لهايات البالغين: صيحة جديدة تثير الجدل في الإمارات
في عالم الإنترنت، تظهر بين الحين والآخر اتجاهات غريبة ومثيرة للدهشة، ومن بين أحدث هذه الصيحات استخدام البالغين للهايات الأطفال كوسيلة لتهدئة أنفسهم. هذا السلوك أثار موجة من الاستغراب والقلق، حيث يرى فيه البعض تعبيرًا عن صراعات نفسية دفينة، بينما يحذر الخبراء من مخاطره المحتملة على الصحة العامة وصحة الفم والأسنان.
هذه الممارسة غير التقليدية لم تمر مرور الكرام في المنطقة، فقد أثارت جدلاً سياسيًا في مملكة البحرين الشقيقة، حيث وصفها أحد أعضاء البرلمان بأنها تتعارض مع الآداب العامة. في المقابل، يدافع بعض متبني هذه الصيحة عن فوائدها المزعومة في تخفيف التوتر والقلق، بل ويذهب البعض إلى حد اعتبارها وسيلة للإقلاع عن التدخين.
تجارب شخصية واللهّايات:
إحدى المقيمات في دبي، والتي تحمل اسم مستعار “س.ل” وتعمل في وظيفة تتطلب مستوى عالٍ من الضغط والتركيز، وجدت في هذه الصيحة ملاذًا غير متوقع. بعد تشخيصها باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، قررت تجربة استخدام اللهاية بناءً على ما شاهدته على منصة “تيك توك”.
اكتشاف مفاجئ:
تقول س.ل: “رأيت الأمر وقلت لنفسي، لم لا؟ اشتريت لهاية أطفال عادية وبدأت في استخدامها عندما أشعر بالإرهاق. كانت مريحة بشكل غريب، وساعدتني على الشعور بالتوازن”.
على الرغم من الفوائد التي وجدتها س.ل في استخدام اللهاية، إلا أنها فضلت إبقاء هذا الأمر سرًا. وتضيف: “عندما طرحت الموضوع بين مجموعة من الأصدقاء، تفاجأت حقًا بردود أفعالهم السلبية. يبدو أن هذه الصيحة أثارت رد فعل قويًا بشكل غير معتاد. بالنسبة لي، لا أرى فيها أي ضرر. إذا كانت مفيدة، فلماذا نصدر أحكامًا قاسية؟”.
آراء الخبراء النفسيين حول لهايات البالغين:
من وجهة نظر علم النفس، قد يعكس هذا السلوك جوانب أعمق. تشرح هبة سالم، أخصائية علم النفس للبالغين والعائلات في عيادات سيج بدبي: “على المستوى النفسي، يمكن اعتبار استخدام البالغين للهاية شكلاً من أشكال التراجع، أي العودة إلى مرحلة مبكرة من النمو حيث كانت تُلبّى الاحتياجات بطرق بسيطة ومهدئة”.
وتضيف سالم أنه ليس من المستغرب أن يلجأ الأشخاص الذين يعانون من القلق المزمن، أو الصدمات النفسية، أو الإرهاق الحسي إلى عادات مألوفة كوسيلة لتنظيم التوتر. وتوضح: “تصبح اللهاية أكثر من مجرد أداة؛ إنها أداة تنظيم حسي توفر الأمان والتحكم في لحظات الإرهاق العاطفي”.
تحذيرات أطباء الأسنان في دبي من لهايات البالغين:
في المقابل، يثير أطباء الأسنان في دبي مخاوفهم بشأن هذه الصيحة. يحذر الدكتور نيشانت كورانا، أخصائي علاج لب الأسنان في عيادة أستر، من أن استخدام اللهاية لفترات طويلة لدى البالغين قد يؤدي إلى مشاكل في محاذاة الأسنان، وإجهاد الفك، وتآكل مينا الأسنان، وتهيج اللثة.
ويضيف الدكتور كورانا أن هذا السلوك قد يؤدي أيضًا إلى تغيير وضع اللسان، مما قد يتسبب في مشاكل في الكلام، مثل التأتأة وتغيرات في وضوح الكلام، بالإضافة إلى نمط بلع غير طبيعي يعرف باسم “دفع اللسان”.
الانتباه إلى العلامات التحذيرية:
يُعتقد أن هذه الصيحة قد بدأت في الصين وكوريا الجنوبية قبل أن تنتشر عالميًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وبينما يشيد العديد من مستخدمي الإنترنت بتأثيراتها المهدئة، يحذر علماء النفس من تبني آليات التأقلم هذه دون تقييم شامل.
تحذر هبة سالم من أن “ما كان يعتبر في السابق أمرًا غير مقبول اجتماعيًا أو غريبًا، أصبح الآن شائعًا ومحبوبًا ومُصادقًا عليه من قبل المجتمعات الإلكترونية. قد يخفف هذا الظهور من الشعور بالعار، ولكنه قد يؤدي أيضًا إلى تبسيط سلوكيات التأقلم المعقدة أو المبالغة في تبسيطها”.
وتنصح سالم بضرورة الانتباه إلى العلامات التحذيرية، فإذا شعر الشخص بالذعر أو الاضطراب العاطفي عند عدم استخدام اللهاية، أو إذا كان يخفي استخدامه خوفًا من الخجل، أو إذا كان يتجنب المواقف الاجتماعية التي قد يثير فيها استخدامه تساؤلات، أو إذا كان يعتمد عليها بشكل مفرط لكبح الانزعاج العاطفي، فهذا يستدعي القلق. وتضيف: “قد تعمل اللهاية كآلية دفاع نفسية، تحمي الفرد من مواجهة نقاط الضعف أو القلق أو الصدمات التي من الأفضل معالجتها بالعلاج”.
في الوقت نفسه، ينصح الدكتور نيشانت الأشخاص الذين لاحظوا تغيرات في العضة، أو اختلافات في الكلام، أو دفع اللسان بين الأسنان، بضرورة استشارة طبيب الأسنان أو أخصائي تقويم الأسنان في أقرب وقت ممكن.
ويوضح: “التوقف عن هذه العادة مبكرًا يمنع حدوث تغييرات دائمة. عند الأطفال، غالبًا ما يسمح التوقف المبكر للأسنان بتصحيح نفسها ذاتيًا. أما عند البالغين، فنادرًا ما يحدث انعكاس طبيعي. قد يتطلب الأمر علاجًا تقويميًا، وأحيانًا علاجًا عضليًا وجهيًا وفمويًا لإعادة ضبط عادات البلع واللسان”.
و أخيرا وليس آخرا:
إن ظاهرة استخدام البالغين للهايات الأطفال تثير العديد من التساؤلات حول آليات التأقلم مع ضغوط الحياة، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي على تبني سلوكيات غير تقليدية. وبينما يرى البعض في هذه الصيحة وسيلة بسيطة وفعالة لتخفيف التوتر، يحذر الخبراء من مخاطرها المحتملة على الصحة النفسية والجسدية. يبقى السؤال: هل هذه مجرد موضة عابرة أم أنها تعكس حاجة حقيقية للبالغين للعودة إلى أساليب الطفولة المهدئة في مواجهة تعقيدات الحياة الحديثة؟ وهل يمكن أن يؤدي هذا الاتجاه إلى تغييرات دائمة في سلوكياتنا الاجتماعية والنفسية؟










