من الألم إلى الأمل: قصة ملهمة من الإمارات
كانت خصلات شعره الصغيرة تلتصق بجبينه المتعرّق، يعضّ على شفتيه في انتظار لحظة الراحة التي طال انتظارها. في عمر التاسعة، كان أغيلوس أهوجا يصارع مرض الأوعية الدموية المرتبط بالأجسام المضادة السيتوبلازمية للخلايا العدلية (ANCA)، وهو اضطراب نادر في المناعة الذاتية. يقول أغيلوس، البالغ من العمر الآن 16 عاماً: “هذا المرض يجعل جهاز المناعة في جسمك يهاجم نفسه”.
وبحسب موقع “المجد الإماراتية”، يصيب هذا المرض ما بين 10 إلى 20 شخصاً من كل مليون. وإذا لم يتم التدخل السريع، يمكن أن ينتشر الالتهاب إلى أعضاء أخرى في الجسم.
معاناة قاسية
يتذكر والده، سونال أهوجا، قائلاً: “كان أغيلوس يعاني من حمى متقطعة، ولم نكن نعرف سببها”. ويسترجع سونال فترة انتشار جائحة كوفيد، عندما تسببت إحدى نوبات التهاب الأوعية الدموية في بقاء أغيلوس في المستشفى لمدة شهر كامل.
يقول أغيلوس: “انخفضت قدرة رئتي إلى أقل من 40% من المفترض أن تكون عليه”. وبالإضافة إلى الخوف من تفاعل المرض مع الفيروس الشرس، كان عليهم مواجهة الصدمة الجسدية المتمثلة في صعوبة التنفس، وتركيب القساطر في أوردته الضعيفة، وخطة علاج كيميائي صارمة تهدف إلى إيقاف جهاز المناعة في أغيلوس مؤقتاً قبل إعادة بنائه.
ويضيف: “كانت تلك الأيام مؤلمة للغاية؛ كنت أتمنى أن أحظى بأي راحة، لكنها لم تأتِ”.
ولادة أكاديمية الواقع الافتراضي
في خضم هذه المعاناة، خطرت لوالده، سونال أهوجا، المهندس المعماري الشغوف بالتكنولوجيا، فكرة غيّرت كل شيء. يتذكر أغيلوس: “طلب مني أن أجرب العالم الافتراضي ليرى ما إذا كان بإمكانه تشتيت انتباهي أثناء تركيب القسطرة”. وقد نجحت الفكرة، حيث انتقل ذهني إلى مكان أكثر هدوءاً من سرير المستشفى. ويضيف: “كنت منشغلاً باللعب”.
لم يطلب أغيلوس المزيد من ألعاب الواقع الافتراضي فحسب، بل سأل والده عن كيفية صنعها. يضحك أغيلوس: “أخذ والدي الأمر على محمل الجد، وقام ببناء المختبر وأكاديمية الواقع الافتراضي بناءً على ذلك”.
أكاديمية الواقع الافتراضي: نافذة على الإبداع والتعاون
يصف سونال، المؤسس المشارك للشركة التكنولوجية مع أغيلوس، الواقع الافتراضي بأنه أداة إبداعية لا تساعد فقط على فعل أشياء كانت تبدو مستحيلة في السابق، بل تتيح أيضاً مقابلة أشخاص في ثلاثة أبعاد بفضل قدراته على إنشاء الصور الرمزية (avatars). ويضيف: “يمكنك أيضاً لمس الشخص الآخر والشعور بذلك من خلال التقنية اللمسية (haptics)، وهي تقنية تستخدم الاهتزازات لمحاكاة حاسة اللمس”.
تتمحور أكاديمية الواقع الافتراضي (VRAcademi) حول ثلاثة محاور: التواصل، والإبداع، والتعاون. ويقول سونال: “هذا بالإضافة إلى الذكاء الاصطناعي (AI) يشكل أداة قوية جداً للتعليم”.
على سبيل المثال، يمكن لطلاب الطب ممارسة العمليات الجراحية المعقدة عبر الإنترنت دون الحاجة إلى جثث، أو يمكن للطلاب في القرى النائية استخدام الواقع الافتراضي للتحدث والتعلم من أقرانهم الذين يبعدون عنهم آلاف الأميال. هذه التجارب التعليمية التفاعلية تفتح آفاقاً جديدة للتعلم والتطوير.
الطموح والشمولية
اليوم، يذهب أغيلوس إلى المدرسة بانتظام وإلى أكاديمية الواقع الافتراضي، حيث يساعد في صياغة الخطط والبرامج التي تلامس اهتمامات الشباب، على الرغم من استمرار معاناته من نوبات غير منتظمة من التهاب الأوعية الدموية. ويضيف: “عندما أعود إلى المنزل كل يوم، أحاول إنهاء جميع واجباتي المدرسية أولاً للتأكد من أن لدي المزيد من الوقت الحر للشركة وأصدقائي وعائلتي. ولكن بصراحة، الأمر يتعلق فقط بإيجاد التوازن. ومن الممتع حقاً إدارة هذه الأشياء المختلفة”.
