تطوير منشآت تخزين الغاز الجوفي: استراتيجية عالمية لأمن الطاقة
في ظل الطلب المتزايد على الغاز الطبيعي وتقلبات الأسواق العالمية، أصبح تطوير منشآت التخزين الجوفي للغاز جزءًا أساسيًا من سياسات أمن الطاقة للدول. هذه المنشآت، التي كانت تستخدم في الماضي لتأمين الإمدادات خلال مواسم الذروة، تحولت اليوم إلى أدوات استراتيجية تساهم في تحقيق التوازن بين العرض والطلب، وتعزيز مرونة الأسواق في التسعير والاستجابة للأزمات.
التوزيع العالمي لمنشآت التخزين الجوفي
كشفت دراسة صادرة عن منظمة أوابك، أعدها خبير الغاز المهندس وائل حامد عبدالمعطي، تفاوتات كبيرة في توزيع منشآت التخزين الجوفي على مستوى العالم، سواء من حيث عدد المنشآت، أو سعاتها التشغيلية، أو الأطر التنظيمية التي تحكم تشغيلها واستثمارها. بينما تتصدر الولايات المتحدة وأوروبا القائمة من حيث الحجم والكفاءة، تسعى دول أخرى مثل الصين وكندا إلى اللحاق بالركب، في حين لا تزال أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط خارج المنافسة الفعلية حتى الآن.
منشآت التخزين الجوفي للغاز في أمريكا
تمتلك الولايات المتحدة أكبر شبكة من منشآت تخزين الغاز الجوفي على مستوى العالم، حيث تضم حوالي 385 منشأة، بسعة تخزين إجمالية تقدر بنحو 4.7 تريليون قدم مكعبة، وهو ما يعادل حوالي 30% من سعة التخزين الجوفي للغاز عالميًا. يتميز النموذج الأميركي بالاعتماد الكبير على الحقول المستنفدة بنسبة تتجاوز 81%، بالإضافة إلى الاستخدام الفعال لكهوف الملح في مناطق الساحل الجنوبي.
التوزيع الجغرافي والاستخدام التجاري
تتوزع منشآت التخزين الجوفي للغاز في أمريكا على 5 مناطق رئيسة، ويُستخدم التخزين الجوفي في أمريكا كأداة تجارية، وليس فقط للاستهلاك المحلي أو الطوارئ، مما يتيح للمستثمرين التداول والمضاربة عبر أسواق العقود الفورية والآجلة.
منشآت التخزين الجوفي للغاز في روسيا
على الرغم من اضطراب الإمدادات في المنطقة، تحتفظ أوروبا الشرقية، وتحديدًا روسيا وأوكرانيا، بموقع متقدم في ترتيب منشآت التخزين الجوفي حول العالم. تضم روسيا حوالي 23 منشأة لتخزين الغاز الجوفي، بسعة تخزينية عاملة تقدر بنحو 2.65 تريليون قدم مكعبة، أي ما يعادل حوالي 17.2% من إجمالي السعة التخزينية العالمية.
دور شركة غازبروم والتأثيرات الجيوسياسية
تتولى شركة غازبروم تشغيل وإدارة جميع هذه المنشآت، التي تُعدّ أحد المكونات الرئيسة في منظومة الغاز الروسية. تسهم منشآت التخزين الجوفي في روسيا بتلبية ما بين 20% و40% من الطلب المحلي على الغاز خلال موسم التدفئة، وتلعب دورًا حيويًا في تعزيز استقرار شبكات التوزيع وضمان استمرار الإمدادات في حالات الطوارئ.
تراجع الصادرات وتأثير الأزمة الأوكرانية
كانت هذه المنشآت تدعم صادرات غازبروم إلى الأسواق الأوروبية، خاصة خلال فصل الشتاء، إلا أن هذا الدور شهد تراجعًا ملحوظًا بعد اندلاع الأزمة الروسية-الأوكرانية في عام 2022، التي أدت إلى انخفاض حاد في صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا. تعتمد روسيا في المقام الأول على التخزين الجوفي في آبار الغاز المستنفدة.
