والإبداعية في إثراء المشهد الثقافي الإماراتي. كما عملت هذه الإنجازات على تعزيز حضور الدولة على الساحتين الإقليمية والدولية، وعكست بصدق مكانة وأصالة الهوية الثقافية والوطنية لدولة الإمارات. هذا التكريم يأتي في صميم جهود الدولة لتنمية ودعم العمل الثقافي والإبداعي.
تحفيز الأجيال وإرساء دبلوماسية ثقافية
يُشكل هذا التكريم جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية أوسع ترمي إلى دعم العمل الثقافي والإبداعي والاحتفاء بالمبدعين والمساهمين الرواد في هذا المجال. كما يهدف إلى تشجيع الأجيال الناشئة على تبنّي المسارات الثقافية والإبداعية، مما يسهم بشكل مباشر في رفع جودة الحياة الثقافية في المجتمع. وتعمل هذه المبادرة على ترسيخ مكانة الإمارات على الخارطة الثقافية والإبداعية العالمية، وتعزيز الدبلوماسية الثقافية للدولة على المستوى الدولي، وهي أداة حيوية في بناء العلاقات وتعزيز الصورة الإيجابية للدولة.
من جانبه، أكد معالي الشيخ سالم بن خالد القاسمي، وزير الثقافة، أن وسام الإمارات للثقافة والإبداع يسهم بفعالية في دعم الكفاءات الثقافية الإماراتية، ويجسد التزام دولة الإمارات بتعزيز منظومة الصناعات الثقافية والإبداعية. وأضاف معاليه أن الوسام يعبر عن “إيمانها العميق بدور الثقافة في بناء الإنسان والمجتمع”. هذا التصريح يؤكد على النظرة الشمولية للثقافة كعنصر فاعل في التنمية البشرية والاجتماعية، وليس فقط كترفيه أو ترف.
وشدد معاليه على أن هذا الوسام يشكل حافزًا استراتيجيًا يدفع صُنّاع الثقافة وداعميها نحو آفاق غير مسبوقة من التميز، ويؤسس لنماذج فريدة تُحوّل الإبداع إلى إرث متجدد. ويمثل انعكاسًا لرؤية الدولة في ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للابتكار الثقافي، وبيئة حاضنة للتميز الفكري والفني. هذه الرؤية الطموحة تتماشى مع خطط الإمارات لتحويل اقتصادها إلى اقتصاد قائم على المعرفة والإبداع، حيث تلعب الثقافة دورًا محوريًا.
قائمة المكرمين: قامات أثرت المشهد الإبداعي
شملت قائمة المكرمين بوسام الإمارات للثقافة والإبداع نخبة من الشخصيات البارزة التي تركت بصمات واضحة في المشهد الثقافي والإبداعي للدولة. وقد تم تقسيم التكريم إلى طبقتين رئيسيتين: طبقة العطاء وطبقة الرواد، تكريمًا لتنوع المساهمات وعمقها.
طبقة العطاء: إسهامات رائدة في شتى المجالات
تضمنت طبقة العطاء أسماء لامعة أثرت حقولاً معرفية وفنية متنوعة:
-
سعادة المهندس رشاد بوخش: كُرِّم عن فئة التصميم والعمارة. يُعد أحد أبرز المتخصصين في حفظ التراث المعماري في دولة الإمارات، وأشرف على ترميم أكثر من 215 مبنى تاريخيًا، وقاد مشاريع بارزة لتوثيق التراث المعماري المحلي وتنميته. تعكس جهوده التزام الدولة بالحفاظ على إرثها التاريخي والمعماري.
-
الموسيقي والملحن إبراهيم جمعة: نال الوسام عن فئة الموسيقى. يُعتبر من الرموز المؤثرة في تشكيل الذاكرة الوطنية الموسيقية والاحتفالية للدولة، وساهم في كتابة وتلحين العديد من الأعمال الوطنية والتراثية التي باتت جزءًا لا يتجزأ من الهوية الفنية الإماراتية.
-
السيد إسماعيل عبدالله الحمادي: كُرِّم عن فئة الفنون الأدائية والمسرح. يُعد من رواد الحركة المسرحية والفنون الأدائية في دولة الإمارات والعالم العربي، وله بصمة عميقة في المشهد الثقافي من خلال أدواره المتعددة كمؤلف ومخرج ومدير ثقافي، مما يبرز الأثر الشامل الذي يمكن أن يحدثه الفرد في حقل واسع كالمسرح.
-
الدكتور عارف الشيخ: حاز على الوسام عن فئة الأدب واللغة العربية. وهو مبدع كلمات السلام الوطني لدولة الإمارات، وأحد أبرز الشخصيات الثقافية والأدبية، حيث جمع بين الشعر والفكر والتربية، وساهم في تطوير المناهج التعليمية الوطنية، ما يعزز بناء جيل يعتز بتراثه وقيمه.
-
الفنان التشكيلي الدكتور محمد يوسف الحمادي: نال التكريم عن فئة الفنون البصرية والرقمية. يُعد أحد مؤسسي الحركة الفنية التشكيلية في الإمارات، ومن المؤسسين الأوائل لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، بالإضافة إلى إسهاماته العلمية والأكاديمية البارزة التي شكلت المشهد الفني المعاصر.
