سحر راستي: قصة أول قبطانة إماراتية تلهم عالم البحار
في خضم أمواج الحياة وتحدياتها المتلاطمة، بزغ نجم سحر راستي كرمز إماراتي فريد، متحديةً الصعاب ومغيرةً مجرى الأحداث. بصفتها أول قبطانة بحرية إماراتية، بدأت رحلتها الشغوفة في عام 2015، لتصبح واحدة من أبرز الشخصيات النسائية في قطاع الملاحة البحرية، حيث حجزت لنفسها مكانة مرموقة بين القادة، رغم أن الطريق لم يكن مفروشًا بالورود.
منذ نعومة أظفارها، رأت في البحر أكثر من مجرد أفق أزرق، بل كانت تراه وعدًا بمستقبل مشرق ومختلف. وبفضل إصرارها وإيمانها الراسخ بأن “لا شيء مستحيل” هو شعار الإمارات، تحولت تلك الطفلة إلى قائدة سفن ومؤسِسة لمجموعة بحرية ذات رؤية عالمية. إن قصة سحر ليست مجرد نجاح شخصي، بل هي دليل قاطع على ما يمكن للمرأة الإماراتية أن تحققه عندما تجتمع الموهبة والشغف مع دعم قيادة رشيدة تؤمن بالإنجازات.
البدايات الأولى
تحكي سحر راستي أن علاقتها بالبحر بدأت منذ الطفولة، عندما كان والدها يمتلك شركة استيراد وتصدير بالقرب من الميناء، وكانت تراقب السفن وهي تتحرك وتغادر وكأنها تهمس لها بأن هناك عالمًا كاملًا خلف الأفق ينتظر من يكتشفه. وتضيف أنها كانت ترافق والدها أحيانًا في رحلات بحرية، وهناك بدأ شغفها يتأجج. من رائحة البحر، ومن صوته، ومن فكرة القيادة وسط الأمواج، كبرت وهي مؤمنة بأن البحر ليس مكانًا بعيدًا عن المرأة الإماراتية، بل هو ساحة جديدة لإثبات أنه “لا شيء مستحيل” في قاموس الإمارات. وتؤكد أن الفخر الأكبر لها هو تمثيل ابنة الإمارات في مجال كان يُنظر إليه سابقًا على أنه ضرب من الخيال، وذلك بفضل دعم القيادة الرشيدة.
التحديات التي واجهتها
وعن أبرز التحديات التي واجهتها في بداياتها كملاحة بحرية، تؤكد سحر أن التحدي الأكبر لم يكن البحر نفسه، بل العقليات المتحجرة. كانت تواجه نظرات استغراب، وحتى رفض غير مباشر، لمجرد أنها امرأة قررت اقتحام مجال الملاحة. لكنها لم تستسلم، وكانت تردد دائمًا: “أنا لا أقاتل لأثبت أني امرأة قادرة، بل أعمل لأثبت أن الإماراتية لا تعرف المستحيل”. وترى أن كل موجة واجهتها كانت بمثابة اختبار، وكل رحلة كانت درسًا في الصبر والقوة والإصرار.
إنجاز تاريخي يلامس القلوب
تصف سحر اللحظة التي شعرت فيها بأنها حققت إنجازًا تاريخيًا للمرأة الإماراتية قائلة: “لحظة الفخر الأولى كانت عندما وقفت كأول قبطانة بحرية إماراتية في مجال عالمي ورفعت اسم بلادي عاليًا”. لكن اللحظة الأعمق بالنسبة لها كانت عندما وصلتها رسالة من طالبة بحرية تقول: “كابتن سحر، أنا دخلت البحر لأنك فتحتِ لنا الباب”. وتضيف: “الإنجاز الحقيقي ليس في أن تكوني الأولى، بل في أن تتركي الطريق مفتوحًا لمن يأتي بعدك”.
البحر يصنع القادة
تؤكد سحر أن البحر كان مدرسة قيادية متكاملة، فقد علمها القيادة الحقيقية، لا قيادة الأوامر، بل قيادة التوازن. علمها كيف تكون هادئة في العاصفة وكيف تتخذ القرارات بسرعة وقت الخطر. علمها كيف تستمع وكيف تتحكم في نفسها قبل أن تتحكم في الطاقم. وترى أن البحر هو من صقل بداخلها معنى القائد كحالة ووعي ومسؤولية.
