برنامج المدير المالي المحترف: استثمار دبي في قياداتها المالية للمستقبل
تزخر ساحات الاقتصاد العالمي اليوم بتحديات متزايدة وتغيرات متسارعة، ما يدفع بالكيانات الطموحة إلى تعزيز ركائزها الداخلية والخارجية لمواكبة هذا التحول. في هذا السياق، تبرز إمارة دبي كنموذج رائد، مدفوعة برؤية استشرافية تهدف إلى ترسيخ مكانتها كمركز مالي عالمي ووجهة جاذبة للاستثمارات. ولم يكن تحقيق هذه الرؤية ليتم دون إيلاء اهتمام بالغ بالاستثمار في الكوادر الوطنية، وتحديداً في القطاع المالي الذي يعد عصب الاقتصاد. وفي إطار هذه الجهود، أعلنت دائرة الموارد البشرية لحكومة دبي، عن إطلاق مبادرة نوعية بالتعاون مع شركاء استراتيجيين، لتأهيل نخبة من الكفاءات الوطنية ضمن برنامج يهدف إلى صقل مهاراتهم لقيادة دفة المستقبل المالي للإمارة.
صياغة قادة المال للمستقبل الاقتصادي لدبي
شهدت دبي إطلاق برنامج المدير المالي المحترف في مبادرة استراتيجية، بالشراكة مع بنك الإمارات دبي الوطني، المجموعة المصرفية الرائدة في المنطقة، والكلية العليا لإدارة الأعمال ESCP. هذا البرنامج يستهدف إعداد وتأهيل تسع وعشرين كفاءة وطنية بارزة في القطاع المالي. يكمن الهدف الأسمى من هذه المبادرة في بناء قاعدة متينة من القادة الماليين الذين يمتلكون المقومات اللازمة لقيادة المؤسسات بكفاءة وفعالية نحو مستقبل اقتصادي مستدام ومزدهر لإمارة دبي. إنه تجسيد عملي لالتزام دبي بتطوير رأس المال البشري كركيزة أساسية للنمو الاقتصادي المستمر.
يمثل هذا البرنامج المتميز محطة حيوية ضمن مسيرة دائرة الموارد البشرية نحو تحقيق الأهداف الطموحة لأجندة دبي الاقتصادية (D33). تهدف هذه الأجندة، التي تُعد بمثابة خارطة طريق لمستقبل الإمارة، إلى مضاعفة حجم الاقتصاد المحلي وتعزيز مكانة دبي كوجهة عالمية رئيسية للاستثمارات. كما تسعى إلى ترسيخ موقعها كمركز مالي عالمي يتبنى ريادة الأعمال والابتكار، ما يعكس التزام الإمارة بتعزيز تنافسيتها على الساحة الدولية.
الرؤية القيادية والاستثمار في الكفاءات الوطنية
تؤكد دائرة الموارد البشرية لحكومة دبي، أن الاستثمار في العنصر البشري وتعزيز القدرات المحلية يقع في صميم أولوياتها الاستراتيجية. فقد صرح سعادة عبدالله علي بن زايد الفلاسي، مدير عام دائرة الموارد البشرية لحكومة دبي، بأن برنامج المدير المالي المحترف يمثل خطوة استراتيجية جديدة في مسيرة تمكين الكفاءات الوطنية. ولا يقتصر هذا البرنامج على تطوير المهارات المالية المتقدمة فحسب، بل يتجاوز ذلك ليصقل القدرات القيادية الاستراتيجية التي تمكن هذه الكفاءات من قيادة مؤسساتها بأعلى درجات الكفاءة.
أشار سعادته إلى أن هذا البرنامج النوعي يترجم رؤية القيادة الرشيدة إلى خطوات عملية ملموسة. فالهدف هو بناء اقتصاد مستدام قائم على المعرفة والابتكار، يعزز العمل المؤسسي ويرفع من كفاءة القيادات الوطنية، مما يرسخ مكانة دبي الريادية كأحد أهم المراكز العالمية للمال والأعمال. كما يبرز البرنامج القيمة الكبيرة للشراكات الفاعلة بين القطاعين الحكومي والخاص، حيث تتكامل الخبرات الحكومية مع التميز الأكاديمي العالمي لتقديم تجربة تدريبية رفيعة المستوى تفتح آفاقاً جديدة للتميز والابتكار أمام المشاركين، وتدعم تطلعاتهم لقيادة المستقبل المالي للإمارة.
دور القطاع الخاص والأكاديميا في بناء القدرات
من جانبه، أكد هشام عبدالله القاسم، نائب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لمجموعة بنك الإمارات دبي الوطني، على التزام المجموعة بدعم البرامج الهادفة إلى تحقيق مستهدفات أجندة دبي الاقتصادية (D33). وأشار إلى أن هذا الدعم يعزز توجهات تطوير الكفاءات الإماراتية من خلال المبادرات المتعددة التي أطلقتها المجموعة على مدار السنوات الماضية. ويسر المجموعة دعم برنامج “المدير المالي المحترف” الذي يسهم في بناء مسار تدريجي لإعداد قادة ماليين متميزين، عبر تأهيل الكفاءات الوطنية بالمهارات المستقبلية.
