الصحة النفسية للرجال في الإمارات: لماذا نهملها؟
في عالم اليوم، يواجه الرجال في الإمارات العربية المتحدة تحديات متزايدة تؤثر على صحتهم النفسية. بينما يسارع معظمهم لإصلاح جهاز الكمبيوتر المحمول المتعطل، أو التحقق من ضوء تحذير السيارة، أو استبدال بطاقة مصرفية مفقودة، يتردد الكثيرون في طلب المساعدة عندما يتعلق الأمر بتقلبات المزاج المستمرة أو فقدان الحافز أو علامات الضيق العاطفي.
دراسة حديثة أجرتها شركة أكسا جلوبال هيلثكير تكشف عن هذه المفارقة، حيث يظهر أن الرجال في الإمارات يميلون إلى إعطاء الأولوية للمشكلات التقنية أو المالية على صحتهم البدنية والعقلية.
الأولويات المقلوبة: دراسة تكشف المستور
أظهرت الدراسة أن 89% من الرجال في الإمارات يتخذون إجراءات فورية في حال فقدان بطاقاتهم المصرفية، بينما يستجيب 84% منهم بسرعة لتحذيرات السيارة. بالإضافة إلى ذلك، يعتني 80% منهم بحيواناتهم الأليفة المريضة على الفور، ويصلح 79% منهم أجهزة الكمبيوتر المحمولة المعطلة دون تأخير. ومع ذلك، ينخفض هذا الرقم بشكل ملحوظ عندما يتعلق الأمر بالصحة الشخصية، حيث يطلب 56% فقط الدعم في حال استمرار انخفاض حالتهم المزاجية، وهو ما قد يكون علامة مبكرة على مشكلة نفسية خطيرة.
لماذا الأمور العملية تسبق الصحة النفسية؟
يشير كريم إيدلبي، رئيس قسم النمو في شركة أكسا جلوبال هيلثكير، إلى أن العديد من الرجال في الإمارات يضعون التكنولوجيا والأمور المالية والعملية قبل صحتهم البدنية والنفسية. ويؤكد على الحاجة إلى تبني نهج استباقي للرفاهية بدلاً من انتظار تفاقم المشكلات.
تعكس هذه الدراسة اتجاهًا عالميًا يميل فيه الرجال إلى تجاهل الأعراض المرتبطة بالصحة العاطفية، خاصة إذا كانت خفية أو مرتبطة بالتوتر أو القلق أو الإرهاق.
بصيص أمل في الأفق
لحسن الحظ، هناك مؤشرات إيجابية، حيث يعبر 70% من الرجال في الإمارات عن استعدادهم للتصرف إذا أشار جهاز يمكن ارتداؤه أو تطبيق صحي إلى وجود مشكلة غير عادية، مما يدل على أن التكنولوجيا يمكن أن تكون جزءًا من الحل.
لدعم هذا التحول، تقدم أكسا، بالتعاون مع شركة دامان المحلية، أدوات وقائية مثل خدمات الرعاية الافتراضية التي تتيح استشارات غير محدودة عبر الفيديو أو الهاتف مع الأطباء، وفحص الصحة العقلية الذاتي، وهي أداة تقييم عبر الإنترنت تساعد المستخدمين على قياس صحتهم العاطفية.
العقل السليم في الجسم السليم: نظرة الأطباء
يؤكد الدكتور أمير جافيد، استشاري الطب النفسي في مدينة برجيل الطبية، أن نتائج الدراسة ليست مفاجئة، موضحًا أن الرجال غالبًا ما يُعلّمون ربط القوة بالصمت والصمود بالعزلة، وأن معايير الذكورة التقليدية تثني عن إظهار الضعف. بالإضافة إلى ذلك، تلعب عزلة المغتربين وضغوط العمل والوصمة الاجتماعية المرتبطة بالصحة النفسية دورًا في إحجام العديد من الرجال عن طلب المساعدة.
عواقب وخيمة لتجاهل الصحة النفسية
من المهم أن ندرك أن معدل الانتحار بين الرجال أعلى من معدله بين النساء على مستوى العالم، وهو تذكير صارخ بالمخاطر المترتبة على تجاهل الصحة العاطفية.
يحذر الدكتور جافيد من أن تجاهل انخفاض الحالة المزاجية أو نقص الحافز يمكن أن يؤدي إلى آثار خطيرة طويلة المدى على الصعيدين الشخصي والمهني، حيث قد تكون هذه العلامات المبكرة للاكتئاب أو اضطرابات المزاج. وإذا تركت دون علاج، فإنها تؤثر على العلاقات والإنتاجية والقدرة على العمل. غالبًا ما نرى الرجال يطلبون المساعدة فقط عندما تتفاقم الأمور، مثل انهيار العلاقات أو تدهور العمل أو تفاقم تعاطي المخدرات.
أصلح نفسك أولاً: دعوة للتغيير
يدعو الدكتور جافيد الرجال إلى النظر إلى صحتهم النفسية والجسدية على أنها صيانة روتينية، تمامًا مثل تحديث البرامج أو صيانة السيارة، مؤكدًا أن العقل والجسد مترابطان، وأن الحالة النفسية الصحية تُحسّن اتخاذ القرارات والمرونة وحتى إدارة الشؤون المالية وضغوط العمل.
خطوات بسيطة نحو صحة نفسية أفضل
يشجع الدكتور جافيد على إجراء تغييرات بسيطة في نمط الحياة، مثل ممارسة الرياضة بانتظام والامتنان اليومي واليقظة الذهنية وطلب الدعم المهني المبكر. كما يسلط الضوء على دور الأصدقاء والعائلة وأصحاب العمل في التعرف على علامات الإنذار المبكرة، مثل الانفعال واضطراب النوم والانطواء.
الأدوات الرقمية: حلول مبتكرة
يؤكد الخبراء أن الأدوات الرقمية يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تسهيل الوصول إلى العلاج والاستشارات للأفراد الذين قد يترددون في طلب المساعدة الشخصية. ويشير إيديلبي إلى أهمية عدم إهمال الصحة الوقائية، فكما نفحص سياراتنا وأجهزتنا التقنية بانتظام، فإن بناء عادات صحية يمكن أن يؤدي إلى نتائج أفضل وراحة بال أكبر.
الصحة النفسية في عالم متغير
بالنسبة للرجال الذين يعيشون في بيئات عمل عالية الضغط، وخاصة المسافرين الدائمين أو أولئك البعيدين عن عائلاتهم، يمكن أن يكون لسهولة الوصول إلى أدوات الصحة العقلية تأثير كبير على حياتهم.
وأخيرا وليس آخرا
في الختام، يجب على الرجال في الإمارات العربية المتحدة إعادة تقييم أولوياتهم وإعطاء الأهمية اللازمة لصحتهم النفسية تمامًا كما يفعلون مع أمورهم المادية والتقنية. فالعقل السليم هو أساس لحياة متوازنة ومنتجة، وتجاهله قد يؤدي إلى عواقب وخيمة. هل يمكن للتكنولوجيا أن تكون المفتاح لفتح آفاق جديدة في الرعاية الصحية النفسية للرجال في الإمارات؟










