مركز اللغة العربية: إرث من الشغف والتعليم ينتقل عبر الأجيال
من قلب بيروت إلى ربوع دبي، نسجت مليحة وهبي قصة عشق للغة العربية، لتؤسس صرحاً تعليمياً شامخاً، هو مركز اللغة العربية. هذا الصرح لم يكن مجرد مؤسسة، بل إرثاً تناقلته الأجيال، حيث تعهد ابنها فضيل وحفيدها جورج بالحفاظ عليه وتنميته، ليحتفل المركز بمرور خمسة وأربعين عاماً على تأسيسه.
البدايات: من بيروت إلى دبي
في عام 1980، أطلقت العائلة هذا المركز كمؤسسة تعليمية في دبي، لتستقبل على مدار السنوات أكثر من 7000 طالب. وقد ساهم المركز في تمكين العديد من الطلاب من اكتساب الثقة في التحدث باللغة العربية، والانتقال من مستوى المبتدئين إلى مستوى الطلاقة. وأكد الحفيد جورج أن شغف جدته الراسخ باللغة العربية كان الدافع الأساسي وراء تأسيس المركز. بدأت رحلتها في عام 1968 في بيروت، حيث كانت تقوم بتدريس اللغة العربية للدبلوماسيين والأجانب في منزلها، مما عزز تقديرهم العميق للغة. وفي عام 1976، ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، انتقلت مليحة مع عائلتها إلى الإمارات العربية المتحدة، حاملةً معها شغفها بتدريس اللغة العربية.
من التدريس المنزلي إلى مركز اللغة الإنجليزية
عملت مليحة كمدرسة في مدرسة دبي الناطقة باللغة الإنجليزية، بالإضافة إلى تقديم دروس خصوصية في المنزل. وكانت نقطة التحول عندما التقت بالسيدة جيلمارد، زوجة المدير العام لمركز دبي التجاري العالمي، والتي كانت تشاركها نفس الشغف باللغة. معاً، أسستا مركز اللغة الإنجليزية في مركز دبي التجاري العالمي، والذي لا يزال قائماً حتى اليوم.
توسيع الآفاق وتكريم الرؤية
يقول جورج، البالغ من العمر 24 عاماً، والحامل للجنسيتين البريطانية واللبنانية: “اليوم، نسعى جاهدين لتكريم رؤية جدتي من خلال الحفاظ على أساليبها التعليمية المبتكرة مع تكييفها لتلبية الاحتياجات الحديثة. أنا ووالدي، فضيل وهبي، الذي لعب دوراً فعالاً في إطالة عمر المركز، نركز على تعزيز إرثها من خلال المبادرات التي توسع نطاقنا وتؤكد على أهمية اللغة العربية في المشهد المتعدد الثقافات اليوم.”
منهج تعليمي فريد
ركزت مليحة في تدريس اللغة العربية على البساطة والمنطق. وطورت منهجها التعليمي على مدى أربع سنوات، والذي يتضمن مواد تعليمية خاصة مثل سلسلة اللغة العربية للأعمال والتواصل الاجتماعي ودليل الأبجدية العربية. وتظل هذه الموارد، إلى جانب التركيز على الطلاقة في المحادثة باللهجة الشامية، حجر الزاوية في المنهجية التعليمية للمركز.
تحديات الحاضر والطموح نحو المستقبل
يؤكد فضيل، البالغ من العمر 60 عاماً، أن “نهجنا يدمج المشاركة والتفاعل والانغماس الثقافي، مما يضمن للطلاب الاستمتاع بالعملية التعليمية. ونقوم بتحديث موادنا باستمرار لتشمل مواضيع حديثة مع الحفاظ على المبادئ الأساسية لأساليب مليحة. ويسمح هذا الهيكل لجميع طلابنا بالتواصل والتعاون، مما يعزز الشعور القوي بالمجتمع.”
موازنة التقليد والابتكار
يعترف الثنائي بأن أحد التحديات الرئيسية التي تواجه مركز التعلم المتقدم هو الحفاظ على التوازن بين التقليد والابتكار. وأوضح فضيل: “بينما تظل أساليب التدريس التي تتبناها والدتي في قلب منهجنا الدراسي، فإن تكييف محتوى الدورة الدراسية لمعالجة الاهتمامات المتطورة والسياقات المعاصرة يتطلب تخطيطاً دقيقاً وتحديثات منتظمة،” مشيراً إلى أن ضمان توافق المواد التي يدرسونها مع ميول المتعلمين المعاصرين دون التفريط بالجذور عملية مستمرة ومجدية.
وأضاف جورج أن التحدي الآخر يكمن في استيعاب الجداول الزمنية الديناميكية لطلاب مركز ALC. ولمعالجة هذا، تبنى المركز نماذج التعلم الهجين ومجموعة واسعة من أوقات الفصول الدراسية، مما يوفر المرونة دون المساس بالطبيعة الغامرة للتفاعلات الشخصية. ويقول: “من خلال تمكين الطلاب من المشاركة عبر الإنترنت والتفاعل مع الطلاب في الفصول الدراسية المادية، فإننا نخلق بيئة تعليمية شاملة وتفاعلية.”
