تحولات الاقتصاد العالمي نحو الاستقلالية الاستراتيجية
في خضم التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، تتجه الدول بشكل متزايد نحو نموذج الاستقلال الاستراتيجي بدلاً من الاعتماد المتبادل. هذا التحول، كما يرى خبراء، يعيد تشكيل الأولويات الاقتصادية على نطاق واسع، مما يستدعي فهمًا معمقًا لأبعاده وتداعياته.
تفكك النظام العالمي القديم
أوضح سامي الشعار، الخبير الاقتصادي في بنك لومبارد أوديير، في تصريح لـ “المجد الإماراتية”، أن العالم الذي نعرفه، القائم على التعددية والتجارة العالمية والتعاون المؤسسي، يشهد تفككًا تدريجيًا. وأضاف أننا نتحول من الاعتماد على الآخرين في تأمين الموارد الاستراتيجية إلى التركيز على تأمينها ذاتيًا.
وأشار إلى أن هذا التحول ليس وليد اللحظة أو نتيجة لسياسات معينة، بل هو جزء من عملية إعادة هيكلة مستمرة للاقتصاد العالمي. هذه العملية، التي بدأت قبل سنوات، تتسارع وتيرتها اليوم، مما يؤثر على جميع القطاعات والدول.
القطاعات الاستراتيجية في الصدارة
أكد الشعار أن القطاعات التي كانت تعتبر هامشية في السابق أصبحت الآن ذات أهمية قصوى للأمن القومي والمرونة الاقتصادية. وأوضح أن قطاعات مثل الدفاع، والطاقة، والغذاء، والمياه، والرعاية الصحية، والتكنولوجيا، أصبحت الآن موارد استراتيجية حيوية.
أمثلة على الاستثمارات الاستراتيجية
تستثمر أوروبا بكثافة في قطاعات مثل الكهرباء، والطاقة النووية، ومصادر الطاقة المتجددة، بالتزامن مع زيادة الإنفاق الدفاعي، وذلك في ظل تراجع الاعتماد على حلف الناتو لتأمينها.
كما استشهد بقرار شركة BMW بإنشاء مصنع جديد في المجر كمثال على عودة التصنيع إلى الوطن، مما يقلل الاعتماد على سلاسل التوريد العالمية. وحذر من أن عدم بناء القدرات محليًا سيؤدي إلى دفع ثمن باهظ نتيجة الاعتماد على الخارج.
موقع دول مجلس التعاون الخليجي في هذا التحول
يرى الشعار أن دول مجلس التعاون الخليجي في وضع جيد يمكنها من تجاوز هذه المرحلة الانتقالية بنجاح، حيث تمتلك الموارد المالية والفوائض اللازمة للاستثمار في تحقيق الاستقلالية.
الأمن الغذائي والتنويع الاقتصادي
على الرغم من أن الأمن الغذائي لا يزال يمثل تحديًا، يعتقد الشعار أن المنطقة قادرة على تنويع مصادر توريدها وتكوين شراكات استراتيجية للتخفيف من المخاطر.
انتعاش قطاع النفط وتحسن ظروف الائتمان
أشار إلى أن قطاع النفط يستعيد زخمه، وأن التخفيضات الأخيرة في أسعار الفائدة من قبل البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تساهم في تحسين ظروف الائتمان، مما يعزز آفاق الأعمال والاستثمار في المنطقة.
العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي: بين الوعد والواقع
فيما يتعلق بالتقنيات الناشئة، قدم الشعار نظرة متعمقة، معتبرًا أن العملات المستقرة قد تحدث تغييرات في الأنظمة المصرفية التقليدية، إلا أنه لا يزال حذرًا بشأن تأثيرها الاقتصادي الأوسع.
الذكاء الاصطناعي كحل ديموغرافي
أوضح أن الدول التي تعاني من شيخوخة سكانية وتقلص في القوى العاملة، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا، تلجأ إلى الذكاء الاصطناعي ليس لاستبدال الوظائف، بل لسد الثغرات التي لم تعد العمالة البشرية متاحة فيها.
ارتفاع الذهب ومستقبله
يواصل الذهب تألقه، مدفوعًا بمشتريات البنوك المركزية، وخاصة من الصين، ويرى الشعار أن انضمام مستثمري التجزئة إلى هذه الموجة الصعودية قد يعزز من مسار الذهب الصاعد.
التوقعات الاقتصادية: تباطؤ وليس ركودًا
على الرغم من التحديات العالمية، يظل الشعار متفائلاً بشأن التوقعات الاقتصادية على المدى القريب، متوقعًا تباطؤًا وليس ركودًا، وذلك بفضل استقرار أسواق العمل، وقوة الإنفاق العام، وتوجه البنوك المركزية نحو تخفيض أسعار الفائدة.
وأخيرا وليس آخرا
في ختام هذا التحليل، يظهر أن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة تحول تتطلب فهمًا عميقًا واستعدادًا للتكيف مع المتغيرات الجديدة. يبقى السؤال: كيف ستتمكن الدول من تحقيق التوازن بين الاستقلالية الاستراتيجية والتعاون الدولي في هذا العالم المتغير؟










