الثقافة المالية: رؤى من طبيبة بريطانية في الإمارات
لثماني سنوات، تفانت الدكتورة روهيل بادياني، طبيبة الأسرة البريطانية، في خدمة المجتمع الإماراتي الذي اتخذته وطناً. وتعزو الدكتورة بادياني، البالغة من العمر 43 عاماً، الفضل لوالدتها في غرس بذور الثقافة المالية في نفسها.
رسالة إلى المال: اعتذار وتقدير
“أعتذر عن تلك الأيام التي لم أحسن فيها الحفاظ عليك، أيام الصِبا والطيش. فبدلاً من أن أُدّخرك وأستثمرك، بدّدتك بلا وعي ولا تقدير. والآن، وقد نضجتُ، أدركتُ قيمتك الثمينة، وأيقنت أنك عماد حياتي، وسبيل راحتي. فأنت من يوفر لي ولأسرتي المأوى الآمن، والطعام الشهي، والماء العذب، واللباس اللائق. وبفضلك، أستطيع أن أهدي أطفالي حياة هانئة، وتعليماً متميزاً، ومستقبلاً مُشرقاً. أنتَ السند الذي يمكنني من بناء عائلة مُستقرة، ينعمُ فيها أبنائي بالطمأنينة، ويُلاحقون أحلامهم بثقة. شكراً لكَ من القلب، وأعدُكَ بأن أُحسنَ صُحبتَكَ، وأُديرَكَ بحكمة وعناية.”
علاقة واعية بالمال: تحول من الخوف إلى الادخار
تصف الدكتورة بادياني علاقتها بالمال بأنها “علاقة واعية”، مؤكدةً أنها من عشاق الادخار. وتوضح كيف كان المال يثير في نفسها الخوف والقلق في الماضي، لدرجة أنها كانت تتجنب مراجعة نفقاتها. أما اليوم، فقد تغيرت تماماً، فهي تتابع كل فلس تنفقه، وتحرص على الاحتفاظ بصندوق للطوارئ، وتدير أموالها بعناية فائقة. وتضيف: “صحيح أنني لا أحب هذا الدور الكبير الذي يلعبه المال في حياتنا، لكنني أتقبله كحقيقة لا مهرب منها. أعتقد أنني أصبحت الآن على علاقة جيدة وواعية مع المال.”
كيف تشكلت العلاقة بالمال؟ دروس من الحياة والوالدين
تشير الدكتورة بادياني إلى أن علاقتها بالمال تشكلت من خلال تجارب مهمة في حياتها. فمع تقدمها في العمر، أصبحت هواجس التقاعد تُلحّ عليها بقوة، مما دفعها إلى التعامل مع أموالها بجدية أكبر. كما كان للحوارات الصريحة مع والديها حول التخطيط المالي والمستقبل أثر بالغ في إدراكها لأهمية الاستعداد والمعرفة. وتضيف أن النقاشات المستمرة مع شريكها حول أهدافهما التقاعدية وطموحاتهما المالية ضمنت لهما التوافق والعمل معاً نحو مستقبل آمن.
دروس من الأم: الميزانية والتضحية من أجل المستقبل
تؤكد الدكتورة بادياني أنها أدركت أهمية تخصيص الميزانية مهما كان حجم دخلها، فالتخطيط أساس التنظيم المالي. كما رسّخت في نفسها قناعة بعدم اعتبار الاستقرار المالي أمراً مُسلّماً به، فالأحوال قد تتقلب وتُؤثّر على مدخراتها في أيّ وقت. وتضيف أن من الدروس القيمة التي تعلمتها من والدتها، ضرورة تقديم التضحيات في سبيل تحقيق الأمن المالي المُستقبلي لها ولأولادها، فقد أوضحت لها كيف أنَّ التضحيات قصيرة الأجل تُؤدّي إلى الاستقرار المالي وتفتح أبواب الفرص على المدى البعيد.
الخصوصية المالية: نقاش الأمور المالية مع المقربين فقط
تفضل الدكتورة بادياني عدم مناقشة الأمور المالية مع أصدقائها أو زملائها، وتؤكد أنها منفتحة وصريحة مع والديها فقط، وبطبيعة الحال مع شريكها. وترى أنَّ مُناقشة الثروة الشخصية أمرٌ في غاية الخصوصية، وقد يكون محرجاً في بعض الأحيان.
مصادر المعرفة المالية: الوالدان ووسائل التواصل والتعلّم الذاتي
توضح الدكتورة بادياني أنها استقت معارفها في الإدارة المالية من مصادر متنوعة، وكان لتفاعلها مع والديها الأثر الأكبر في تكوينها، فقد استفادت من تجاربهما دروساً قيّمة. كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً هاماً في تعزيز فهمها للميزانية، وقدّمت لها المدونات الصوتية رؤى مالية ثرية. إضافة إلى ذلك، حرصت على المثابرة في التعلّم الذاتي، إدراكاً منّي لأهمية اتخاذ قرارات مالية واعية.
تجربة شراء العقار الأول: نقطة تحول في العلاقة بالمال
تعتبر الدكتورة بادياني أن شراء أول عقار لها كان تجربة فارقة في حياتها. ففي البداية، تردّدت خوفاً من استنزاف مدخراتها، لكن سرعان ما أدركت أن الاستثمار في العقارات ركيزة أساسية في أيّة محفظة استثمارية مُتنوعة. وتضيف أن الادخار لا يقتصر على تجميع المال، بل يشمل أيضاً توظيفه لتوليد دخل إضافيّ. مع ذلك، يظلُّ الاحتفاظ بصندوقٍ للطوارئ أولويةً لا غنى عنها.
تأثير الإمارات: المال ليس كل شيء
تؤكد الدكتورة بادياني أن العيش في الإمارات العربية المتحدة جعلها تدرك بوضوح أن المال لا يصنع السعادة دائماً، وأنه من المستحيل محاولة مُجاراة الجيران، فالفوارق المادية هائلة، والمقارنة محبطة للنفس. ومع ذلك، لا تنكرُ أن الشعور بالاستقرارِ المالي كان له أثر إيجابي على حياتها.
وأخيرا وليس آخرا
في ختام هذه الرؤى القيمة من الدكتورة روهيل بادياني، نرى كيف يمكن للخبرات الشخصية والدروس المستفادة من العائلة أن تشكل علاقتنا بالمال. وكيف يمكن للعيش في مجتمع متنوع مثل الإمارات أن يغير نظرتنا إلى الثروة والسعادة. فهل نحن مستعدون لإعادة تقييم علاقتنا بالمال وتبني عادات مالية أكثر وعياً واستدامة؟








