مستقبل القراءة: رؤى الجيل الجديد في الإمارات
في عصر يشهد تسارعًا تكنولوجيًا وتحولات في أنماط الحياة، يتبادر إلى الأذهان سؤال جوهري: هل لا يزال الجيل الجديد يمارس القراءة؟ وإن كانت الإجابة بالإيجاب، فما هو المحتوى الذي يشعل حماسهم ويبعدهم عن الشاشات؟ تتنوع اهتمامات طلاب المدارس والجامعات بين الكتاب الورقي والشاشة الإلكترونية، وبين القصص الواقعية العميقة والخيال الجامح. لكن ما يجمعهم هو البحث عن معنى لحياتهم، وقدرتهم على تحويل القراءة إلى تجربة قريبة من واقعهم وطموحاتهم.
هذا التحقيق يرصد آراءً مباشرة من الجيل الجديد في الإمارات، بالإضافة إلى رؤى أكاديمية حول مستقبل العلاقة بين الشباب والكلمة المطبوعة أو الرقمية.
الجيل الجديد: القراءة كخطة عمل للمستقبل
تظهر شهادات طلاب المدارس تحولًا في دوافع القراءة، حيث لم تعد مجرد ترفيه أو واجب مدرسي، بل أصبحت وسيلة للتخطيط للمستقبل المهني والشخصي:
سليمان علي (محب النجاح والإصرار)
يرى سليمان في القراءة بوصلة نحو القمة: “أحب قراءة كتب عن النجاح وريادة الأعمال، خصوصًا السير الذاتية لأشخاص بدأوا من الصفر ووصلوا للقمة. عندما أقرأ عن تجاربهم، أشعر أن كل واحد فينا قادر على تحقيق طموحه بالإصرار.” يمارس سليمان القراءة كجرعة يومية قبل النوم، مؤكدًا أنها “تعطيني طاقة وأفكارًا جديدة لليوم التالي. حتى في المدرسة، أحاول ربط دروس القيادة والمستقبل بما قرأته.”
محمد صالح (الخيال والإثراء اللغوي)
يجد محمد شغفه في المزيج البصري والسردي: “أنا من محبي القصص المصورة والمانغا، لأنها تجمع بين الفن والخيال وتجعلني أعيش القصة كأني داخلها.” يرى محمد أن هذه الوسيلة ليست مجرد ترفيه، بل هي أداة تعليمية: “أشعر أنها تساعدني على تعلم كلمات جديدة بالإنجليزية وتطوير خيالي. مثلاً، عندما أقرأ عن أبطال يواجهون مواقف صعبة، أتعلم منهم الصبر والشجاعة. أحيانًا أقرأها بعد المدرسة كنوع من الراحة، ولكنها في الوقت نفسه تثقفني بطريقة غير مباشرة.”
محمد خليل (التكنولوجيا ورسم المستقبل)
يهتم محمد بالتفكير المستقبلي والتقني: “أكثر شيء يجذبني الكتب العلمية والتقنية، خصوصًا عن الذكاء الاصطناعي والاختراعات. أشعر أن هذا النوع من القراءة يعطيني فكرة عن المستقبل، ويجعلني أفكر كيف أكون جزءًا منه.” بالنسبة لمحمد، القراءة هي عملية تخطيط متقدمة: “عندما أقرأ عن علماء أو مبتكرين، أتعلم كيف يغير التفكير المنطقي والإبداع العالم. القراءة بالنسبة لي ليست مجرد تسلية، بل وسيلة أخطط بها لطموحي الجامعي والمهني.”
جاسم الزيودي (الرياضة كفلسفة حياة)
يربط جاسم بين القراءة وتطوير الذات الجسدية والنفسية: “أنا أحب الرياضة، ودائمًا أقرأ عن اللاعبين والمباريات والتحديات التي مروا بها. أكثر شيء يعجبني عندما أرى كيف يتغلب الرياضيون على الإصابات أو الفشل ويعودون أقوى. هذا يعطيني دافعًا للاستمرار حتى لو واجهت صعوبات. لأنها تساعدني على تطوير نفسي كلاعب هاوٍ وأعيش بأسلوب صحي ومتوازن.”
عبدالله الضنحاني (الارتباط بالشخصيات المؤثرة)
يوضح عبدالله كيف أصبحت القراءة مرتبطة بالمحتوى الرقمي والتأثير الاجتماعي: “أنا أحب متابعة الكتاب المشاهير، خصوصًا الذين أشاهد لهم مقاطع على السوشيال ميديا. أشعر أنهم يتكلمون بطريقة قريبة من جيلنا، وعندما أسمعهم أتحمس لشراء كتبهم.” يعتبر المعرض الثقافي وجهته الأساسية: “أكثر مكان أستمتع فيه بهذا الشيء هو معرض الشارقة الدولي للكتاب، لأنني أشاهد الكتاب بنفسي وآخذ توقيعهم. حتى لو لم أقرأ الكتاب كله في البداية، فكرة أن الكتاب من كاتب معروف أحبه تجعلني أرجع له وأكمله لاحقًا.”
التخصص العلمي والولاء للكتاب الورقي
بعيدًا عن جيل المدارس، يكشف الطلاب المتخصصون في الجامعة عن ولاء خاص للكتاب الورقي، خاصة في المجالات المعرفية الدقيقة:
تؤكد غريبة القايدي، طالبة في جامعة كلباء متخصصة في القانون، أن الكتب القانونية هي محور اهتمامها الأول، فهي تقرأ بعمق في مجالات مثل التحكيم، والأحكام القضائية السابقة، والدستور، وقانون الشركات التجارية والمدنية. وتوضح أن هذا النوع من الكتب يساعدها في تطوير مستواها العلمي واكتساب خبرة ميدانية تهيئها للحياة العملية بعد التخرج.
وتضيف القايدي في دفاعها عن الوسيط التقليدي: “أنا ضد فكرة الكتاب الإلكتروني تمامًا، وأؤمن أن الكتاب الورقي هو الأفضل في الدراسة والتعلم. عندما أقرأ من الورق أشعر أن المعلومة تثبت في ذهني أكثر، كأنها تترك أثرًا حقيقيًا. أما الكتب الإلكترونية أو الشرائح الرقمية، أشعر أنها تمر مرورًا سريعًا كأنها في الهواء، ولا تترسخ بنفس القوة.”
وأخيرا وليس آخرا
يتضح من خلال هذه الآراء أن الجيل الجديد لم يتوقف عن القراءة، بل غيّر معايير اختياره للمحتوى. أصبحت القراءة لديهم وظيفية، مرتبطة بالتحفيز المباشر، وتطوير الذات، ومواكبة الثورة التكنولوجية، أو حتى مرتبطة بالترفيه البصري كالمانغا الذي يغذي الخيال. التحدي اليوم ليس في إقناع الجيل الجديد بأهمية القراءة، بل في تكييف المحتوى ليلامس طموحاتهم المهنية السريعة، وتوفير وسائط تتناسب مع حاجتهم للمشاركة والتفاعل. يبقى الولاء للكتاب الورقي في التخصصات التي تتطلب التركيز والتوثيق، مؤكدًا أن المستقبل قد يحمل تعايشًا بين الوسائط لا إلغاء لأي منها، شريطة أن يبقى الهدف هو بناء جيل قارئ ومفكر.








