فيلم فتى الجبل: قصة إماراتية ملهمة تتردد أصداؤها عالمياً
يُحدث فيلم “فتى الجبل”، وهو إنتاج إماراتي يروي قصة طفل مصاب بالتوحد، صدى واسعاً في دور العرض السينمائية بدولة الإمارات العربية المتحدة. يمزج الفيلم ببراعة بين التراث الأصيل، والشحنة العاطفية العميقة، والقيم الاجتماعية النبيلة. حظي الفيلم بدعم من لجنة أبوظبي للأفلام، وأنتجته شركة ديزرت روز فيلمز بالتعاون مع أفلام الفجيرة، وقد بدأ عرضه في صالات السينما بالإمارات العربية المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي في 17 أبريل.
رحلة سهيل في أحضان الطبيعة
تدور أحداث فيلم “فتى الجبل” في جبال الفجيرة الخلابة والمناظر الطبيعية الساحرة في أبوظبي والعين. يروي الفيلم قصة مؤثرة عن سهيل، الطفل الإماراتي المصاب بالتوحد، الذي يهرب من منزله بحثاً عن القبول والانتماء. الفيلم مستوحى من رواية “الفتى الذي عرف الجبال” للدكتورة ميشيل زيولكوفسكي، ويقدم سرداً متعدد الأوجه عن الهوية، والقوة الداخلية، وتأثير المجتمع الخفي.
تكريم للإمارات برؤية نسائية
حصل فيلم “فتى الجبل” على 22 جائزة دولية، وصُور بالكامل في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهو ليس مجرد إنجاز سينمائي، بل هو احتفاء صادق بشعب الإمارات ومدنها، وروحها الإبداعية المتطورة. ما يميز فيلم “فتى الجبل” ليس فقط قصته المؤثرة أو مشاهده الخلابة، بل القوة النسائية الملهمة التي تقف وراءه. هذا الفيلم الرائد هو نتاج رؤية مشتركة لأربع نساء متميزات، أضفن جميعاً خبراتهن وتحدياتهن وشغفهن إلى عملية صناعة الفيلم.
الأمهات يثبتن جدارتهن
الدكتورة ميشيل زيولكوفسكي، عالمة الآثار والكاتبة، ووالدة سهيل – الذي ألهم الشخصية الحقيقية في فيلم “فتى الجبل” – كانت أول من أحيا هذه القصة في كتابها للأطفال “الفتى الذي عرف الجبال”. ابنها، الذي وجد السكينة والهدوء في أحضان الطبيعة، وخاصة في جبال الفجيرة، كان مصدر إلهام لخلق عالم خيالي يعكس واقع حياته.
أصرت ميشيل على أن يؤدي الدور طفل مصاب بالتوحد. يختلف التوحد من شخص لآخر، وكان الهدف تصويره بأكبر قدر ممكن من الدقة والواقعية والمحبة. أعربت عن أملها في أن تعلم هذه القصة الجمهور أن القليل من اللطف والتفهم يمكن أن يخلق عالماً أكثر تفهماً وتقبلاً.
من الكتاب إلى الشاشة: رحلة نانسي باتون
نانسي باتون، المنتجة والكاتبة ومؤسسة شركة ديزرت روز فيلمز، حولت كتاب ميشيل إلى سيناريو وروح فيلم “فتى الجبل”. بالنسبة لنانسي، لم يكن هذا المشروع مجرد عمل احترافي، بل كان يحمل طابعاً شخصياً عميقاً. تقول نانسي: “لم أتحدث عن توحد ابني لفترة طويلة. كنا ندعمه كعائلة بصمت، ونتكيف مع حساسياته تجاه الأصوات العالية والروتين والقوام. لكن عندما سمعت الكتاب يُقرأ بصوت عالٍ ورأيت الأطفال يتفاعلون بنفس الطريقة التي كان يتفاعل بها ابني، بكيت. أدركت أنني أردت أن يفهم الناس نوع التوحد الذي يعاني منه ابني: اضطراب طيف التوحد من النوع الأول، والذي يصاحبه ذكاء عالٍ وإدراك عميق”.
أصبح الفيلم رحلة تقبل. قاد نانسي إلى الحصول على تشخيص رسمي في عيادات أفيف بدبي، حيث اكتسبت فهماً أعمق لاحتياجات ابنها ونقاط قوته. الفيلم ساعدها على التعبير عن نفسها كأم، وعلى سرد قصتها وقصة ابنها.
هند المصعبي ودعم ناصر
هند المصعبي، والدة ناصر صلاح، الصبي المصاب بالتوحد الذي يلعب دور البطولة في الفيلم، ترددت في البداية. في تجربة الأداء، أدى ناصر الدور بسلاسة، لدرجة أن نانسي قالت على الفور: “هو الشخص المناسب”. كانت هند قلقة بشأن عملية التصوير، لكنهم طمأنوها بخطة دعم، شملت معالجاً سلوكياً وحضور العائلة في موقع التصوير.
