قصة سلامة: معجزة الطفلة التي تحدت المستحيل
في قصص تتجاوز حدود المألوف، تبرز حكاية الطفلة سلامة كرمز للأمل والصمود. رحلة سلامة، التي بدأت بوزن لا يتجاوز 500 جرام، تروي قصة تحدي الصعاب والمعجزات الطبية. بالنسبة لعائلتها، كانت ولادة سلامة بمثابة المعجزة الحقيقية، إذ ولدت بوزن ضئيل ورئتين لم تكتمل نموهما، إضافة إلى مضاعفات صحية أخرى.
ميلاد متعثر وبداية صعبة
في الأسبوع الثاني والعشرين والنصف من الحمل، استقبلت الدنيا الطفلة سلامة بوزن 500 جرام فقط. لم يكن مقدراً لشقيقها التوأم البقاء على قيد الحياة، ولم تكن فرص سلامة أفضل حالاً، لكن العناية الطبية الفائقة والحب العائلي كانا كفيلين بتغيير مسار القدر.
أمضت سلامة الأشهر الأربعة والنصف الأولى من حياتها في وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة في مدينة برجيل الطبية بأبوظبي، محاطة بالأنابيب والأجهزة الطبية. والدتها، سينا صالح، لم تستطع نسيان اللحظة التي نُقلت فيها إلى المستشفى وهي في شهرها الخامس من الحمل.
لحظات الخوف والأمل
تتذكر سينا صالح زيارتها لمنزل والديها في أبوظبي، وكيف داهمها ألم شديد في البطن، ليتم نقلها على الفور إلى مركز بلومبرج الطبي، حيث تلقت الخبر الصاعق: كانت في مرحلة مخاض مبكرة.
عمل الأطباء جاهدين لتأخير الولادة قدر الإمكان، على أمل إبقاء الطفلين في رحم الأم لمدة عشرة أيام إضافية على الأقل، لكن القدر لم يمهل شقيق سلامة. تقول سينا، والأم لطفلة أخرى تبلغ من العمر خمس سنوات: “كنت أخشى فقدان سلامة أيضاً، كما فقدت ابني. لقد كان هذا الوقت هو الأصعب في حياتي وحياة زوجي”.
النضال من أجل البقاء
تحديات طبية جمة
تصف الدكتورة عنايات مصدق، استشارية طب حديثي الولادة ونائبة رئيس القسم في مركز بلومبرج الطبي، حالة سلامة الأولية بالخطيرة جداً، حيث ولدت برئتين غير مكتملتين ومضاعفات طبية متعددة، وكان تأمين مجرى الهواء، ووضع استراتيجية للتهوية، والتعامل مع عدم تحملها للتغذية من بين أكبر التحديات.
فريق طبي متكامل لإنقاذ حياة
عمل فريق متكامل من أطباء حديثي الولادة، وممرضات متخصصات، ومعالجي الجهاز التنفسي، وأخصائيي العلاج الطبيعي، وجراحي الأطفال، وأطباء القلب والرئة والعيون، معاً لتقديم أفضل فرصة ممكنة للطفلة.
بعد أسابيع قليلة من ولادتها، واجهت سلامة حالة طارئة تهدد حياتها: تمزق في الأمعاء أدى إلى انتفاخ شديد في البطن والتهابات. الدكتور راجا سيخار سينجاباجو، جراح الأطفال، قاد العملية الجراحية المعقدة التي أنقذت حياتها.
يقول الدكتور سينجاباجو: “أجرينا عملية جراحية لطفلة تزن 500 جرام فقط، وتعاني من مشاكل طبية متعددة، وهو ما تطلب دقة وحذراً شديدين. قمنا بإنشاء فتحة معوية مؤقتة لتجميع البراز، ثم أجرينا عمليات جراحية إضافية لاستعادة استمرارية الأمعاء”.
تصف سينا كل يوم بأنه رحلة عاطفية مليئة بالتقلبات، وتقول: “كانت كل عملية مرهقة، والقلق كان شديداً. كانت الرضاعة الطبيعية تحدياً، ولكن بدعم الفريق الطبي، تمكنت من تزويدها بحليب الثدي من خلال زجاجة”.
التعافي والعودة إلى الحياة
بداية التحسن
بفضل التدخل الجراحي والرعاية المتخصصة، لم تنجُ سلامة فحسب، بل بدأت في التحسن. وكان خروجها من المستشفى لحظة فرح عارمة.
يشير الدكتور مصدق إلى أن عودة الأطفال المولودين في الأسبوع الثاني والعشرين إلى المنزل بنجاح أمر نادر للغاية، ويضيف: “عندما تم فصل سلامة عن الأكسجين وتمكنت من الرضاعة عن طريق الفم، كان ذلك احتفالاً للفريق بأكمله”.
قصة سلامة.. إلهام يتجدد
بالنسبة لسينا وعائلتها، كانت الرحلة أشبه بالمعجزة. تقول: “قضينا أكثر من أربعة أشهر ونصف في وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة – أصبحت منزلنا الثاني، وأصبح الموظفون عائلتنا. لقد منحونا القوة والأمل. بفضل الله والفريق الطبي الرائع، تنمو سلامة الآن وتكبر مثل أي طفل آخر في عمرها”.
وأخيراً وليس آخراً
تظل قصة سلامة شهادة على قوة الإرادة البشرية والتفاني الطبي، وهي قصة تثير التساؤلات حول حدود الطب الحديث والمعجزات التي يمكن أن تتحقق عندما يلتقي العلم بالأمل والإيمان. فهل ستكون سلامة مجرد قصة نجاح فردية، أم أنها بداية لفهم أعمق لقدرة الإنسان على التغلب على المستحيل؟










