عقلية الرياضي: قصة غني سليمان ورحلة الـ 100 تراياثلون
لحظة الوصول إلى خط النهاية في سباق التراياثلون المئة على التوالي، لحظة تتجاوز مجرد الإنجاز الرياضي. الجماهير تهتف، ووسائل الإعلام تتركز عليك، الكاميرات تسجل كل تعبير على وجهك، والجميع يود مشاركتك فرحة الانتصار. إنها لحظتك الخاصة، أنت النجم الذي يسطع في سماء الرياضة. ولكن، بدلاً من الاستمتاع بهذا المجد، تجد نفسك فجأة في الخيمة الطبية، ومن ثم في المستشفى.
الأمر ليس خطيراً، ولا يهدد حياتك، لكن الضغط كبير. الناس يحيطون بك، وكل شخص لديه رأي، والأطباء يفحصون العلامات الحيوية بسرعة. وسط هذا الصخب، يدرك عقلك شيئاً غير متوقع: لا يوجد ذعر. تعرف كيف تستمع إلى جسدك وما يحتاجه. تدرك فوراً أن الوضع ليس خطيراً، وتحاول إخبار الأطباء بأنك لا تحتاج إلى سيارة الإسعاف، كل ما تحتاجه هو مساحة ووقت لنفسك. هذا هو جوهر عقلية الرياضي الحقيقي، عقلية لا تهتز حتى في خضم الأزمات.
هذه القدرة على التحكم في ردود الفعل هي ما مكن غني سليمان من إكمال سباقه المئة في التراياثلون. إنه لا يذعر في اللحظات الصعبة، ولا يسمح للنتيجة بالسيطرة عليه. بل يركز على “المساحة في المنتصف”، كما يقول، تلك المساحة التي تتجلى فيها التجربة الإنسانية الحقيقية. معظمنا يحاول السيطرة على النتيجة، ولكن غني يرى أن القيمة الحقيقية تكمن في الرحلة نفسها.
إذا كانت المهمة تبدو شاقة، مثل إكمال 100 سباق تراياثلون متتالي، فإن الشك والخوف من الفشل قد يعيقان الكثيرين. ولكن غني استمر، وبعد تحطيمه للرقم القياسي في موسوعة غينيس بإتمامه 80 سباق تراياثلون، واصل سعيه اليومي حتى وصل إلى المئة. كل يوم كان يسبح 2 كيلومتر، ويركب الدراجة 80 كيلومتراً، ويجري 18 كيلومتراً، لمدة 100 يوم، بإجمالي 10,000 كيلومتر.
بدايات غني سليمان
قبل أن يصبح غني سليمان رياضياً مشهوراً، كان طفلاً يبلغ من العمر سبع سنوات يكافح من أجل البقاء في توغو، غرب أفريقيا. يتذكر طفولته القاسية، لكنه يراها نعمة وليست معاناة. هذه التجارب هي التي شكلته وجعلته أقوى.
في سن مبكرة، غادر غني المنزل دون أي دعم أو توجيه. لم يكن هناك من يرعاه أو يقدم له المساعدة. في أفريقيا، غالباً ما تحتاج إلى دعم من شخص كبير في عائلتك لتحقيق التقدم، لكن غني لم يكن لديه ذلك. تعلم الاعتماد على نفسه في سن مبكرة جداً.
الانتقال إلى لاغوس
هذه العقلية قادته إلى الانتقال إلى لاغوس بمفرده، معتمداً على غريزة البقاء. أصبحت أمانته هي عملته. عمل بجد، وكسب ثقة الناس، وأصبح سائقاً لابنة الرئيس النيجيري السابق. كل وظيفة حصل عليها كانت بتوصية من شخص ما. كان الناس يثقون به ثقة عمياء، وأمانته واستعداده للعمل الجاد هما ما أنقذاه.
الوصول إلى دبي
مثل الكثيرين الذين يحلمون بمستقبل أفضل، وصل غني إلى دبي متوقعاً حياة جديدة مليئة بالفرص. لكن الواقع كان مختلفاً عما وعد به.
مواجهة التحديات
يقول غني: “لقد كذب الوكيل علي. وعدوني بوظيفة معينة، لكنني وجدت نفسي في موقع بناء.” هذا لم يناسبه، واضطر إلى خوض معركة مع الوكيل ورئيس الشركة لاستعادة حقوقه. انتهى به الأمر في المحكمة.
أثناء سير القضية، كان غني يقضي وقته في المسجد، بحثاً عن السلام والوضوح. هناك، تعرف على جنرال متقاعد يمتلك شركته الخاصة، وعرض عليه وظيفة حارس أمن في محكمة رأس الخيمة. لم تكن هذه الوظيفة هي التي حلم بها، لكنها كانت عملاً شريفاً يرتكز على الكرامة، وهو ما كان يقدره غني أكثر من أي شيء آخر.
