مستقبل الثروات العائلية: دبي وجهة عالمية للريادة واستدامة الإرث
تُعدّ إدارة الثروات العائلية واستدامة إرثها عبر الأجيال تحديًا عالميًا يتطلب رؤى استشرافية وأطرًا تنظيمية متطورة. في سياق يتقاطع فيه الإرث العائلي مع موجات الابتكار المتسارعة، تبرز دبي كمركز حيوي يسعى جاهدًا لرسم معالم مستقبل هذه الثروات. فلطالما كانت الشركات العائلية ركيزة أساسية في بناء الاقتصادات وتشكيل المجتمعات، ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا تشهد حاليًا تحولًا تاريخيًا في انتقال الثروات بين الأجيال، ما يضع على عاتق المراكز المالية الرائدة مسؤولية تطوير حلول مبتكرة لضمان هذا الانتقال بسلاسة وفعالية. وفي إطار هذا التوجه، استضاف مركز دبي المالي العالمي، الذي يُعتبر منارة مالية عالمية في المنطقة، قمة مركز الثروات العائلية، مُعلنًا عن حزمة من المبادرات والشراكات التي تهدف إلى تعزيز مكانة الإمارة كوجهة رئيسية لإدارة الثروات العائلية وقيادة الجيل القادم.
قمة الثروات العائلية: منصة لتبادل الرؤى وصياغة المستقبل
شكلت القمة، التي استضافها مركز دبي المالي العالمي، نقطة التقاء محورية لقادة الشركات العائلية الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى رواد الأعمال من الجيل الجديد وخبراء القطاع. لم تقتصر أهداف القمة على مجرد تبادل الخبرات، بل امتدت لتشمل استكشاف السبل الكفيلة بتمكين العائلات من الحفاظ على ثرواتها وتنميتها للأجيال القادمة، وذلك من خلال مناقشة التحديات والفرص في بيئة اقتصادية عالمية متغيرة باستمرار.
شهدت القمة مشاركة نخبة من الشخصيات القيادية في الشركات العائلية، الذين أثروا النقاشات بخبراتهم ورؤاهم الثاقبة. كان من أبرز هؤلاء، سيما جانواني، مؤسسة ورئيسة مجلس إدارة مجموعة أباريل؛ ومحمد بن غاطي، رئيس مجلس إدارة شركة بن غاطي القابضة؛ ومنى القرق، نائبة رئيس مجلس إدارة مجموعة عيسى صالح القرق؛ وأميرة سجواني، العضو المنتدب لشركة داماك العقارية؛ وراهول جاغتياني، مدير مجموعة لاندمارك. هذه المشاركات عززت من قيمة القمة كمنصة لتبادل المعرفة والتجارب العملية.
مبادرات رائدة من مركز الثروات العائلية: نحو رؤية شاملة
خلال فعاليات القمة، كشف مركز الثروات العائلية التابع لمركز دبي المالي العالمي عن مجموعة متكاملة من المبادرات الطموحة. تهدف هذه المبادرات إلى ترسيخ مهمة المركز في دعم نمو وازدهار العائلات في ظل المشهد الاقتصادي المتغير. ومن أبرز هذه المبادرات “برنامج قادة الجيل القادم”، الذي تم تطويره بالتعاون مع شركاء استراتيجيين مثل برايس ووترهاوس كوبرز، وشركة التميمي ومشاركوه، وحوكمة.
برنامج قادة الجيل القادم: تمكين قادة المستقبل
يُعد برنامج قادة الجيل القادم مبادرة فريدة ومبتكرة من المقرر إطلاقها في أوائل عام 2026. يهدف هذا البرنامج إلى تمكين الجيل القادم من قادة الشركات العائلية عبر تزويدهم بالتدريب المكثف والتوجيه العملي، بالإضافة إلى أفضل الممارسات العالمية. يركز البرنامج بشكل خاص على محاور الحوكمة الفعالة، والابتكار المستمر، وضمان الانتقال السلس للإدارة بين الأجيال، مما يعزز من قدرة هذه العائلات على مواجهة التحديات المستقبلية بمرونة وكفاءة.
منصة رقمية وخدمات كونسيرج متطورة
إلى جانب البرامج التدريبية، أعلن مركز الثروات العائلية عن إطلاق منصة رقمية متكاملة تشمل موقعًا إلكترونيًا وتطبيقًا للهواتف المحمولة. ستوفر هذه المنصة وصولًا سهلًا وميسرًا إلى كافة خدمات المركز، بما في ذلك برامجه التعليمية ومنشوراته وفعالياته، مما يسهل على المستفيدين التفاعل مع المركز. ولتعزيز القيمة المضافة، سيتم إطلاق خدمات الكونسيرج (المساعد الشخصي)، المصممة خصيصًا لتلبية احتياجات المكاتب العائلية والأفراد ذوي الثروات الضخمة، من خلال تقديم الدعم الشخصي في مجالات العمل والحياة اليومية والأعمال ضمن منظومة مركز دبي المالي العالمي.