طبقة الرواد: أسس متينة للإبداع
احتفت طبقة الرواد بشخصيات وضعت الأسس لعديد من المجالات الإبداعية:
-
الفنان القدير جابر سلطان نغموش: كُرِّم عن فئة الفنون الأدائية والمسرح. يُعتبر من رواد الحركة الفنية في الإمارات، وأحد أعمدة الدراما الكوميدية التي أثرت الساحة الفنية بأعمال مميزة تركت بصمة واضحة في ذاكرة المشاهدين.
-
السيدة شيخة مبارك الناخي: نالت الوسام عن فئة الأدب واللغة العربية. تُعد من أوائل الرائدات في مجال الأدب الإماراتي، خاصةً في كتابة القصة القصيرة، وكانت عضوًا مؤسسًا في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وساهمت في تأسيس رابطة أديبات الإمارات بأندية الفتيات بالشارقة، مما يدل على دورها المحوري في تمكين المرأة أدبيًا.
-
الفنان التشكيلي والخطاط محمد مندي: كُرِّم عن فئة الفنون البصرية والرقمية. يُعد أحد أبرز مصممي الخط العربي في المنطقة، وصمم الخط المستخدم على العملات الورقية وجواز السفر الخاص بدولة الإمارات وعدد من الدول الخليجية، ليترك إرثًا بصريًا لا يُنسى.
أهداف الوسام: بناء منظومة ثقافية عالمية
يهدف وسام الإمارات للثقافة والإبداع إلى إرساء منظومة ثقافية وإبداعية متقدمة على الصعيدين المحلي والدولي. فمن خلال الاحتفاء بهذه المساهمات الاستثنائية، يعزز الوسام الهوية الثقافية والوطنية لدولة الإمارات، ويؤكد التزامها الراسخ بتقدير الثقافة والإبداع. هذه المبادرة لا تقتصر على التكريم فحسب، بل هي محفز للارتقاء بالمستوى الثقافي العام في الدولة، كما حدث في مبادرات مشابهة حول العالم تهدف إلى تقدير الفنون والآداب، مثل وسام الفنون والآداب الفرنسي أو الميدالية الوطنية الأمريكية للفنون.
على الصعيد العالمي، ترسّخ هذه المبادرة مكانة دولة الإمارات بوصفها دولة رائدة في مجال الثقافة والإبداع. كما تُلهِم التعاون والاعتراف ضمن المجتمع الإبداعي الدولي، وتعمل على تأسيس إرث من الفخر الثقافي والطموح للأجيال الناشئة. وتشجع هذه المبادرة المبدعين الشباب على اللحاق بشغفهم، والمساهمة بفعالية في المشهد الثقافي المتطور لدولة الإمارات، بحيث يعمل ذلك كله على استدامة قيم التعبير الفني وحفظ التراث في تشكيل مستقبل الدولة المشرق.
تصميم الوسام: رمزية تراثية ومعاصرة
تم تصميم وسام الإمارات للثقافة والإبداع مستلهمًا من التراث والهوية الثقافية الراسخة والعناصر الرمزية لدولة الإمارات. يجمع التصميم بين خمسة عناصر أساسية، يعكس كل منها جانبًا فريدًا من التقاليد والهوية الإماراتية، في مزيج يجمع بين الأصالة والمعاصرة.
-
الصقر: يتوسط التصميم ليمثل الرؤية والقوة والمثابرة، ويجسّد روح الإصرار والطموح المتجذرة في الثقافة الإماراتية.
-
الشمس: تحيط بالصقر، وترمز إلى الحياة والحيوية والطاقة، مجسدةً الإيقاعات اليومية التي تغذي الحياة الإماراتية، والتأثير الدائم لقوى الطبيعة على تراث المنطقة الغني.
-
الحصن: يحيط بهذه العناصر الأساسية، ليمثل الحماية والإرث والحفاظ على التقاليد، ويؤكد الجذور التاريخية لدولة الإمارات وقوة مجتمعاتها المتماسكة.
-
حبات الخرز: تتضمنها التصميم، وترمز إلى الإمارات السبع، في تأكيد لقوة الاتحاد والتلاحم الوطني.
-
شريط الوسام: يتزين بنقوش السدو التقليدية، مع ألوان مستوحاة من سباقات الهجن والطبيعة الصحراوية، تكريمًا للحرف اليدوية الأصيلة والتراث الإماراتي العريق.
وفي مركز الوسام، تتألق قطعة نقدية لتضفي عليه رمزية تلهم أجيال المستقبل. يمثل هذا المزج بين القيم التقليدية والحداثة في تصميم الوسام منارة للتميز الثقافي والتطور الإبداعي، وتطلعًا إلى مستقبل حيوي متجذر في التراث، مما يعكس الانسجام بين الماضي العريق والمستقبل الطموح.
و أخيرًا وليس آخرًا
يُشكل وسام الإمارات للثقافة والإبداع حجر زاوية في استراتيجية الإمارات لبناء قوة ناعمة عالمية، تنطلق من عمقها الثقافي والتراثي. إنه ليس مجرد تكريم فردي، بل هو إعلان عن رؤية دولة تضع الإبداع والثقافة في صلب مشروعها التنموي، وتفهم أن الثروة الحقيقية تكمن في العقول المبتكرة والأرواح الخلاقة. هذا الوسام، بتصميمه الرمزي وأهدافه الطموحة، يدعونا إلى التساؤل: كيف يمكن لمبادرات مماثلة أن تعزز ليس فقط الهوية الوطنية، بل تسهم أيضًا في صياغة حوار حضاري عالمي أكثر عمقًا وإيجابية في ظل التحديات المعاصرة؟










