تاريخ رأس الخيمة العريق: رحلة عبر العصور
تتميز رأس الخيمة بتاريخ يمتد إلى حوالي 7000 عام، حيث شهدت المنطقة استقرارًا بشريًا مستمرًا عبر مختلف العصور الأثرية والتاريخية. شهدت هذه البقعة تحولات جيولوجية كبيرة، مما أدى إلى ظهور تضاريس متنوعة من الجبال الشاهقة والسهول الخصبة إلى البحيرات والمناطق الصحراوية، الأمر الذي جعلها بيئة مثالية للاستيطان البشري منذ القدم.
العصر الحجري الحديث
على بعد 23 كيلومترًا جنوب غرب مدينة رأس الخيمة، بالقرب من قرية الصيد المهجورة الجزيرة الحمراء، توجد بقايا أثرية لتل من صنع الإنسان، تشير إلى عمق تاريخ المنطقة. يُعرف هذا التل باسم الصدفة، ويتكون من بقايا مبانٍ تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، بالإضافة إلى عظام الأسماك، وأصداف الرخويات، وعظام الأطوم والماشية. على الرغم من أن هذا الموقع لا يجذب السياح بشكل كبير، إلا أنه يحمل قيمة كبيرة لفهم تاريخ رأس الخيمة القديم.
اكتشافات أثرية مهمة
في أواخر الثمانينيات، اكتشف علماء الآثار الألمان أجزاء من فخار بلاد ما بين النهرين داخل التل، مما يشير إلى أن تاريخه يعود إلى الألفية الخامسة أو السادسة قبل الميلاد، أي إلى أواخر العصر الحجري. هذه القطع الأثرية تعتبر من بين أقدم اللقى التي عُثر عليها في الخليج الأدنى، وتؤكد أن تاريخ رأس الخيمة يمتد إلى ما لا يقل عن 7000 عام.
إناء أثري من الفخار يعود إلى فترة العبيد، مزين بطلاء بني داكن، معروض في متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك، يوضح طبيعة فخار العبيد الذي تميز بتصاميمه الهندسية واستخدامه للطلاء الداكن فوق طبقة كريمية. وقد عُثر على اكتشافات مماثلة في الشارقة وأم القيوين، وكذلك في جزر قبالة ساحل أبوظبي. هذه القطع الأثرية تسهم في فهم أعمق للحياة في رأس الخيمة في أواخر العصر الحجري.
الحياة في العصر الحجري الحديث
على الرغم من أن المعلومات حول سكان الإمارة قبل 7000 عام محدودة، إلا أن الاكتشافات التي تمت على مدار الثلاثين عامًا الماضية كشفت بعض التفاصيل حول نمط حياتهم. كان السكان يعيشون في مستوطنات موسمية على طول الساحل، ويعتمدون على الغوص وصيد السمك كمصدر رئيسي للغذاء. كما تشير الأدلة إلى وجود كميات كبيرة من عظام الأسماك، وبقر البحر، والسلاحف، والدلافين في المنطقة، بالإضافة إلى عظام الماشية، مما يدل على أنهم امتهنوا تربيتها أيضًا.
تدل بقايا فخار العبيد التي عُثر عليها في الجزيرة الحمراء على وجود نشاط تجاري بحري في ذلك الوقت، على الرغم من أن الصورة الكاملة لهذا النوع من التجارة لا تزال غير واضحة. كان سكان المنطقة إما بدوًا رُحّل أو شبه رُحّل، يعملون في رعاية الماشية والأغنام والماعز، ويصطادون الحيوانات البرية بأسلحة من الصوان والأحجار الأخرى. وقد ساعدهم في ذلك أراضٍ كانت أكثر اخضرارًا مما هي عليه اليوم.
تطور أدوات الصيد
العثور على رؤوس سهام وكاشطات وسكاكين وأدوات حفر، بالإضافة إلى رقائق حجرية وشفرات مصنوعة من أنواع مختلفة من حجر الصوان، يؤكد على تطور أدوات الصيد في تلك الحقبة. وقد عُثر على قطع صوان مماثلة في مواقع بالقرب من قرية خت، بما في ذلك مكان لتصنيع تلك الأسلحة. تشمل هذه الأسلحة ساطورًا ذا حدين، وقدومًا، وإسفينًا، ورؤوس سهم صغيرة مكسورة، والعديد من الكاشطات والشفرات وأدوات الحفر.