أثرت فلسفة نانسي الإبداعية على إنتاج الفيلم: “لم نكن نريد أن يكون ناصر ممثلاً، بل أردناه أن يكون على طبيعته. كان هناك دائماً توازن. كنا نشرح ما نريد تصويره، ثم نتبعه. لم يكن الهدف تشكيله ليناسب الفيلم، بل كان الهدف أن يتناسب الفيلم معه”. لم يكن التصوير خالياً من التحديات، حيث واجه ناصر صعوبة في النطق والتأقلم مع البيئات غير المألوفة. لكن الفريق كان متفهماً للغاية، وحتى أن شقيقته مثلت بجانبه لتجعله يشعر بالراحة. تم تعديل المشاهد لحمايته، وكان فريق العمل حنوناً وصبوراً طوال الوقت.
رؤية زينب شاهين الإخراجية
بالنسبة للمخرجة زينب شاهين، كان فيلم “فتى الجبل” أول فيلم روائي طويل لها، ولكنه فيلم يتطلب التعاطف والحساسية والإنصات بعمق. تقول زينب: “أثرت القصة بي فوراً. لم تكن مجرد سيناريو، بل كانت حقيقة حية. استعديت للفيلم بالاستماع الحقيقي للعائلات، وخاصة أولئك الذين يعيشون مع التوحد يومياً. هذا ما شكل كل شيء”. لتصوير تجربة ناصر الحسية، اعتمدت زينب بشكل كبير على السرد الصوتي والبصري، حيث صممت مشاهد صوتية تعكس مدى ضخامة العالم، وركزت بصرياً على الملمس والضوء والتفاصيل الصغيرة التي يلاحظها سهيل.
أكدت زينب على أن الهدف كان جعل الجمهور يشعر بما يشعر به سهيل، وأن العمل مع عائلة نانسي وميشيل وناصر كان تجربة مؤثرة. لم يكن الأمر مجرد سرد قصة عنهم، بل كان عن سردها معهم. هذا التعاون جلب الكثير من الصدق والعمق.
فريق إنتاج نسائي
يُعد الفيلم رمزاً بارزاً للمساواة بين الجنسين في صناعة الأفلام، حيث يتكون طاقم العمل من 70% من النساء و32 إماراتياً بين الممثلين والفنيين.
أكدت نانسي أنها أرادت أن تعمل عليه مخرجة، وأنها بدأت هذا العمل كأم، وواصلته كأم، وكانت ترغب في أن تكمله امرأة. كن بحاجة إلى عين حانية، قادرة على تحمل العبء العاطفي للقصة، وقد نجحت زينب في ذلك. إلى جانب الأهداف الإبداعية، أرادت نانسي كسر الحواجز في قطاع لا يزال لا يُمثل النساء تمثيلاً كاملاً، مؤكدة على الحاجة إلى المزيد من النساء اللواتي يروين القصص، ويحملن الكاميرات، ويقدن الفرق، وأن يشمل التنوع العمل خلف الكاميرات أيضاً.
المجد الدولي
لقد أسر فيلم “فتى الجبل” قلوب الجماهير حول العالم، ونال استحساناً واسعاً في 38 مهرجاناً سينمائياً دولياً، وحصد 22 جائزة مرموقة. من أبرز الجوائز التي حاز عليها جائزتا أفضل ممثل شاب وأفضل تصوير سينمائي في مهرجان تشيلسي السينمائي بنيويورك، وأفضل فيلم روائي طويل في مهرجاني سان لويس أوبيسبو وسياتل للأطفال، وأفضل مخرج في مهرجان تاتشستون للأفلام المستقلة بالولايات المتحدة.
كانت عروضه الأولى في الإمارات العربية المتحدة لا تُنسى. في سينما سيتي أبوظبي، حاز ناصر على جائزة أفضل ممثل شاب. وفي لحظة فارقة في سينما ريل، دبي مول، حقق الفيلم إنجازاً تاريخياً كأول فيلم يتناول التوحد يُعرض في دار السينما الوحيدة المعتمدة في المنطقة.
تصف نانسي كيف كان وجود ناصر وسهيل وطلاب مركز الشمس المشرقة لذوي الاحتياجات الخاصة معاً حلماً، وحتى كلبها، لاسي، الذي يلعب دوراً في الفيلم، سار على السجادة الحمراء. لقد حمل الفيلم رسالة شمولية، من البشر إلى الحيوانات. تضيف ميشيل أن سهيل لم يكن مولعاً بالسجادة الحمراء، لأنها كانت صاخبة ومرهقة بالنسبة له، ولكن مع بدء الفيلم، أشرق وجهه وأحب كل لحظة فيه. كان سماع كلمات سهيل من ناصر لا يُنسى، وعادت هذه القصة إلى نقطة البداية، حتى أن سهيل ظهر في الفيلم مع والده، الشيخ سهيل بن عبد الله الشرقي.
بالنسبة لهند، رسالة فيلم “فتى الجبل” واضحة: يستحق الأطفال المصابون بالتوحد أن يكونوا جزءاً من المجتمع، ولديهم نقاط قوة فريدة، وكل ما يحتاجونه هو التفهم والدعم. الفيلم يثبت قدرتهم على تحقيق إنجازات مذهلة.
وأخيرا وليس آخرا
فيلم “فتى الجبل” ليس مجرد فيلم، بل هو شهادة على قوة الإرادة، وأهمية التنوع والشمول، وقدرة السينما على تغيير التصورات ونشر الوعي. يبقى السؤال مفتوحاً: كيف يمكننا الاستفادة من هذا الزخم لبناء مجتمعات أكثر تقبلاً وداعمة للأفراد ذوي الاحتياجات الخاصة؟










