سارة المهيري: تجريد وهندسة في الفن الإماراتي المعاصر
تتسم الفنانة سارة المهيري بهدوء عميق حين تتحدث عن أعمالها، وهو هدوء ليس نابعًا من التردد، بل من الدقة المتناهية. هذه الدقة هي نفسها التي تميز ممارستها الفنية، فهي فنانة إماراتية تعمل في مجالات الرسم والنحت والتركيب الفني. كرست المهيري السنوات الأخيرة لبناء معجم فني يعتمد على التجريد والهندسة والمادية، وتقدم هذا العام فصلًا جديدًا من لغتها الفنية في “آرت دبي”، بالتعاون مع صالة العرض المعاصرة المرموقة كربون ١٢.
الأنظمة الشعرية في أعمال المهيري
يكمن في جوهر ممارسة المهيري شغف عميق بالأنظمة، ولكن ليس بالمعنى التكنوقراطي الجامد، بل بالأنظمة كأطر شعرية متكررة وذاتية المرجعية. وتوضح المهيري قائلة: “ما جذبني في البداية إلى التجريد هو سهولة الوصول إليه وشعوري الدائم بالارتباط به. فهو يسمح برؤية الكثير من خلاله، وكذلك بتكوينه منه.”
الهياكل الهندسية المتكررة
غالبًا ما تُبنى أعمال المهيري من هياكل هندسية تتكرر وتتغير عبر سلسلة من الأعمال. الأشكال والخطوط والشبكات تعود باستمرار. توضح المهيري: “في ممارستي، تتشكل الأنظمة بشكل طبيعي من خلال طريقتي الإبداعية، سواء من خلال إنشاء سلسلة أو حتى من خلال عملية تنظيم العناصر البصرية ضمن قطعة واحدة. يصبح العمل نفسه نظامًا مرجعيًا ذاتيًا، يهيئ نفسه للعمل التالي.”
خارج المركز: استكشاف الفضاء والبعد النحتي
يتجلى هذا النهج العضوي والتحليلي بوضوح في أحدث أعمالها، “خارج المركز”، وهو استمرار نحتي لسلسلتها السابقة التي تحمل الاسم نفسه. فبينما لامست الأعمال السابقة البعد، تغوص هذه الأعمال الجديدة في أعماقه. تقول المهيري: “هذه المرة أستكشف الفضاء بتركيز أكبر. يتحول العمل ببطء نحو طابع نحتي أكثر.” هذا التطور يعكس اهتمامها الدائم بما يكمن بين الوسائط، بين الاتساع والشكل، بين العمارة والذاكرة.
التخصص المتعدد في خدمة الفن
على الرغم من تخصصها في التصميم، تعتمد المهيري بشكل كبير على نفسها في استكشافها الفني. يتيح لها نهجها المتعدد التخصصات التنقل بسلاسة بين الأسطح والمواد، واختيار الشكل الأنسب للمفهوم الذي تعمل عليه. “كوني فنانة متعددة التخصصات وعملي مع هذا الكم الهائل من المواد في الماضي يساعدني في اتخاذ قراري التالي. فالوسيط الذي أختاره لا يكمل العمل فحسب، بل يعززه أيضًا.”
الخشب: مادة حاضرة بقوة في أعمال المهيري
الخشب مادة رسخت حضورها في أعمالها الفنية، سواء لخصائصه المادية أو لثقله المجازي. توضح المهيري: “أُجرّب دائمًا طرقًا لتطوير الخشب من حيث التكامل في سلسلة أعمالي ‘خارج المركز’. أحاول باستمرار تحدي فكرة اللوحة النحتية والطرق المختلفة التي يمكن أن تتشكل من خلالها.”
التوازن بين البنية والعفوية
قد تبدو عملية المهيري منهجية، بل معمارية، لكنها مليئة بالعاطفة، والتي تُعبّر عنها من خلال التفاصيل الدقيقة بدلًا من الدراما الصارخة. إنها تحتضن التقلبات والاضطرابات ضمن الحدود التي تضعها لنفسها. “الأمر يتعلق بتوازن مثالي بين البنية والعفوية. مع مرور الوقت، وضعتُ قيودًا على نفسي عند إنجاز أي عمل، وعودة عملي دائمًا إلى الشبكة تشكل البنية النهائية. أُوازن هذه العناصر بلحظات من الانقطاع، والتي تتجلى في العفوية بصريًا.”
الفن كهوية وحوار عالمي
هذا المفهوم للتوازن بين الفكر والشعور، والنظام والارتجال، يكمن في صميم فنها. كما أنه يعكس حوارًا أوسع حول كيفية تفاعل فناني الخليج مع الفضاء والهوية وتاريخ الفن العالمي من خلال ممارسات شخصية متزايدة الدقة والصرامة الشكلية.
أبوظبي: مصدر إلهام دائم
على الرغم من أن أعمال المهيري ليست سيرة ذاتية صريحة، إلا أن بيئتها تتسرب إليها لا محالة. نشأت في أبوظبي، حيث كانت محاطة بمشهد معماري واجتماعي دائم التحول، وهو مشهد يلهم الآن طريقة تعاملها مع الفضاء والأنظمة. تقول المهيري: “تقدم أبوظبي مناظر طبيعية فريدة من نوعها. لكن ارتباطي بالفضاء والأنظمة واللغة كان فطريًا. ومؤخرًا، بدأت أُفكّر في المساحات العامة وقدرتها على إثراء البيئات الأكبر، وهو اهتمام بدأ يدفع ممارستي نحو اتجاهات جديدة.”
الفضاء المعماري وتحولاته الجذرية
تُركّز ممارستي على الفضاء بشكل متكرر، كما تُشير. “وأرى بالتأكيد أنها تتلاءم مع مختلف البنى المعمارية، لما تُحدثه من تحولات جذرية. فهذه البيئات لا تُسهم في تشكيل العمل فحسب، بل تُشكّل أيضًا البيئات التي يُشارك فيها العمل.”
وتبدو هذه العلاقة المتبادلة بين العمل الفني والبيئة ذات أهمية خاصة في معرض آرت دبي، حيث تتلاقى المحادثات الإقليمية والدولية حول الفن المعاصر.
الطموح إلى التواصل العالمي
لكن طموحاتها تتجاوز المعرض نفسه. تقول: “آمل أن يُسهم عملي في الحوار المتنامي في المشهد الفني المعاصر في الإمارات العربية المتحدة. من خلال العمل التجريدي في الشكل واللون والهندسة، آمل أن أجذب الجمهور بطريقة تُشعره بالترابط والقوة على نطاق عالمي أيضًا.”
هناك شيء عميق يتردد صداه في هذه الرغبة، ألا وهو الدفع نحو الاتصال العالمي، ليس من خلال المشهد، ولكن من خلال الإيقاع، والهياكل، والأنظمة.
و أخيرا وليس آخرا
في نهاية المطاف، تظل أعمال سارة المهيري استكشافًا دقيقًا ومتأملًا للأنظمة والفضاء والهوية، في سياق إماراتي وعالمي متصل. يبقى السؤال مفتوحًا حول الكيفية التي ستتطور بها هذه اللغة الفنية في المستقبل، وما إذا كانت ستنجح في تحقيق طموحها بالتواصل مع جمهور عالمي من خلال التجريد والهندسة.










