فتح القدس: ملحمة التحرير من الصليبيين
“لقد أنقذتم المسجد الأقصى الذي هو أولى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين. فطوبى لكم من جيش ظهرت على أيديكم المعجزات النبوية، والوقعات البدرية، والعزمات الصديقية، والفتوحات العمرية، والجيوش العثمانية، والفتكات العلوية! جددتم للإسلام أيام القادسية والملاحم اليرموكية، والمنازلات الخيبرية، والهجمات الخالدية؛ فجزاكم الله عن نبيه محمد ﷺ أفضل الجزاء، وشكر لكم ما بذلتموه من مهجكم في مقارعة الأعداء!!”
هكذا كانت كلمات خطبة الفتح التي ألقاها قاضي القضاة محيي الدين ابن الزكي الشافعي، بحضور السلطان صلاح الدين الأيوبي، في أول جمعة أقيمت بالمسجد الأقصى بعد تحريره من الصليبيين سنة 583هـ/1187م، كما يروي المؤرخ شهاب الدين أبو شامة المقدسي في ‘كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية’.
لكن ما هي قصة هذا الفتح وما تلاه من فتوحات؟ وما هي قصة حرب التحرير الكبرى التي امتدت قرنين كاملين؟ وما العوامل السياسية والعسكرية والدينية التي شكلت معالم تلك المقاومة الحضارية الكبرى؟
هذا المقال، الذي يأتي بعد مرور سنوات على الانتصار الإسلامي على الصليبيين في معركة غزة التاريخية سنة 642هـ/1244م، يسعى للإجابة على هذه الأسئلة. فحرب التحرير لم تكن قصة ملك بعينه ولا حكاية شعب بمفرده، بل هي ملحمة كبرى بدأت باندلاع شرارة المقاومة في لحظة الاستباحة، معلنة أن الأمة قررت ألا تعترف بالهزيمة في وقت الهزيمة!
بداية المقاومة: التخطيط للتحرير
لمواجهة التحدي الصليبي، وُضعت مخططات طويلة المدى لتحرير الأمة في ميادين الوعي قبل ساحات القتال، مع فهم واسع لمضامين التحرر التي كان أعلاها التوحيد. قاد هذه الجهود طلائع من الزعماء العظماء، بدءًا من قادة السلاجقة في الموصل بالعراق، ثم آل زنكي في الشام، الذين وضعوا خريطة طريق للتحرير تبدأ بتوحيد القوى الإسلامية في الشام ومصر، وتُعزز بالإصلاح الديني والمذهبي والتنموي الشامل.
ثم امتد الأثر الزنكي مع الأيوبيين الذين استنبتوا جذور هذا المشروع في مصر ضمن أخطر عملية تحول تاريخي، وفي أيامهم تمت إعادة الاعتبار إلى المسجد الأقصى باعتباره ثالث الحرمين الشريفين، مما يعني تحصين قضية القدس في قلوب المسلمين بالعناية الروحية والدينية البالغة.
ورغم النكسات، واصلت معركة التحرير مسيرها بزخم معتبر حتى تسلمت دولة المماليك رايتها، فبنى قادتها على الخطة الكبرى المتسلسلة وصولًا بها إلى الحسم الكلي للصراع.
بهذا النشاط المقاوم المتلاحق الأجيال والأفعال، تطهرت المنطقة العربية والإسلامية بالشام ومصر من الاحتلال الصليبي قرابة خمسة قرون، إلى أن سوّلت للإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت نفسه أن يجدد عادة بلاده في إذكاء جذوة الحروب الصليبية بحملته على مصر وسواحل الشام سنة 1212هـ/1797م.
ولم يكن ذلك غريبًا على الفرنسيين، إذْ ما كانت الحرب الصليبية الأولى في الأغلب الأعم إلا مغامرة فرنسية، كما يقول مؤرخ الحضارات الأميركي وِيلْ ديورانت في ‘قصة الحضارة’. وكذلك ليس الاحتلال الإسرائيلي اليوم لفلسطين -وما يولّده من عدوان مستمر على غزة والقدس- سوى مغامرة غربية، حل فيها المكر الصهيوني مكان الكيد الصليبي فقلده في طرق الامتداد ووسائل الإمداد!!