المناخ والبيئة
على الرغم من صعوبة تخيل الأجواء المناخية التي سادت قبل 7000 عام، إلا أنها كانت أفضل من الظروف الحالية، حيث انتشرت بحيرات المياه العذبة والمروج الخضراء لتربية الماشية، بالإضافة إلى وفرة الأعشاب البحرية التي كانت مناسبة لبقر البحر والكائنات البحرية الأخرى. كانت المناظر الطبيعية في رأس الخيمة فريدة من نوعها بفضل بحارها وجبالها وسهولها الخصبة، مما شكل مزيجًا رائعًا لأولئك الذين عاشوا هناك في تلك الحقبة الزمنية.
مع ذلك، لم يتم العثور على أية لُقى أثرية أخرى من أواخر العصر الحجري، مما يجعل الأدلة على الوجود البشري قليلة وغير واضحة، وهو أمر لم تتجلَ تفاصيله حتى العصر البرونزي.
العصر البرونزي
بدأت مؤشرات التطوير الثقافي تظهر بشكل أوضح خلال العصر البرونزي، الذي ينقسم إلى أربع فترات منفصلة: فترة حفيت (3200-2600 قبل الميلاد)، وفترة أم النار (2600 – 2000 قبل الميلاد)، وفترة وادي سوق (2000 – 1600 قبل الميلاد)، وأواخر العصر البرونزي (1600 – 1250 قبل الميلاد). وقد أسهمت هذه الفترات في تشكيل منطقة دولة الإمارات العربية المتحدة وشمال سلطنة عُمان.
تسمية الفترات
سُميت الفترات الثلاث الأولى بأسماء المواقع التي تم اكتشاف أدلة على وجودها فيها. أُطلق على فترة حفيت هذا الاسم نسبة إلى المدافن التي عُثر عليها في جبل حفيت بمدينة العين، أما فترة أم النار فيعود اسمها لجزيرة تحمل الاسم نفسه قبالة ساحل أبوظبي، بينما سُميت فترة وادي سوق نسبةً إلى أحد المواقع في وادي سوق بين العين وساحل عُمان. وبسبب نقص الأدلة التاريخية، كانت دراسة هذه الفترات تعتمد بشكل كبير على علم الآثار.
فترة حفيت (3200 – 2600 قبل الميلاد)
على عكس المستوطنين الذين عاشوا خلال العصر الحجري الحديث في رأس الخيمة، تميزت فترة حفيت بانتشار المستوطنات في الواحات. وعلى طول جبال شمال رأس الخيمة، تم الكشف عن أكثر من 150 مدفنًا، مما يشير إلى وجود آثار بشرية يعود تاريخها لأكثر من 5000 عام. على الرغم من قلة المعلومات المتوفرة عن حياتهم اليومية، إلا أن عدد هذه المدافن يدل على وجود مستوطنات قديمة في الواحات، ومجموعات شبه بدوية ارتحلت من مكان لآخر.
عُثر على اللقى الأثرية لهذه الفترة في العديد من المواقع، بما في ذلك قرية خت وقرن الحرف. وقد اشتُهِرت الأولى بينابيعها الحارة، وتعد أقدم منطقة مأهولة بالسكان بشكل دائم في رأس الخيمة، في حين أن المنطقة الثانية عبارة عن تلٍّ منعزلة أمام جبال الحجر تقع بين وادي البيح ووادي النقب.
اكتشاف المقابر
اكتشفت عالمة الآثار البريطانية بياتريس دي كاردي المقابر في قرية خت للمرة الأولى عام 1977، وهي مصنوعة من الحجر المحلي غير المصقول أو المقطوع، وكانت في الأصل على هيئة خلية نحل مكونة من حجرة صغيرة، أو حجرتين للدفن، تتسع لشخصين وحتى خمسة أشخاص.
اكتشفت دائرة الآثار والمتاحف بإمارة رأس الخيمة في قرن الحرف على أكبر مجموعة من حجارة حفيت في رأس الخيمة. كما تتوزع أكثر من ستين مقبرة على مجموعات صغيرة على حواف وأسفل التل. وتشير هذه الأعداد الكبيرة إلى مستوطنة قديمة تعود إلى عصر ما قبل التاريخ، مثل تلك التي تم العثور عليها في منطقة الحيل والفحلين.
آثار مدافن وادي سوق في قرن الحرف ضمن سهل خصب يحتوي على ستين من أنظمة المقابر وحجراتها على الأقل. وقد أصبح تأريخ هذه الهياكل ممكناً من خلال الاكتشافات الفخارية التي عُثِرت في عدد من أقدم مقابر العين، وتضمّنت النّتائج فخاراً مزخرفاً من بلاد ما بين النهرين يعود إلى فترة جمدة نصر (3100 – 2900 قبل الميلاد)، ومجموعة من خرز الأنابيب الصّغيرة باللّونين الأزرق والأخضر.










