تراث الإمارات: نظرة على الحضارة العريقة
الأمة التي تغفل عن ماضيها وتاريخها، لا يمكنها أن تنهض بحاضرها أو ترسم مستقبلها. هذا ما أكده الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس الدولة، والذي قال: “من لا يعرف ماضيه، لا يستطيع أن يعيش حاضره أو مستقبله”.
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، كما قال الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، “لسنا أمة طارئة على التاريخ”، بل يمتد تاريخنا إلى ما يقارب سبعة آلاف سنة، كما أثبتت الاكتشافات الأثرية منذ الخمسينيات. ويمكن تقسيم المراحل التاريخية التي مرت بها الدولة كالتالي:
حضارة الإمارات في عصور ما قبل التاريخ
بدأت الاكتشافات الأثرية في دولة الإمارات العربية المتحدة مع اكتشاف مقابر أم النار في أبوظبي، مما كشف عن عمق تاريخ الدولة. كشفت الاكتشافات الأثرية المتنوعة في هذه الجزيرة عن حضارات قديمة ازدهرت في المنطقة لفترة طويلة، بدءًا من العصر الحجري الحديث (6000 ق.م – 3500 ق.م) وانتهاءً بالعصر الحديدي (1300 ق.م – 300 ق.م)، وذلك على النحو التالي:
حضارة الإمارات في العصر الحجري المتأخر (6000 ق.م – 3500 ق.م)
في هذه الفترة، تم العثور على أول دليل على وجود مستوطنة بشرية في منطقة الإمارات، حيث تم اكتشاف آثار لجماعات بدوية تعيش على الصيد وجمع النباتات، بالإضافة إلى العديد من المقابر الجماعية في جبل البحيص بالشارقة، وأدوات ورؤوس سهام في جزيرتي دلما ومروح بأبوظبي. تميزت هذه الفترة بظهور الأواني الفخارية، كما يتضح من الاكتشافات العديدة في الشارقة وأم القيوين ورأس الخيمة وأبوظبي. يُعتقد أن هذه الآثار تعود إلى ما يسمى بـ “فترة العبيد”، والتي تعتبر جزءًا من العصر الحجري المتأخر ويعود تاريخها إلى أواخر الألف السادس قبل الميلاد.
حضارة الإمارات في العصر البرونزي (3200 ق.م – 1300 ق.م)
تنقسم هذه الحضارة إلى ثلاث فترات زمنية:
-
حقبة جبل حفيت: تمتد من 3200 ق.م إلى 2500 ق.م، وقد سميت بهذا الاسم نسبة إلى المدافن التي تم العثور عليها في “جبل حفيت” بالقرب من منطقة العين التابعة لإمارة أبوظبي. تتميز المدافن المكتشفة في هذه الفترة بكونها جماعية وصغيرة، وتشبه خلايا النحل، ويتزامن تاريخها مع ازدهار صناعة النحاس. أما في مجال الزراعة، فقد تم العثور في منطقة “العين” على آثار لمستوطنة زراعية ضخمة كانت تعتمد على زراعة الذرة والقمح. أهم الآثار المكتشفة في هذه الفترة هي المقابر الجماعية والمستوطنات القديمة في “جبل حفيت” ومنطقة “الهيلي” في العين بأبوظبي، وكذلك المقابر الجماعية في جبل “إميلح” بالقرب من منطقة الذيد بالشارقة.
-
حقبة أم النار: تمتد من 2500 ق.م إلى 2000 ق.م. وقد اكتسبت شهرتها من اكتشاف آثار جزيرة “أم النار” بأبوظبي في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي. تم العثور في مواقع “أم النار” على حوالي أربعين تلاً مدفوناً، والعديد من القبور مستديرة الشكل، وعدة مدافن جماعية، كما تم العثور على آثار لمستوطنة بالقرب من هذه المدافن بها مساكن مبنية من الحجر، وتحتوي على قطع من الأواني الحجرية الشبيهة بالأواني الجنائزية، وأدوات أخرى كانت تستخدم في الطبخ، مما يدل على أن هذه المساكن تعود إلى فترة القبور ذاتها.
تمكنت البعثات الأثرية من العثور على منزل يضم سبع غرف مستطيلة الشكل، وعلى كسرات فخارية من نوع الأوعية الحمراء، وعظام للماشية والأسماك والسلاحف والجمال، وأدوات نحاسية، تدل جميعها على مدى اعتماد إنسان تلك الحقبة على مهنة الصيد. مثلت فترة “أم النار” ذروة حضارة العصر البرونزي؛ حيث شهدت قيام علاقات تجارية قوية مع حضارة ما بين النهرين وحضارة “هارابا” في وادي السند (باكستان حالياً)، وتميزت مقابرها الجماعية بضخامة حجمها، وبكونها دائرية ومبنية من الحجارة. وشملت هذه الفترة أيضاً ما يزيد عن 200 مدفن في أنحاء متفرقة من الإمارات. تمكنت البعثات الأثرية من اكتشاف آثار مشابهة لآثار “أم النار” في شمال الإمارات مثل: “المويهات” في عجمان، و”الأبرك” في أم القيوين، و”البدية” في الفجيرة، و”كلباء” في الشارقة، و”شمل” في رأس الخيمة.
-
حقبة وادي سوق: تمتد من 2000 ق.م إلى 1300 ق.م. وقد سميت بهذا الاسم نسبة إلى أحد المواقع في “وادي سوق” بين العين وساحل عمان. أهم الاكتشافات الأثرية في هذه الفترة هي العثور على عدد من المقابر ورؤوس الرماح، والأواني والجواهر المشغولة من الذهب والفضة في مناطق: “شمل” برأس الخيمة، و”خورفكان” و”جبل البحيص” بالشارقة، و”القصيص” بدبي. تدل هذه الاكتشافات على تراجع حضاري في هذه الفترة؛ إما بسبب التغيرات المناخية القاسية، أو لتوقف التجارة الخارجية للنحاس إلى بلاد ما بين النهرين.
حضارة الإمارات في العصر الحديدي (1300 ق.م – 300 ق.م)
تمتد هذه الحقبة من 1300 ق.م إلى 300 ق.م. وتشير الاكتشافات الأثرية إلى أن منطقة الإمارات كانت في أوج ازدهارها وتطورها الحضاري خلال هذه الفترة. فقد تميزت بظهور أول استخدام لنظام “الأفلاج” الذي أتاح استخراج المياه الجوفية ومواصلة الزراعة في مناخ جاف. وشهدت أول ظهور للكتابة، وبلغ عدد المواقع الأثرية العائدة لها 26 موقعاً موزعة على مناطق الإمارات كافة. أما أهم الآثار المكتشفة في هذه الحقبة فهي: “قرى تستخدم نظام الأفلاج” في مناطق: “رميلة وجرن بنت سعود” في العين بأبوظبي، و”الثقيبة وأم صفاة” في الشارقة، ومستوطنات ضخمة محصنة في مناطق: “مويلح” و”تل أبرق” في أم القيوين والشارقة.
و أخيرا وليس آخرا:
إن استعراض هذه الحقبات التاريخية يظهر العمق الحضاري لدولة الإمارات العربية المتحدة، وكيف أن هذه الأرض كانت مهداً لحضارات ازدهرت وتركت بصماتها عبر العصور. يبقى السؤال: كيف يمكننا الاستفادة من هذا الإرث التاريخي في بناء مستقبل أكثر ازدهاراً وتقدماً؟ وهل يمكن للاكتشافات الأثرية المستقبلية أن تكشف لنا المزيد عن هذه الحضارات القديمة وتساهم في فهمنا لتاريخنا؟