منشآت التخزين الجوفي للغاز في أوكرانيا
تحتل أوكرانيا المرتبة الثالثة عالميًا من حيث السعة التخزينية لمنشآت الغاز الجوفي، إذ تمتلك 13 منشأة بسعة تشغيلية عاملة تُقدَّر بنحو 1.09 تريليون قدم مكعبة، أي ما يعادل نحو 7.1% من إجمالي السعة التخزينية العالمية.
التوزيع الجغرافي والاعتماد على الحقول المستنفدة
تتركز النسبة الأكبر من هذه السعة في منشآت تقع غرب البلاد، بالقرب من السوق الأوروبية، في حين توجد منشآت إضافية في المناطق الشرقية وشبه جزيرة القرم، إلّا أنها لا تخضع لسيطرة الحكومة الأوكرانية. تعتمد كييف أساسًا على التخزين الجوفي في حقول الغاز المستنفدة.
منشآت التخزين الجوفي للغاز في كندا
تحتل كندا المرتبة الرابعة عالميًا من حيث سعة التخزين الجوفي للغاز، بإجمالي يصل إلى تريليون قدم مكعبة، وتعد أول دولة في العالم تبني منشأة لتخزين الغاز، وذلك في عام 1915.
دور التخزين الجوفي في أمن الطاقة الكندي
يؤدي التخزين الجوفي للغاز دورًا محوريًا في منظومة الطاقة الكندية، إذ يسهم في تعزيز أمن الإمدادات وإدارة السوق من خلال تحقيق التوازن بين العرض والطلب الموسمي، ودعم أمن الطاقة الوطني، وتبادل الغاز مع الولايات المتحدة. تعتمد البلاد أساسًا على التخزين الجوفي في حقول الغاز المستنفدة.
منشآت التخزين الجوفي للغاز في الصين
شهدت الصين تحولًا ملحوظًا في سوق التخزين الجوفي للغاز الطبيعي، لتصبح ضمن القوى الخمس الكبرى عالميًا في هذا المجال. منذ عام 2017، تبنت الحكومة الصينية سياسات داعمة للاستثمار في هذا القطاع الإستراتيجي، ما أسهم في تسريع وتيرة النمو وتوسيع البنية التحتية للتخزين.
النمو السريع والتحديات المستمرة
ارتفع عدد منشآت التخزين الجوفي في الصين من 14 منشأة في عام 2017 إلى 35 منشأة بحلول نهاية عام 2023، بينما قفزت السعة التخزينية العاملة من 0.374 تريليون قدم مكعبة إلى 0.939 تريليون قدم مكعبة خلال المدة نفسها، محققةً معدل نمو تراكميًا بلغ نحو 150%. تتوزع منشآت التخزين الجوفي في الصين على 3 مناطق رئيسة، ورغم هذا التقدم السريع، ما تزال مساهمة السعة التخزينية في الصين محدودة مقارنة بحجم الطلب.
منشآت التخزين الجوفي للغاز في الشرق الأوسط
على الرغم من الحاجة الملحّة إلى تعزيز الأمن الطاقي، ما زالت منطقة الشرق الأوسط تعاني ضعفًا في انتشار منشآت التخزين الجوفي قيد التشغيل، إذ يبلغ عددها 4 منشآت، بسعة تخزينية 0.235 تريليون قدم مكعبة.
التوسع المحدود في المنطقة
توجد هذه المنشآت في إيران، والإمارات، وكذلك السعودية، بعد تنفيذ أول مشروع في المملكة لتخزين الغاز في مكمن الحوية-عنيزة، وفق البيانات الواردة بالدراسة. أمّا في أميركا اللاتينية، فيبلغ عدد منشآت التخزين الجوفي 3 منشآت، توجد جميعها في الأرجنتين.
وأخيرا وليس آخرا
تعكس خريطة منشآت التخزين الجوفي للغاز حول العالم فجوة واضحة بين الدول المتقدمة والنامية، ليس فقط في عدد المنشآت وسعتها، بل في طريقة إدارتها وتكاملها ضمن سياسات الطاقة الوطنية. مع تزايد اعتماد العالم على الغاز بوصفه وقودًا انتقاليًا، يبدو أن توسيع القدرات التخزينية سيكون شرطًا أساسيًا لضمان الاستقرار، وجاذبًا جديدًا للاستثمار طويل الأجل في قطاع الطاقة. هل ستتمكن الدول النامية من تضييق هذه الفجوة وتحقيق أمنها الطاقي؟