تعزيز اللغة العربية في السياقات التجارية والاجتماعية
يتمثل الهدف الأساسي لـ ALC في تعزيز دمج منهجيات مليحة في المؤسسات والشركات في الإمارات العربية المتحدة وخارجها، وتعزيز اللغة العربية كأداة أساسية في السياقات التجارية والاجتماعية. وأضاف جورج: “على الرغم من انتشار اللغة الإنجليزية على نطاق واسع في الإمارات العربية المتحدة، تظل اللغة العربية هي اللغة الرسمية، وتتمثل مهمتنا في تشجيع استخدامها بين الشركات في المنطقة وخارجها. ومن خلال مساعدة المؤسسات على تطوير الطلاقة الثقافية ومهارات الاتصال الفعالة، نهدف إلى تعزيز الروابط الأعمق داخل الشرق الأوسط وكذلك على مستوى العالم.”
برامج مكثفة للطلاب من مختلف أنحاء العالم
وتجدر الإشارة إلى أن مركز أبوظبي للتعليم تعاون مؤخراً مع مركز الشيخة فاطمة بنت مبارك للتميز لاستضافة 35 طالباً من مدرسة بريماكوف في موسكو في برنامج مكثف لمدة 11 يوماً في أبوظبي. شارك خلاله الطلاب في ست ساعات من دروس اللغة العربية يومياً، إلى جانب أنشطة ثقافية مثل ورش عمل الخط العربي، وجولات في مسجد الشيخ زايد الكبير، وتجارب ثرية أخرى. لم يعمل هذا البرنامج على تعميق تقديرهم للغة العربية فحسب، بل قدم لهم أيضاً الثقافة الغنية لدولة الإمارات العربية المتحدة. ويأمل مركز أبوظبي للتعليم تكرار مثل هذه الخطط ونشرها لتشمل النطاق العالمي.
مواصلة الإرث: رحلة مُرضية
وعن الجزء الأكثر إرضاءً في حمل هذا الإرث إلى الأمام، قال جورج: “لقد كانت مواصلة إرث جدتي أمراً مُرضياً. إن مشاهدة نمو المركز وتأثيره اللافت على الطلاب، وخاصة خلال الفصول الدراسية المبهجة يوم الأحد، يذكرني بأنه أكثر من مجرد مدرسة لغات؛ إنه مجتمع يعزز الروابط ورحلة مدى الحياة مع اللغة العربية.”
شغف متوارث
يؤكد فضيل، الرئيس التنفيذي لمركز اللغة العربية: “لقد ألهمني حب مليحة وشغفها باللغة العربية لمواصلة إرثها. لقد عملت بلا كلل لإنشاء منهجية تجعل تعلم اللغة العربية أمراً بسيطاً وممتعاً. افتتحت مركز اللغة العربية في عام 1980، وعلى الرغم من وفاتها في عام 2006، إلا أن المركز لا يزال مزدهراً على الأساس القوي الذي بنته. آمل أن تكون فخورة بأن عملها الجاد ومعرفتها ستستمر في الانتقال إلى الأجيال القادمة.”
تقدير متزايد للإنجازات
لا يتخيل جورج نفسه يعمل في ALC، على الرغم من أنه أمضى معظم طفولته هناك كطالب. ومع ذلك، مع تقدمه في السن، أصبح يقدر حجم إنجازات جدته وتأثيرها.
واختتم جورج حديثه قائلاً: “في البداية، كنت أدعم المركز بدوام جزئي، مستفيداً من خبرتي في المبيعات وتطوير الأعمال. ومع مرور الوقت، أصبحت التجربة ملهمة بشكل متزايد بالنسبة لي. لذا جاء الانضمام إلى ALC بدوام كامل قراراً متجذراً مع الشعور بالفخر والغرض. إنه لأمر مجزٍ للغاية أن أساهم في شركة عائلية تدعم قيم التعليم والثقافة والتواصل في عالم اليوم سريع الخطى. بالنسبة لي، هذا أكثر من مجرد وظيفة – إنها فرصة لتكريم جدتي والبناء على الأساس الذي أنشأته.”
و أخيرا وليس آخرا
يبقى مركز اللغة العربية قصة نجاح ملهمة، تجسد كيف يمكن للشغف باللغة والثقافة أن يتحول إلى إرث عابر للأجيال. فمن خلال التمسك بالأساليب التعليمية الأصيلة مع تبني الابتكار والتطور، يواصل المركز مسيرته في خدمة اللغة العربية وتعزيز مكانتها في عالمنا المعاصر، فهل سيستمر هذا الإرث بنفس القوة والتأثير في المستقبل؟










