صناعة المحتوى الصحي الرقمي: دبي تؤكد ريادتها في بناء جيل واعٍ وموثوق
تُمثل صناعة المحتوى الرقمي أحد الركائز الأساسية للمشهد الإعلامي الحديث، خاصة في ظل التطور التكنولوجي المتسارع الذي جعل المعلومة في متناول الجميع. وفي هذا السياق، تبرز أهمية المحتوى الصحي والعلمي الموثوق كضرورة ملحة لتعزيز الوعي المجتمعي وبناء مستقبل أكثر صحة واستدامة. لطالما سعت دبي، برؤيتها الثاقبة، إلى ترسيخ مكانتها كمركز عالمي متقدم في تطوير هذا النوع من المحتوى، إدراكًا منها لدوره المحوري في تشكيل الوعي العام ومواجهة التحديات المجتمعية المتجددة. ويأتي اختتام النسخة الثانية من برنامج صُنّاع محتوى دبي ليؤكد هذا التوجه الاستراتيجي، مقدمًا نموذجًا رائدًا للتعاون بين القطاعين الإعلامي والصحي.
برنامج صُنّاع محتوى دبي: صقل المهارات لجيل واعٍ
اختُتمت مؤخرًا فعاليات النسخة الثانية من برنامج صُنّاع محتوى دبي، الذي نظمه نادي دبي للصحافة بالتعاون مع دبي الصحية، على مدار شهر كامل من الورش والجلسات المكثفة. كان الهدف الأساسي للبرنامج صقل مهارات مطوري المحتوى الرقمي، مع التركيز بشكل خاص على المحتوى الصحي والعلمي. وقد تزود المشاركون بخبرات متخصصة ومعارف عميقة لتقديم محتوى يراعي أعلى المعايير المهنية، بما يضمن دقة المعلومة وعمق تأثيرها الإيجابي في المجتمع.
وشدد البرنامج على أهمية استخدام لغة مبسطة وجذابة للمتلقي، مع الاستفادة من الأدوات التقنية الحديثة التي تجمع بين موثوقية المعلومة وقدرتها على الانتشار الواسع. هذا التوجه يعكس فهمًا عميقًا لتحديات العصر الرقمي، حيث يتطلب إيصال المعرفة المتخصصة إلى الجمهور الواسع مهارات فريدة تجمع بين الدقة الصحفية والجاذبية الرقمية.
دبي مركزًا رائدًا للمحتوى الموثوق
في هذه المناسبة، أعربت سعادة منى غانم المرّي، نائب الرئيس والعضو المنتدب لمجلس دبي للإعلام رئيسة نادي دبي للصحافة، عن شكرها العميق للتعاون المثمر مع دبي الصحية، الذي ساهم في نجاح أهداف البرنامج. وأكدت سعادتها أن تضافر الجهود بين الجهات المسؤولة عن القطاعات الحيوية يدعم عمل الإعلاميين وصُنّاع المحتوى، ويعزز مكانة دبي كمركز رئيسي لتصنيع وتطوير المحتوى الرقمي الذي يغطي مجالات عديدة، أبرزها المجال الصحي.
وأضافت المرّي أن المحتوى الرقمي أصبح اليوم سيد المشهد الإعلامي بفضل سرعة انتشاره وقوة نفاذه إلى شرائح واسعة من المجتمع. لذا، أصبح من الضروري التأكيد على قدرة صانع المحتوى على تقديم المعلومة الدقيقة المستندة إلى معرفة كافية وإلمام بجميع جوانب المحتوى المقدم للجمهور، لضمان تأثيره الإيجابي.
انطلاقًا من هذا الإيمان، جاء تنفيذ هذه المبادرة النوعية لتعزيز مكانة دبي كمركز متقدم لإنتاج محتوى عربي موثوق يسهم في بناء مستقبل أكثر صحة واستدامة. وقد شكل البرنامج، الذي انطلقت فعالياته في السادس من شهر أكتوبر الماضي، منصة تفاعلية جمعت بين الخبراء والأطباء والإعلاميين وصُنّاع المحتوى، لتبادل الخبرات وتحديد أفضل الممارسات في إنتاج المحتوى الصحي الموثوق.
