تعزيز العلاقات الإماراتية الروسية: رؤى معمقة من المنتدى الأول للأعمال في دبي
شهدت إمارة دبي انطلاق “المنتدى الإماراتي الروسي الأول للأعمال”، الذي يُعد من أبرز المحطات في الأجندة الاقتصادية الثنائية بين الإمارات وروسيا. لم يكن هذا المنتدى مجرد تجمع تقليدي، بل محطة استراتيجية تهدف إلى تعميق أواصر التعاون الاقتصادي والتجاري بين دولتين تسعيان لترسيخ مكانتهما على الساحة العالمية. يعكس هذا الحدث التطلعات المشتركة نحو بناء شراكات مستدامة تتجاوز الأطر التقليدية، وتفتح آفاقاً جديدة للنمو والابتكار في ظل تحولات اقتصادية عالمية متسارعة.
دور المنتدى في تعزيز الشراكة الاستراتيجية
تولى مجلس الأعمال الإماراتي الروسي تنظيم هذا المنتدى، الذي أُسس ليصبح فعالية سنوية ذات أهمية متزايدة، بدعم حيوي من وزارة الصناعة والتجارة الروسية ومؤسسة روسكونغرس ومجموعة ماراثون للاستثمار. يتجاوز هذا الدعم مجرد الإسناد اللوجستي ليؤكد على الرؤية المشتركة في تعزيز الروابط الاقتصادية. لقد جاءت هذه المبادرة في سياق الاجتماع الثاني عشر للجنة الحكومية الروسية الإماراتية المشتركة المعنية بالتعاون التجاري والاقتصادي والتقني، ما يبرز عمق التنسيق بين الجانبين.
خلفية التعاون الاقتصادي بين الإمارات وروسيا
شهدت السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً في حجم التبادل التجاري والمشاريع المشتركة بين الإمارات وروسيا. لم يقتصر هذا النمو على القطاعات التقليدية كالصناعة والنقل والخدمات اللوجستية، بل امتد ليشمل مجالات حيوية مثل الزراعة، والتقنيات الرقمية، والرعاية الصحية، والاستثمارات المتنوعة. هذا التوسع يعكس إدراكاً متبادلاً لأهمية تنويع مصادر الدخل وبناء اقتصادات معرفية قادرة على مواجهة التحديات المستقبلية.
لقد كانت هذه الشراكة الثنائية تتطور باستمرار، مدفوعة برغبة البلدين في استغلال الفرص الجديدة وابتكار آليات تعزز التكامل الاقتصادي. يمكن مقارنة هذا التوجه بالتحركات الاقتصادية لدول أخرى تسعى لتنويع شركائها التجاريين، مما يؤكد أن الإمارات وروسيا تسيران على خطى ثابتة نحو تعميق علاقاتهما الاقتصادية على أسس مستدامة.
“هندسة النمو طويل المدى”: محور الجلسة العامة
شكلت الجلسة العامة التي حملت عنوان “هندسة النمو طويل المدى: فرص جديدة لكلا البلدين” نقطة محورية في المنتدى. خلال هذه الجلسة، استعرض ألكسندر فينوكوروف، رئيس مجلس الأعمال الإماراتي الروسي، الاستراتيجية الطموحة للمجلس وأدواته الفعالة الهادفة إلى تفعيل الإمكانات الاقتصادية والتجارية الكامنة بين الإمارات وروسيا. ركزت الجلسة بشكل خاص على آليات التعاون الاقتصادي الثنائي وسبل تطوير المشاريع المشتركة.
شهدت الجلسة حضوراً رفيع المستوى ضم معالي عبدالله بن طوق المري، وزير الاقتصاد والسياحة، وسعادة أنطون عليخانوف، وزير الصناعة والتجارة الروسي، ورستم مينيخانوف، رئيس جمهورية تتارستان، وسلطان أحمد بن سليم، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة موانئ دبي العالمية. كما شارك فيتالي سيريشوك، عضو مجلس الإدارة ورئيس قطاع الخدمات المصرفية للشركات والاستثمار في بنك “في تي بي”، وألكسندر جاروف، الرئيس التنفيذي لشركة غازبروم ميديا القابضة، إضافة إلى سيرغي كاتيرين، رئيس غرفة التجارة والصناعة في روسيا الاتحادية، مما يعكس الأهمية القصوى لهذا الحوار الاستراتيجي.
مسار الابتكار: مرحلة جديدة من الشراكة التكنولوجية
في خطوة نحو المستقبل، افتُتحت حلقات النقاش بجلسة بعنوان “مسار الابتكار بين روسيا والإمارات: مرحلة جديدة من الشراكة التكنولوجية”. سلطت هذه الجلسة الضوء على أهمية الابتكار في دفع عجلة النمو الاقتصادي، وشهدت مشاركة نخبة من الخبراء والقادة في مجال التكنولوجيا والاستثمار. كان من بين المتحدثين سيرجي زاخاروف، شريك في مجموعة ماراثون للاستثمار، وخلفان بالهول، الرئيس التنفيذي لمؤسسة دبي للمستقبل، ومحمد جمعة المشرخ، الرئيس التنفيذي لاستثمر في الشارقة، ونبيل عرنوس، المدير التنفيذي التجاري لمدينة الابتكار.
