رفاهية الموظفين.. أولوية متزايدة في قطاع العمل الإماراتي
في تطور يعكس الاهتمام المتزايد بالعنصر البشري، دعا رئيس الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في الإمارات القطاع الخاص إلى إعطاء الأولوية لرفاهية الموظفين في بيئات العمل. هذا النداء لقي ترحيباً واسعاً من قبل المتخصصين في مجال الموارد البشرية في الدولة، مؤكدين على أهمية الصحة النفسية والاجتماعية كعناصر أساسية لبيئة عمل منتجة ومستدامة.
الصحة النفسية.. أولوية وطنية وحق إنساني
أكد مقصود كروز، رئيس الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، في تصريحات له، أن الصحة النفسية ليست مجرد شأن شخصي، بل هي أولوية وطنية. وفي مبادرة تحفيزية للقطاع الخاص، دعاه إلى مواكبة التطورات الحكومية في هذا المجال.
وشدد كروز على أن الصحة النفسية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من القوانين الإماراتية، ما يعكس الاعتراف بها كحق إنساني أساسي وركيزة أساسية لبناء مجتمع مزدهر وطموح وقادر على التكيف مع مختلف التحديات. ومع إعلان عام 2025 “عام المجتمع”، تؤكد دولة الإمارات على أهمية دمج الصحة النفسية في منظومة الرفاه الاجتماعي، لتعزيز ثقافة الرعاية والمرونة والمسؤولية المشتركة بين جميع أفراد المجتمع ومؤسساته.
دور أصحاب العمل في تعزيز الرفاهية
أوضح كروز أن المجتمع المزدهر يعتمد على الأفراد الناجحين، وأن الأمر لا يقتصر على توفير الخدمات فقط، بل يشمل أيضاً تعزيز التواصل الاجتماعي، وتحديد الأهداف، وضمان حصول كل فرد على الدعم اللازم للنمو والازدهار. لم يعد تقييم أماكن العمل المتميزة يعتمد فقط على الإنتاجية، بل يجب أن يعكس أيضاً توفير بيئة آمنة نفسياً، وأن يكون المديرون قادة متعاطفين وملهمين.
الرفاهية.. استثمار استراتيجي وليس مجرد شعار
يؤكد خبراء الموارد البشرية في الإمارات أن رفاهية الموظفين ليست مجرد شعار، بل هي استثمار حقيقي ومؤثر في مستقبل الشركات والمؤسسات. ويتضمن هذا الاستثمار تبني مبادرات فعالة وذات مغزى، بدلاً من الاكتفاء بتقديم امتيازات سطحية.
تحول في مفهوم الرفاهية في مكان العمل
أشارت نيكي ويلسون، المديرة التنفيذية لشركة جيني للتوظيف، إلى أن مفهوم الرفاهية في مكان العمل يتحول من مجرد حديث عابر إلى توقع أساسي. وأضافت أن الشركات تتجه نحو تبني سياسات صحة نفسية منظمة، ونماذج عمل مرنة، وورش عمل تدريبية، وبرامج لتطوير الذكاء العاطفي لدى القادة.
مبادرات عملية لتعزيز رفاهية الموظفين
تقوم بعض الشركات بتوفير أيام للاسترخاء، وجلسات علاجية سنوية، وجلسات علاجية بالصوت، وورش عمل، وحتى دعم علاجي لفرق العمل. كما يتم منح الموظفين خيارات للعمل من المنزل أو تعديل ساعات العمل لتلبية احتياجاتهم الشخصية. بالإضافة إلى ذلك، يتم توفير أسبوع عمل من أي مكان، مما يتيح للموظفين تمديد رحلاتهم إلى أوطانهم. السر يكمن في جعل الرفاهية جزءاً لا يتجزأ من ثقافة الشركة، وليس مجرد مبادرة منفصلة.
إشراك القيادة وإظهار التأثير على الأعمال
أكد المختصون أن أفضل طريقة لإشراك القيادة هي إظهار التأثير الإيجابي لرفاهية الموظفين على أداء الأعمال. وأضافوا أن معدلات الاحتفاظ بالموظفين، ومستويات الإنتاجية، وإحصائيات الغياب، كلها مؤشرات تثبت أن القوى العاملة المدعومة بشكل جيد تحقق نتائج أفضل. يجب على إدارات الموارد البشرية أن تشجع القادة أيضاً على أن يكونوا قدوة حسنة، من خلال إعطاء الأولوية لصحتهم النفسية وتحسينهم المستمر لذاتهم، الأمر الذي يسهم في تعزيز ثقافة الشركة بأكملها.
رفاهية الموظفين.. جزء أساسي من استراتيجية الأعمال
أكد أوس إسماعيل، المدير العام لشركة مارك إليس في دبي، أن رفاهية الموظفين في أماكن العمل أصبحت جزءاً أساسياً من استراتيجية الأعمال في الدولة. وأضاف أن رسالة كروز لاقت صدى كبيراً، وأنه يتفق معه تماماً في أن القطاع الخاص في الإمارات يتحمل مسؤولية مضاعفة الجهود ومواكبة جهود الحكومة، مع اعتبار الصحة النفسية أولوية قصوى.
بناء ثقافة الدعم والرعاية
أوضح إسماعيل أن الأمر لا يتطلب دائماً إنفاق مبالغ مالية ضخمة لتحقيق ذلك، بل يجب أن يدور حول بناء ثقافة يشعر فيها الموظفون بالدعم والرعاية الحقيقية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال توفير خيارات عمل مرنة، أو منح الموظفين إمكانية الوصول إلى الدعم المهني، أو التأكد من تدريب المديرين على اكتشاف العلامات المبكرة لأي صعوبات قد يواجهها الموظفون.
العلامات المبكرة لمشاكل الصحة النفسية وتأثيرها على الإنتاجية
أشار متخصصون في المجال الطبي إلى أن مشاكل الصحة النفسية تؤثر سلباً على الإنتاجية وتؤدي إلى تكاليف إضافية للشركات.
الآثار المالية لمشاكل الصحة النفسية
أوضح الدكتور شاجو جورج، أخصائي الطب النفسي في المستشفى الدولي الحديث بدبي، أن مشاكل الصحة النفسية تعد من الأسباب الشائعة للحضور والتغيب عن العمل، وإذا لم تعالج، فإن الآثار المالية المترتبة على ذلك ستضر بالمؤسسة.
علامات التحذير المبكرة وضرورة الاهتمام الفوري
أضاف الدكتور جورج أن التغيب عن العمل، وانخفاض كفاءة العمل والإنتاج مع الحضور غير المنتظم، وزيادة معدل الاستنزاف، ومرض العمال بشكل متكرر، ومعاناة الموظفين من القلق ومشاكل النوم، والاستسلام لإدمان المخدرات، وعزل أنفسهم، كلها علامات تحذير مبكرة تتطلب اهتماماً فورياً من قبل مختصي الصحة النفسية.
و أخيرا وليس آخرا:
إن الاهتمام المتزايد برفاهية الموظفين في القطاع الخاص الإماراتي يمثل تحولاً إيجابياً نحو بيئات عمل أكثر صحة وإنتاجية. فهل ستنجح الشركات في تبني استراتيجيات فعالة ومستدامة لتحقيق هذا الهدف، وهل سيشعر الموظفون بالتغيير الملموس في حياتهم المهنية؟