أضاف القاسم أن بنك الإمارات دبي الوطني يساهم في تعزيز الاقتصاد المعرفي وترسيخ مكانة دولة الإمارات كأحد أبرز المراكز المالية العالمية، وذلك من خلال توفير منظومة معرفية وتدريبية عالمية المستوى، وتقديم رؤى مهنية متخصصة، وخبرات عملية ملموسة. من ناحيته، أعرب البروفيسور ليون لاولوسا، الرئيس التنفيذي وعميد الكلية العليا لإدارة الأعمال ESCP، عن تقديره لدعوة دائرة الموارد البشرية لحكومة دبي للكلية للمساهمة في تعزيز مهارات المديرين الماليين والتنفيذيين الماليين في الإمارة. وأفاد بأن الكلية تفخر بتصدرها التصنيفات العالمية لبرامج الماجستير في المالية وإدارة الأعمال التنفيذية.
وأكد لاولوسا أن هذه الشراكة القوية والواعدة بين الكلية وحكومة دبي توفر مزيجاً فريداً من الخبرات والالتزام. يجمع البرنامج نخبة من الأساتذة والممارسين العالميين، ليقدم للمشاركين تجربة تعليمية متكاملة. يبرهن هذا التعاون على أهمية الشراكات الاستراتيجية بين الجهات الحكومية والمؤسسات الأكاديمية العالمية والقطاع الخاص في تحقيق الأهداف التنموية الطموحة، ويسلط الضوء على التكاملية المطلوبة لبناء جيل جديد من القادة الماليين.
هيكلية البرنامج ومحاوره الأساسية
يمتد برنامج المدير المالي المحترف على مدار خمسة أشهر مكثفة، مصممة لتقديم تجربة تعليمية متكاملة وشاملة. تشمل هذه التجربة تدريبات حضورية تفاعلية، تتيح للمشاركين الانغماس في بيئة تعليمية محفزة. كما يتضمن البرنامج محاكاة واقعية للتحديات المالية المعقدة، ما يوفر لهم فرصة تطبيق المعرفة النظرية في سيناريوهات عملية. بالإضافة إلى ذلك، يشمل البرنامج زيارات ميدانية لمؤسسات رائدة محلياً وعالمياً، لتمكين المشاركين من الاطلاع على أفضل الممارسات والاستراتيجيات المتبعة في قطاع المال والأعمال.
يتكامل هذا النهج العملي مع جلسات إرشاد مهني فردية، تهدف إلى توجيه كل مشارك بناءً على مساره الوظيفي وطموحاته. كما يتضمن البرنامج حوارات قيادية مع نخبة من الخبراء العالميين في مجالات المال والأعمال، مما يمنح المشاركين فرصة فريدة للتفاعل مع قادة الفكر واكتساب رؤى عميقة حول الاتجاهات المستقبلية.
محاور البرنامج التدريبية
يركز البرنامج على خمسة محاور رئيسية مصممة لتغطية الجوانب الأكثر أهمية في الإدارة المالية والقيادة:
- التفكير الاستراتيجي والقيادة المؤسسية: يهدف هذا المحور إلى تطوير قدرة المشاركين على صياغة رؤى استراتيجية وقيادة المؤسسات بفعالية نحو تحقيق أهدافها طويلة المدى.
- الإدارة المالية المتقدمة وتحليل الأداء: يزود المشاركين بالمهارات اللازمة لتحليل البيانات المالية المعقدة، وتقييم الأداء، واتخاذ قرارات مالية مستنيرة.
- منهجيات تقييم الأعمال وحوكمة الشركات: يركز على أفضل الممارسات في تقييم قيمة الشركات وتطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة لضمان الشفافية والمساءلة.
- التواصل المؤثر وإدارة الأزمات: يعزز مهارات التواصل الفعال لدى المديرين الماليين، ويزودهم بالأدوات اللازمة لإدارة الأزمات المالية ببراعة.
- متابعة ورصد أبرز التوجهات العالمية الحديثة في عالم المال والأعمال: يضمن هذا المحور أن يكون المشاركون على دراية بأحدث الابتكارات والتحولات في المشهد المالي العالمي، مما يمكنهم من التكيف مع التغيرات المستقبلية.
يتميز هذا البرنامج بمناهج تدريبية معتمدة دولياً، يقدمها نخبة من أساتذة كليات الأعمال المرموقة. يتم الاستعانة بدراسات حالة عملية ومشاريع تخرج تطبيقية، مما يضمن ترجمة مخرجات البرنامج إلى أثر ملموس يسهم في تعزيز قدرات المؤسسات وتطوير بيئة الأعمال في الإمارة. تؤكد دائرة الموارد البشرية لحكومة دبي، من خلال هذه المبادرة، التزامها الراسخ بتمكين الكفاءات الوطنية، وتبني أحدث الأساليب العلمية والعملية في مجال التدريب والتطوير، بما يعزز تنافسية الإمارة، ويرسخ مكانتها كمركز عالمي لريادة الأعمال والابتكار.
وأخيرا وليس آخرا
لقد جسد إطلاق برنامج المدير المالي المحترف في دبي رؤية استراتيجية واضحة المعالم، تسعى إلى بناء قدرات مالية وطنية تتناسب مع طموحات الإمارة الاقتصادية الهائلة. من خلال شراكة نوعية بين القطاع الحكومي والخاص والأكاديمي، جرى توفير منصة متكاملة لتطوير المهارات القيادية والمالية، مدعومة بمناهج عالمية وخبرات عملية. إن هذا المسعى لا يقتصر على إعداد أفراد لشغل مناصب مالية فحسب، بل يهدف إلى تشكيل جيل من القادة القادرين على استشراف المستقبل وتحدياته، والمساهمة بفاعلية في تحقيق أجندة دبي الاقتصادية (D33). فهل ستتمكن هذه المبادرات النوعية من مواصلة ترسيخ مكانة دبي كحاضنة للمواهب المالية العالمية ومحفز للابتكار الاقتصادي؟