كما شارك دميتري ماركوف، الرئيس التنفيذي لشركة فيجن لابس، وأليكسي يوزاكوف، رئيس مجلس إدارة شركة بروموبوت، وفياتشيسلاف كوبايف، الرئيس التنفيذي للشؤون التقنية في شركة ماغنيت تك، وأناستاسيا ستولكوفا، عضو لجنة الصحة العامة في الغرفة المدنية للاتحاد الروسي ومدير مؤسسة آر كيه – ميديسن. كشفت الجلسة عن إطلاق أول برنامج مسرِّع يهدف إلى بناء منظومة متكاملة لدعم نمو الشركات التكنولوجية الروسية والشركات الناشئة في دولة الإمارات، مما يمثل نقلة نوعية في دعم الابتكار المشترك.
حوار الاستثمار المشترك الاستراتيجي
لم يغفل المنتدى أهمية الاستثمار المشترك، حيث شهد مناقشة مستفيضة لسبل تنمية التعاون الاستثماري ضمن جلسة مخصصة بعنوان “حوار الاستثمار المشترك الاستراتيجي”. استضافت منصة “Investment Majlis” هذه الجلسة التي جمعت مجموعة من المستثمرين الاستراتيجيين والصناديق المتخصصة. هدف الحوار إلى تعزيز النقاش البناء وطرح أدوات جديدة لدعم المشاريع.
استعرضت الجلسة المشاريع والآليات المقترحة لإنشاء منصة استثمار مشتركة بين الإمارات وروسيا، مما يؤكد التوجه نحو تأسيس آليات مالية قوية تخدم الأهداف التنموية للبلدين. هذه المبادرات تعكس فهماً عميقاً لأهمية رأس المال في تحفيز النمو الاقتصادي وتجسير الفجوات التكنولوجية.
تشكيل المنظومة المستقبلية للتجارة والخدمات اللوجستية
اختُتم البرنامج الاقتصادي بحلقة نقاشية تحت عنوان “روسيا والإمارات: تشكيل المنظومة المستقبلية للتجارة والخدمات اللوجستية”. ناقش المشاركون في هذه الجلسة تطوير الممرات التصديرية الثنائية ومسارات الخدمات اللوجستية، وتنويع التدفقات التجارية، وإيجاد حلول مستدامة ومتعددة الوسائط. هذه الرؤية تأتي في إطار سعي الدولتين لتعزيز مكانتهما كمركزين لوجستيين عالميين.
كان من بين المتحدثين سيرجي سيدوروف، نائب المدير العام للعلاقات الحكومية والدولية والعلاقات العامة في شركة “دي في إم بي” المساهمة العامة (فيسكو)، ورامي جلاد، الرئيس التنفيذي لمناطق رأس الخيمة الاقتصادية “راكز”، وخالد المرزوقي، نائب الرئيس لتطوير الأعمال الدولية في مناطق خليفة الاقتصادية – أبوظبي، وفلاديسلاف باختينكو، الرئيس التنفيذي لشركة جراند تريد، ونديم سلطان، النائب الأول للرئيس لعمليات الشحن وتخطيط البضائع في طيران الإمارات، وراج جِت سينغ واليا، الرئيس التنفيذي والمدير الإداري لمنطقة آسيا الوسطى في موانئ دبي العالمية، وفلاديسلاف شيك، نائب الرئيس التنفيذي لإدارة قطاع التجارة في شركة أكرون القابضة، مما يؤكد أهمية الخبرات المتنوعة في صياغة مستقبل التجارة.
وأخيراً وليس آخراً
لقد شكل “المنتدى الإماراتي الروسي الأول للأعمال” حدثاً محورياً في مسيرة التعاون الاقتصادي بين البلدين، مؤكداً على الطموح المشترك نحو بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد. من خلال تركيزه على الاستثمار، الابتكار، والخدمات اللوجستية، رسم المنتدى خريطة طريق واضحة لتعزيز العلاقات الثنائية، متجاوزاً بذلك مجرد التبادل التجاري ليشمل بناء منظومات متكاملة للنمو. إن النجاح في استشراف المستقبل يتطلب مثل هذه المنصات الحوارية التي تجمع القادة والمبتكرين وصناع القرار. فهل ستنجح هذه المبادرات في إرساء نموذج يحتذى به للتعاون الدولي في عالم يتسم بالتحولات المستمرة والتحديات المتجددة؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة من خلال المتابعة والتقييم المستمر لتلك الشراكات الواعدة.