تعزيز الشراكات والشبكات التعاونية
في خطوة لتعزيز شبكته التعاونية، وقّع المركز مذكرات تفاهم مع عدد من الشركاء الاستراتيجيين. أبرمت دائرة الأراضي والأملاك في دبي اتفاقية تتيح للعائلات والأفراد ذوي الملاءة المالية العالية الاستفادة من الهياكل القانونية لمركز دبي المالي العالمي لتملك العقارات. ومن المتوقع أن تُسهّل اتفاقية أخرى مع الإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب في دبي إجراءات الحصول على التأشيرة الذهبية لأعضاء مركز الثروات العائلية، ما يعكس التزام دبي بتسهيل بيئة الأعمال والاستثمار.
كما سيعمل كل من بنك الإمارات دبي الوطني، وستاندرد تشارترد، وبنك المشرق على توسيع نطاق التعاون مع مركز الثروات العائلية في مجالات التعليم، والحوكمة، وتوفير الحلول المالية المخصصة للشركات العائلية. بالإضافة إلى ذلك، أطلق المركز مجلس الخبراء الاستشاريين، وهو يضم مجموعة مختارة من الخبراء الإقليميين والدوليين الذين سيقدمون التوجيه الاستراتيجي للمركز ويعززون دوره كمنصة عالمية لإدارة الثروات العائلية والفكر الريادي في هذا المجال.
دبي: مركز عالمي رائد للشركات العائلية
تؤكد هذه المبادرات مكانة دبي الرائدة كمركز عالمي للشركات العائلية، فاليوم، تتخذ أكثر من 1,250 كيانًا عائليًا، بما في ذلك العديد من المؤسسات العالمية التي تقدم خدماتها للعملاء الأفراد، من مركز دبي المالي العالمي مقرًا لها. تدير 120 من أغنى العائلات التي تتخذ من المركز مقرًا لها، أصولًا تتجاوز قيمتها 1.2 تريليون دولار أمريكي على مستوى العالم. يسهم قطاع الشركات العائلية بشكل كبير في اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يشكل نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي ويوظف حوالي 80% من القوى العاملة الوطنية.
خلال كلمته الافتتاحية في القمة، أكد سعادة عيسى كاظم، محافظ مركز دبي المالي العالمي، أن الشركات العائلية كانت دائمًا ركيزة أساسية في مسيرة نمو وتطور دبي، ومساهمة في ازدهارها وبناء سمعتها العالمية عبر الأجيال. وأشار إلى أن المنطقة تشهد انتقالًا تاريخيًا للثروات بين الأجيال يقدر بنحو تريليون دولار، مؤكدًا التزام المركز بتقديم الحوكمة الرشيدة، وإتاحة الوصول إلى الخبرات والاستشارات، وتوفير الهياكل التنظيمية العالمية الرائدة التي تمكّن العائلات من الحفاظ على إرثها وتنميته.
تمكين الازدهار بين الأجيال المتعاقبة
تأسس مركز الثروات العائلية في مركز دبي المالي العالمي في عام 2023، ويُعد الأول من نوعه في العالم، حيث يوفر منصة متكاملة للشركات العائلية والأفراد ذوي الثروات الضخمة للتخطيط لتعاقب الإدارة، والحوكمة، وتحقيق النمو المؤسسي. وقد أثبت المركز نجاحه في استقطاب عائلات جديدة إلى مركز دبي المالي العالمي، مما انعكس في زيادة بنسبة 54% في عدد المؤسسات العائلية التي تم تأسيسها خلال العام الماضي، ما يؤكد جاذبيته وفعاليته.
من خلال محفظته المتنامية من البرامج والشراكات والخدمات الاستشارية، يعزز المركز مكانة دبي كشريك عالمي موثوق به في بناء الإرث، والجمع بين التقاليد والابتكار، ووضع الأهداف الواضحة للأجيال القادمة. هذا النهج الشامل لا يدعم استمرارية الأعمال فحسب، بل يضمن أيضًا أن تظل دبي في طليعة المراكز التي تحتضن وتدعم تطور الثروات العائلية عالميًا.
و أخيرا وليس آخرا:
لقد أظهرت قمة مركز الثروات العائلية والمبادرات المتعددة التي أعلن عنها مركز دبي المالي العالمي، التزام دبي الراسخ بتعزيز مكانتها كمركز عالمي لإدارة واستدامة الثروات العائلية. من خلال التركيز على الحوكمة الرشيدة، وتمكين الأجيال القادمة، وتوفير بنية تحتية رقمية وقانونية متطورة، تقدم دبي نموذجًا يحتذى به في كيفية مواجهة التحديات المعقدة المرتبطة بانتقال الثروات. فهل ستظل هذه الجهود كافية لضمان ازدهار هذه الثروات في عالم تتسارع فيه وتيرة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية، أم أن التحديات المستقبلية ستتطلب ابتكارات جديدة تتجاوز ما هو متاح اليوم؟