بناء مجتمع واعٍ ومسؤول
من جانبه، أشار سعادة الدكتور عامر شريف، المدير التنفيذي لـ”دبي الصحية” ومدير جامعة محمد بن راشد للطب والعلوم الصحية، إلى أن تخريج الدفعة الأولى من برنامج “صُنّاع المحتوى الصحي والعلمي” يمثل محطة مهمة في مسيرة بناء مجتمع أكثر وعيًا ومسؤولية. وشدد على إسهام البرنامج في إعداد جيل يمتلك القدرة على إيصال المعلومة بلغة قريبة من الناس، تتسم بالدقة والموثوقية، وتسهم في ترسيخ ثقافة صحية قائمة على المعرفة.
وتوجه الدكتور شريف بالشكر الجزيل إلى نادي دبي للصحافة وجميع الشركاء من المؤسسات الإعلامية والأكاديمية والمنصات الرقمية، لدورهم البارز في إنجاح هذه التجربة النوعية التي تجسد نموذجًا رائدًا للشراكة الاستراتيجية بين القطاعين الإعلامي والصحي، بهدف الارتقاء بصحة الإنسان. وبارك للخريجين الذين يحملون رسالة نشر الوعي الصحي، من خلال تحويل المنصات الرقمية إلى جسور للتواصل البناء مع أفراد المجتمع، مستندين في طرحهم إلى الحقائق والأدلة العلمية.
معارف متخصصة من خبراء القطاع الصحي
حرص البرنامج على إشراك نخبة من الأطباء والمتخصصين لتقديم المحتوى المعرفي، مما أثرى الجلسات بمنظور عملي وعلمي متين.
-
الطبيب المؤثر ودوره في التوعية: قاد الدكتور عادل سجواني، استشاري طب الأسرة ونائب المدير الطبي في مستشفى ميدكلينك باركفيو، جلسة بعنوان “الطبيب المؤثر: كيف تبني محتوى صحي يثق فيه المجتمع”. تناول خلالها دور الطبيب في التوعية الصحية للمجتمع خارج العيادة، مستعرضًا تجربته الشخصية في الموازنة بين مهامه كطبيب وشغفه كصانع محتوى. وقد أوضح كيف تمكن من استخدام منصات التواصل الاجتماعي لنشر رسائل طبية موثوقة بلغة بسيطة يستوعبها الجميع، مستعرضًا تجارب شخصية لمحتوى حقق انتشارًا واسعًا والأسباب وراء ذلك.
-
أساسيات صناعة المحتوى الصحي: استعرض الدكتور طلال المحيسن، استشاري الأمراض الجلدية والشعر، مجموعة من النصائح حول أساسيات صناعة المحتوى الصحي. بداية من تحديد الهدف ومرورًا باختيار الموضوع، والتوقيت المناسب لتناوله، والعنوان، والمصادر الموثوقة التي يستقي منها صانع المحتوى معلوماته. كما تطرق إلى الفارق بين صانع المحتوى المشهور وصانع المحتوى الناجح، متحدثًا عن المسؤولية في ضوء المقاربة بين تحقيق الكسب المادي وأداء الواجب الوطني والمجتمعي.
-
المحتوى الطبي الموثوق والملهم: قدم الدكتور أنور الحمادي، استشاري الأمراض الجلدية في ديرماميد، رؤى قيمة حول كيفية صناعة المحتوى الطبي الموثوق والملهم. واستند في ذلك إلى أساسيات تبسيط المعلومات الطبية للجمهور دون التضحية بالدقة العلمية، وكيفية بناء الثقة مع المتابعين من خلال الحفاظ على المصداقية والشفافية. كما تناول كيفية التعامل مع الشائعات والمعلومات المضللة ودور صانع المحتوى في التصحيح والتوعية، مؤكدًا على أخلاقيات النشر والمسؤولية الاجتماعية في ضوء الضوابط المهنية الطبية والتشريعية.
مهارات احترافية للجيل الرقمي
لم يقتصر البرنامج على الجانب الطبي فحسب، بل شمل جوانب تقنية وإعلامية متقدمة لضمان قدرة صُنّاع المحتوى على المنافسة والابتكار.
-
الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى: قدم الإعلامي أحمد الكتبي من مؤسسة دبي للإعلام، جلسة بعنوان “أساسيات صناعة المحتوى بالذكاء الاصطناعي”. تناول فيها أسلوب صياغة الأوامر للحصول على مخرجات إبداعية من الذكاء الاصطناعي، وكيفية تحويل الأفكار الأولية إلى نصوص وسيناريوهات احترافية متكاملة. كما استعرض سبل التعرف على أنماط وأساليب التصميم المتنوعة من الواقعي والفني، مع تطبيقات عملية، إضافة إلى العديد من النصائح التقنية الأخرى.