كما تساعده الأكاديمية على ممارسة شغفه بصناعة الأشياء. يقول: “لطالما استمتعت بصنع الأشياء منذ صغري، سواء كانت الألغاز أو الطبخ أو بناء مكعبات الليغو. أنا حقاً أحب تجميع الأشياء. كما أنني أستمتع بالفن وتصميم الألعاب، وهذا ما قمت به مع VRAcademi”.
لكن سونال يوضح أن VRAcademi ليست مجرد مؤسسة ألعاب. ويشرح: “إنها مختبر أبحاث. لدينا بعض النظريات حول كيفية القيام بالأشياء، لكنه عمل تطبيقي أكثر. نحن لسنا مكاناً تأتي إليه لتتعلم برنامجاً لصنع لعبة، بل ستتعلم ما الذي يجعل اللعبة تعمل. إنه مزيج من الفن والتكنولوجيا والتصميم، وهي طريقة لسرد قصة. وهذه هي الدورات التي بدأنا بها. لذلك، أصبح الفنون والرسومات مع الواقع الافتراضي دورة واحدة، وتطوير الأفلام أصبح دورة أخرى، ثم تطوير الألعاب دورة أخرى. ولاحقاً، أضفنا الروبوتات وخبيراً في الذكاء الاصطناعي”.
أكثر من مجرد معهد ألعاب
يقول سونال إن إدارة التوقعات هي واحدة من أكبر تحديات الشركة. ويضيف: “أعتقد أن التحدي الأهم هو شرح ماهية الواقع الافتراضي حقاً بالنسبة للأشخاص. الناس يعتقدون أن الواقع الافتراضي هو مجرد جهاز ألعاب، لكنه أكثر من ذلك بكثير”.
بدأت الأكاديمية بوجود رقمي، ثم افتتحت مقراً في جميرا، ووظفت مدرسين يعرفون التكنولوجيا ويمكنهم التفكير بشكل إبداعي. وساعد أغيلوس في تصميم المنهج الدراسي. افتُتح المختبر في يناير 2024.
تستهدف VRAcademi الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و18 عاماً، ولكن هذا مجرد نطاق عام. يقول سونال: “لا يوجد حد أعلى للتعلم. أكبر طالب لدينا يبلغ من العمر 82 عاماً. ومؤخراً، قمنا بدورة لمهندسي مطار دبي الذين أرادوا استخدام الأدوات التكنولوجية. كما نعمل مع العديد من الجامعات، ونستخدم الواقع الممتد (XR) الشامل، وهو مزيج من الواقع المعزز، والواقع الافتراضي، والواقع المختلط، والذكاء الاصطناعي”.
نهج مخصص وشامل
توفر الأكاديمية فرصاً تعليمية شاملة للشباب من ذوي طيف التوحد أو متلازمة أسبرجر، الذين يتمتعون بمهارات جيدة في الأرقام. يقول سونال: “أردت أن تكون الدورات شاملة، حتى نتمكن من إنشاء دورة تعتمد على احتياجات ومتطلبات الأشخاص، بدلاً من جلوس الجميع هناك مثل قطيع من الأغنام. لدينا برنامج خاص للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بالتعاون مع الجمعية الإماراتية للتوحد، ونتطلع إلى تعاونات أخرى”.
ويقدّر سونال التفكير الفردي، وغالباً ما يؤكد على أن قرار مشاركة أغيلوس في أي مشروع يعود إليه.
“أردت أن تكون الدورات شاملة، حتى نتمكن من إنشاء دورة تعتمد على احتياجات ومتطلبات الأشخاص، بدلاً من جلوس الجميع هناك مثل قطيع من الأغنام.”
– سونال أهوجا
تحظى VRAcademi بشراكتين مهمتين، مع وزارة الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وتطبيقات العمل عن بعد، ومدارس جيمس.
ويرى سونال أنه مع انتشار التكنولوجيا، يجب استخدامها بحكمة. ويقول: “في نهاية المطاف، الذكاء الاصطناعي هو تكنولوجيا ذات استخدام مزدوج مثل النار. النار كانت مفيدة للبشرية، ولكن يمكنك أيضاً أن تحرق شخصاً بها، والأمر نفسه ينطبق على الذكاء الاصطناعي والواقع الممتد. عليك أن تستخدمها بالطريقة الصحيحة. وهذا لا يعني حبس أجهزة الآيباد أو الشاشات، لأنه إذا حبست شيئاً ما، فإن الأطفال سيطورون عادة فعل الأشياء من وراء ظهرك. أعطهم التكنولوجيا مع تزويدهم بالمهارات اللازمة للتمييز بين الصواب والخطأ”.
بالنسبة لعائلة أهوجا، قدم الذكاء الاصطناعي لهم الراحة. والآن، يريدون أن يقدموا الأمل، ويثيروا الإبداع، ويساعدوا الآخرين على إيجاد طريقهم الخاص للتنقل في العصر الرقمي.
و أخيرا وليس آخرا
من خلال قصة أغيلوس وأكاديمية الواقع الافتراضي، نرى كيف يمكن للتكنولوجيا أن تتحول إلى أداة قوية للتغلب على التحديات الصحية وتحقيق الأحلام. وبينما يواصل الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي تطورهما، يبقى السؤال مفتوحاً حول كيفية تسخير هذه الأدوات لخدمة الإنسانية وتعزيز الإبداع والتعاون في مجتمعاتنا.