نقطة التحول في حياة غني سليمان
بينما كان غني يقف خارج المحكمة خلال استراحة، التقط مجلة تتحدث عن نصف ماراثون رأس الخيمة. صورة العدائين، حماس الجمهور، والجو العام أسروه. في تلك اللحظة، أدرك أنه يريد أن يكون جزءاً من هذا العالم.
بداية الرحلة الرياضية
هذه الشرارة دفعت غني للبدء في التدريب والجري. انضم إلى عدائي أديداس، وكان يسافر من رأس الخيمة إلى دبي لحضور جلسة تدريبية لمدة ساعة واحدة، ثم يعود مرة أخرى. في بعض الأحيان، كان يضطر إلى قضاء الليل على الشاطئ لحضور الجلسة التالية.
في النهاية، وصل إلى نقطة لم تعد فيها وظيفة المحكمة تتماشى مع شغفه الجديد. استقال من وظيفته، وانتقل إلى دبي، وبدأت حياته تدور حول الحركة. بدأ في المشاركة في تحديات اللياقة البدنية، وركض من دبي إلى أبوظبي، ومن دبي إلى رأس الخيمة، ومن دبي إلى الفجيرة، وإلى جميع الإمارات. اكتشف أن لديه موهبة من الله، وأراد استخدامها لخدمة المجتمع.
أبطال الأمل
في هذه الفترة، حول غني هدفه من مجرد الجري إلى تدريب أطفال من أصحاب الهمم من خلال مبادرة “أبطال الأمل”. هذه التجربة لمسته بعمق، وأراد أن يجعل كل تحد يخوضه ذا معنى، ليس فقط لتخفيف ألمه، ولكن لرسم ابتسامة على وجه شخص آخر.
التحدي الأكبر: 100 سباق تراياثلون
كان مشروعه الأول الكبير هو إكمال 30 سباق نصف آيرون مان في 30 يوماً خلال تحدي دبي للياقة. في العام التالي، تجاوز هذا الإنجاز وقام بإكمال 30 سباق آيرون مان كاملاً في 30 يوماً.
تجاوز الشكوك
خلال هذه الرحلة، واجه غني الكثير من الشكوك من الآخرين. قالوا له إنه ليس سباحاً، ولا يمكنه القيام بمثل هذا التحدي. لكنه لم يسمح لهذه الشكوك بالتأثير عليه. كان يؤمن بأنه لا يحتاج أن يكون عظيماً ليبدأ، ولكن إذا بدأ، فسوف يصبح الأعظم. تعلم السباحة وتغلب على كل العقبات.
فكرة المئة سباق
ثم خطرت له فكرة إكمال 100 سباق تراياثلون خلال محطة دبي لجولة بطولة العالم للتراياثلون T100 العالمية. كان يرى قبعة السباحة في خزانته باستمرار، وتتكرر الفكرة في ذهنه. شعر أن الله يطلب منه القيام بذلك.
كل يوم من تحدي المائة يوم كان معركة ذهنية صعبة. كان يتساءل باستمرار عما إذا كان متأكداً من أنه يريد القيام بذلك، لكن الإجابة كانت دائماً “نعم” مدوية. كان الدافع وراء ذلك هو جمع التبرعات للأطفال المصابين بالسرطان، وهو الأمر الذي كان يعني له الكثير.
اليوم المئة: لحظة الانتصار
في اليوم المئة، عبر غني خط النهاية وسط آلاف المتفرجين. لم يكن الأمر مبهجاً بسبب الكاميرات، بل بسبب كلمات التشجيع والتقدير التي تلقاها من الناس. الكثيرون وصفوه بأنه قدوة، وقالوا إنهم يفعلون ذلك بسببه. شعر بأنه لمس حياة الكثيرين.
دروس مستفادة
إكمال 100 سباق تراياثلون يتطلب أكثر من مجرد التدريب والمثابرة. إنه يتطلب الصمت والإيمان، والقدرة على التركيز على الرحلة وليس الهدف النهائي. يتطلب الشجاعة للاستمرار في الحركة حتى عندما يخبرك جسدك بالتوقف.
رحلة غني سليمان هي قصة عن رفض الاستسلام، والإيمان بالذات، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص. ربما هذا هو ما يتطلبه الأمر حقاً لتحقيق المستحيل.
وأخيرا وليس آخرا
رحلة غني سليمان من طفل يكافح في توغو إلى رياضي ملهم في دبي هي شهادة على قوة الإرادة والإيمان بالذات. قصته تعلمنا أن التحديات يمكن أن تكون فرصاً للنمو، وأن خدمة الآخرين تضفي معنى حقيقياً على إنجازاتنا. هل يمكننا جميعاً أن نتبنى هذه العقلية في حياتنا اليومية؟