لذا فإن قصة حرب التحرير الكبرى هذه ملحمة ملهمة في دلالتها على طُرق اكتساب مقومات النصر، وعوامل التغلب على مسارب الهزيمة، وبيان أن مشاريع نهضة الأمة قد تختلف تفاصيلها وعيًا وسعيًا، لكنها تتفق في الجوهر والمضمون: التوحيد والتحرير!!
فوضى المشرق: قبل الهجمة الصليبية
خلال نصف القرن الذي سبق هجمة الاحتلال الصليبي لمناطق واسعة من المشرق العربي الإسلامي (440-490هـ/1049-1099م)؛ اتّسم المشهد السياسي بالفوضى والتناحر والانقسام. ففي بدايات تلك الحقبة اختفت الدولة البويهية التي كانت تسيطر على العراق، وحلت مكانها الدولة السلجوقية التي سرعان ما أصبحت دولة مترامية الأطراف تمتد من وسط آسيا وحتى شواطئ البحر المتوسط.
أما مصر فكانت حينها تخضع لحكم الخلفاء الفاطميين الذين كانت مصائرهم تتجه ليكونوا ألعوبة في أيدي الوزراء العظام، وهو ما أطمع السلاجقة في انتزاع الشام منهم قبل أن يتمكن الوزير الفاطمي القوي الأفضل الجَمَالي الأرمني من استعادة السيطرة على فلسطين والقدس الشريف سنة 491هـ/1098م؛ أي قبل وصول الحملة الصليبية الأولى بعام واحد.
لقد أدى نجاح السلاجقة في إحياء قوة المسلمين وتوسعهم على حساب البيزنطيين إلى هزة عنيفة في العالم الأوروبي، فاستوجب ذلك -ضمن أسباب أخرى- إعلانه حربًا صليبية على المشرق الإسلامي، تستفيد من حالة التمزق والوهن التي تضرب بلاد الإسلام في أضلاع مثلثه الحيوي: العراق والشام ومصر.
وكان من اللافت تزامن هذه الهجمة الصليبية على المشرق مع حروب الاسترداد الإسبانية في الأندلس التي كانت أولى نتائجها سقوط مدينة طُليطلة سنة 478هـ/1085م، واستكمال النورمانديين المسيحيين سيطرتهم على جزيرة صقلية سنة 484هـ/1091م بعد تدشينهم احتلالها سنة 444هـ/1053م.
وقد لاحظ الإمام أبو الحسن السلمي الدمشقي -في كتابه ‘الجهاد’ الذي ألفه بُعيد سيطرة الصليبيين على القدس- هذا التزامنَ الغريب، فقال: فوثبت طائفة (= من الصليبيين) على جزيرة صقلية على حينِ تباينٍ من أهلها وتنافسٍ، وتملكوا بمثل ذلك بلدًا بعد بلد من الأندلس، ولما تناصرت الأخبار عندهم بما عليه هذه البلاد من اختلاف أربابها.. أمضوا عزائمهم على الخروج إليها، وكانت القدس نهاية أمانيهم منها!!
في سياق هذه الأجواء للمشهد المحلي والإقليمي، وفي 27 نوفمبر/تشرين الثاني 1095م (= ذو القعدة 488هـ)؛ ألقى بابا الكنيسة الكاثوليكية أوربان الثاني خطبة دينية باللاتينية في دَيْر كليرمونت بجنوبي فرنسا تردد صداها على مر العصور، حتى إن المؤرخ وِيلْ ديورانت يصفها بأنها أقوى الخُطَب وأعظمها أثرًا في تاريخ العصور الوسطى!!
دوافع الحروب الصليبية: أطماع متعددة
في خطبته تلك؛ دعا البابا أهل أوروبا إلى القيام بحملة مسلحة تحت شعار الصليب لنجدة إخوانهم في بيزنطة من الأتراك، ولتحرير البلاد المقدسة من براثن الكفّار المسلمين. وينقل لنا المؤرخ والقسيس المشارك في الحملة الصليبية الأولى فوشيه الشارتري في تاريخه خطبة أوربان؛ فكان مما جاء فيها:
عليكم أن تسارعوا لمد يد العون لإخوانكم القاطنين في المشرق..، إن الأتراك قد هاجموهم كما يعلم الكثيرون منكم، وتقدموا داخل الأراضي الرومانية (= البيزنطية بالأناضول) إلى أن وصلوا إلى ذلك الجزء من البحر المتوسط..، لقد انتزعوا شيئًا فشيئًا من أراضي المسيحيين، كما وهزموهم في