-
المحتوى الفعال على منصات الفيديو: قدمت آية محسن عبدالوهاب من يوتيوب محاضرة حول المحتوى الفعال على يوتيوب، تضمنت محاور حول جدولة المحتوى بذكاء واستراتيجية عبر المنصات الرقمية. وتناولت كيفية تحقيق التوازن بين جذب الجمهور الجديد والاحتفاظ بالجمهور الحالي، وسبل بناء خطة محتوى مستدامة تخدم التوعية والتثقيف وتحقق التفاعل المنشود مع المجتمع، مع استعراض عوامل النجاح وفي مقدمتها الاستراتيجية المدروسة بعناية والتنفيذ المتقن.
-
إتقان البث المباشر: من “ميديا كاست”، قدم كل من المهندس التقني تامر ربيع، ومديرة تطوير الأعمال آلاء نوار، معلومات قيمة ضمن جلسة ناقشت عناصر إتقان البث المباشر باستخدام كاميرات متعددة. وجاءت الجلسة على صورة تدريب عملي على أساسيات البث المباشر باستخدام تقنيات متخصصة، حيث شارك الحضور عمليًا في تجهيز الكاميرات والتدريب على كيفية التنقل بينها. كما قدم المحاضران معلومات قيمة حول توظيف خاصية الصورة داخل الصورة (Picture-in-Picture) لعرض المحتوى الطبي بصورة تفاعلية تجمع بين المتحدث والمواد المعروضة.
-
الذكاء الاصطناعي التوليدي في الطب: تناول الدكتور محمد عبدالظاهر، الرئيس التنفيذي لمؤسسة صحافة الذكاء الاصطناعي، شرحًا استعرض فيه نصائح تساعد على فهم أساسيات الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) وتطبيقاته في المجال الطبي. كما استعرض كيفية تمييز أنواع البيانات الطبية من نصوص وصور وتقارير، وكيفية التعامل معها باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
-
صناعة “الريلز” الاحترافية: تحدثت هبة حسن، المؤسس الإبداعي وخبيرة الذكاء الاصطناعي والتصميم في THE COLLECTIVE MIND، حول كيفية صناعة “الريلز” الاحترافية على وسائل التواصل الاجتماعي. وتناولت أهمية الريلز بالنسبة للعلامات التجارية في زيادة التفاعل وجذب الانتباه، مستعرضة مكونات الريل الناجح والتجهيزات التقنية اللازمة لضمان نجاحه، من أدوات مونتاج وتطبيقات رقمية.
تعاون ملهم لتعزيز المحتوى العربي
يُشار إلى أن برنامج صُنّاع المحتوى الصحي والعلمي، الذي نظمه نادي دبي للصحافة بالتعاون مع دبي الصحية، شهد تعاونًا ملهمًا مع نخبة من أبرز مؤسسات الإعلام الجديد والمنصات الرائدة التي شاركت في تقديم المحتوى المعرفي للبرنامج. وقد شملت هذه المؤسسات: تيك توك، يوتيوب، الورشة، أكاديمية دبي للإعلام، Media Cast، أكاديمية إدراك للإعلام، إرم Business، مؤسسة صحافة الذكاء الاصطناعي، Blinx، The Collective Mind. هذا التعاون يبرز التزام دبي بتوفير بيئة حاضنة للابتكار والمعرفة، ويدعم جهود بناء قدرات المحتوى العربي المتخصص.
وأخيرًا وليس آخرًا
لقد جسد برنامج صُنّاع محتوى دبي نموذجًا رائدًا لتضافر الجهود نحو بناء مجتمع واعٍ ومسؤول، قادر على التفاعل بذكاء مع تدفق المعلومات الهائل في العصر الرقمي. من خلال التركيز على المحتوى الصحي والعلمي الموثوق، واستخدام أحدث التقنيات كـ الذكاء الاصطناعي، واستقطاب نخبة من الخبراء والأطباء وصُنّاع المحتوى، نجحت دبي في ترسيخ مكانتها كحاضنة للمواهب والابتكار في هذا المجال الحيوي. فهل ستستمر هذه المبادرات في تقديم حلول مبتكرة لمواجهة تحديات المعلومات المضللة، وترسيخ ثقافة البحث عن المعرفة الموثوقة؟ إن المستقبل يحمل في طياته الكثير من الفرص والتحديات، ويبقى رهان دبي على الاستثمار في العقول والمهارات هو مفتاح النجاح.