حلم بصناعة بحرية إماراتية
وعن سبب تأسيسها لمجموعة SJR، تقول: “بعد كل التجارب التي عشتها في البحر، شعرت أن الوقت قد حان لصنع منظومة بحرية إماراتية بروح عالمية. أسست مجموعة SJR لأني مؤمنة بأن المستقبل البحري لابد أن يُبنى بأيدٍ إماراتية وعقول مبتكرة”.
وتوضح أن رؤيتها واضحة: “أن تكون الإمارات مركزًا بحريًا عالميًا بالعقول والابتكار والقيادة النسائية، انعكاسًا لرؤية القيادة الحكيمة”.
تمكين الكفاءات الإماراتية
وعن دور المجموعة في التمكين، تقول: “نعمل على التمكين العملي لا الشعارات، من خلال التدريب والتوظيف وإتاحة الفرص الحقيقية للشباب الإماراتي لدخول هذا المجال والتعلم من الداخل”. وتؤكد أن هدفهم هو إعداد قادة مستقبل في البحر، لا مجرد موظفين فيه.
جائزة التميز
تصف سحر الجائزة التي حصلت عليها، كونها أول قبطانة بحرية إماراتية تفوز بها، قائلة: “هذه الجائزة بالنسبة لي أكثر من مجرد تكريم، بل هي تتويج لرحلة عمر ورسالة للعالم بأن المرأة الإماراتية اليوم لا تبحر فقط في المياه، بل في التاريخ”. وتضيف أن الفوز بجائزة Maritime Standard Excellence Award على مستوى عالمي يعني أن الإمارات أصبحت تصنع التميز ولا تستهلكه. وتختتم: “في كل مرة أسمع اسمي يُذكر على منصة عالمية، أشعر أني أحمل علم بلدي وأقول للعالم: نحن بنات زايد، البحر لنا والمستقبل لنا”.
الشغف والإصرار
وعن العوامل التي ساهمت في فوزها، تقول: “أؤمن أن السبب الحقيقي وراء الفوز كان الصدق في العمل. لم أسعَ وراء الجوائز، بل سعيت وراء الأثر”. وتضيف: “الالتزام والشغف والمثابرة هم الذين جعلوا الجائزة ممكنة، والنتيجة كانت اعترافًا عالميًا بأن الإماراتية قادرة على أن تقود البحر وتُلهم العالم”.
رسالة ملهمة
توجه سحر رسالة مؤثرة لكل فتاة تحلم بمجالات غير تقليدية: “لا تسمحي لأحد بأن يحدد حدودك. إذا شعرتِ أن الطريق صعب، تذكري أن كل امرأة تسير في هذا الطريق تمهده لغيرها. القوة تكمن في أن تكملي رغم الخوف”. وتضيف بأن القيادة الرشيدة آمنت بالمرأة الإماراتية قبل أن تؤمن الفتاة بنفسها.
الطموح نحو المستقبل
وتختتم سحر حديثها بطموحها المقبل: “طموحي اليوم يتجاوز الإنجاز الشخصي. أريد أن أخلق تأثيرًا يبقى بعدي في التعليم البحري، وفي تمكين الجيل القادم، وفي جعل الإمارات وجهة بحرية عالمية يُحتذى بها”. وتؤكد أنها لا تبحث عن مجد شخصي، بل عن إرث بحري إماراتي خالد يستمر بفضل القيادة التي حلمت وحققت.
و أخيرا وليس آخرا، إن قصة سحر راستي هي قصة إلهام لكل من يطمح إلى تحقيق أحلامه، مهما بدت صعبة المنال. إنها شهادة على قوة الإرادة والعزيمة، وعلى قدرة المرأة الإماراتية على تحقيق المستحيل. فهل ستُلهم قصة سحر الجيل القادم من الشباب الإماراتي لاقتحام مجالات جديدة وتحقيق إنجازات تخلد في التاريخ؟








