مزاد الصقور في أبوظبي: بين التراث الفاخر والهوية الوطنية
في قاعة تعج بالرجال الذين يرتدون الكندورة البيضاء، تتجه الأنظار نحو منصة دائرية، بينما يتردد صدى أصوات الكاميرات الخافتة للمصورين، وتجلس مجموعة من النساء بهدوء في زاوية.
يتقدم مدرب يحمل صقرًا جيرًا أبيض نقيًا على ذراعه، ويشيد المعلن بجمال الطائر، بينما يراقبه الحضور. هذا هو الصقر السابع في تلك الليلة، برأسه الأبيض الصغير وأجنحته المرقطة بالبني. تعرض شاشتان كبيرتان لقطات مقرّبة للصقر، لتمكين المزايدين عبر الإنترنت من متابعة الأسعار.
“آه يا شباب!” يبدأ المذيع بصوت حازم، مكررًا الرقم مرارًا وتكرارًا، في انتظار أول رفع للمجداف. يبدأ المزاد بسعر 50,000 درهم، وهو بالفعل أعلى من أسعار المبتدئين. ترتفع الأيدي بسرعة، ويغلق المزاد على 70,000 درهم بعد دقائق.
معرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية: منصة للمزايدات النادرة
هذه اللحظة هي جزء من مزاد الصقور السنوي في معرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية، الحدث الأبرز في نسخته الثانية والعشرين. على مدار ثمانية أيام، تتنافس مجموعة مختارة من الطيور للفوز بالمزاد. يجب على المشترين الافتراضيين دفع وديعة تأمين مستردة قدرها 5000 درهم إماراتي، بينما يدفع الحاضرون 50,000 درهم إماراتي لإلقاء نظرة عن قرب على الفراخ. تُعرض جميع الطيور في بهو مركز أبوظبي الوطني للمعارض قبل بدء المزاد.
أرقام المبيعات القياسية
صرح سعد الحساني، مدير المعرض، لـ “المجد الإماراتية” بأنه تم بيع 40 صقرًا بمبلغ إجمالي يتجاوز المليون درهم في ليلة واحدة. هذا الحجم من المبيعات يميز المعرض، الذي يعتبر المزاد الرسمي الوحيد للنخبة من الصقور في دولة الإمارات، بالشراكة مع نادي صقاري الإمارات. يتم فحص حوالي ألف صقر، ولكن قلة منها تصل إلى المنصة بعد مراجعة دقيقة من قبل لجنة متخصصة والأطباء البيطريين، مع التركيز على ندرة السلالة.
الصقور: من أدوات صيد إلى قطع فنية نادرة
أوضح الحساني أن مدربي الصقور ينتظرون هذه الطيور عامًا بعد عام. اليوم، تُباع الصقور التي كانت تُستخدم للصيد وتوفير الطعام لعائلات البدو كقطع فنية نادرة، وقد تجاوز سعر صقر نادر من نوع جير نقي الأبيض المليون درهم في عام 2022.
الصقور في الثقافة الإماراتية: بين التراث والرفاهية
المزاد يقدم نظرة نادرة حول المكانة التي تحظى بها الصقور في الثقافة الإماراتية، المرتبطة بالهوية والأسلاف. وهذا يطرح سؤالًا: هل ما زالت الصقارة تراثًا، أم أصبحت اليوم ضمن مظلة الرفاهية والمكانة الاجتماعية؟
آن ليز تروباتو، الباحثة في جامعة نيويورك أبوظبي، ترى أن المعرض ليس مجرد سوق، بل ملتقى للخبراء والممارسين والباحثين والمهنيين، وأيضًا حدث دبلوماسي. وتؤكد أن مؤسسات مثل هذا المعرض تساعد في إبقاء الصقارة مرئية وحيوية في مجتمع الإمارات سريع التغير.
الصيد بالصقور: من البقاء إلى التجارة
تذكر تروباتو كيف كان الصيد بالصقور بالنسبة للبدو في المقام الأول هدفًا للبقاء، حيث ساعدت الصقور الناس في الحصول على الطعام في الصحراء القاسية. لكنها تؤكد أن شراء وبيع الصقور بأسعار باهظة ليس متجذرًا في الممارسات البدوية، بل هو نموذج مستورد.
ناتالي كوخ، الأستاذة في جامعة سيراكيوز، تصف الصيد بالصقور في الإمارات بأنه تقليد مُخترع، بمعنى أن الطريقة التي يُمارس بها اليوم قد تم إضفاء الطابع الرسمي عليها والترويج لها كجزء من بناء الأمة.
جهود الحفاظ على التراث
الإمارات من أبرز الداعمين لإدراج الصقارة في قائمة اليونسكو للتراث العالمي، مما ساهم في ترسيخها كركن أساسي من أركان الهوية الوطنية الإماراتية. وللحفاظ على هذا التراث، يجب أن نكون قادرين على إبرازه ونقله من الماضي إلى المستقبل.
الأبعاد التجارية للصقارة
الحساني يؤكد أن الصقر هو شعار الإمارات وجزء من تراثها، وليس ترفًا. لكن الجانب التجاري لا يمكن تجاهله. في عام 2023، استوردت الإمارات ما قيمته حوالي 8.16 مليون دولار أمريكي من الطيور الجارحة الحية، مما يجعلها من أكبر الأسواق في العالم.
المشترون والدوافع
يهيمن مربي الصقور والصقارون والتجار على السوق، لكن دوافعهم تختلف. بعض المشترين يرغبون في الصقور للتزاوج والتدريب التقليدي، وآخرون يعرضون صقورهم في مسابقات الطيران. بدأت شركات السياحة أيضًا في شراء الصقور لتقديمها ضمن عروض حية للضيوف.
الأفراد يفضلون البقاء صامتين، محافظين على خصوصية دوافعهم واستثماراتهم، مما يشير إلى أهمية الاستثمار والمساهمة في هذا المجال بالنسبة للإماراتيين.
نقل التراث إلى الأجيال الشابة
تُروّج رياضة الصيد بالصقور للأجيال الشابة من خلال المدارس والأندية والأنشطة التوعوية في معرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية، في جهود لفتح الأبواب وتشجيع الأطفال على الاهتمام بهذا التقليد.
منظور المربين والبائعين
هادي سعيد المنصوري، مالك دار الثمامة للمزادات، يعتبر أن ما بدأ شغفًا بالطفولة أصبح تجارة. مزادات الثمامة للطيور هي سوق المنصوري للصقارة على مدار العام في أبوظبي، والمعرض السنوي يُمثل منصةً رئيسيةً للمربين المحليين والدوليين لتبادل الخبرات.
الصقارة: حلقة وصل بين الماضي والحاضر
يُعدّ بيع المنصوري صقرًا أصيلًا مقابل 350 ألف درهم دليلاً على أن قاعة المزاد ليست مجرد عرض تراثيّ، بل هي أيضاً عملٌ جاد. فمع حداثة الإمارات وترسيخها مكانةً عالميةً رائدة، تُمثّل الصقارة حلقة وصل بين الحاضر والماضي، وبين التطور السريع والتقاليد العريقة.
في حين يُنظر إلى الأسعار الباهظة للمجوهرات أو السيارات القديمة غالبًا على أنها دليلٌ على الثراء الفاحش، أوضحت تروباتو أن الصقر يُظهر للأفراد أنك أكثر من مجرد ثري، وأنك تُقدّر التحمل والاحترام والانسجام مع الطبيعة.
الحفاظ على القيم من خلال الصقارة
تضيف تروباتو أن الحفاظ على الصقارة قد حمل قيمًا معينة، ليس فقط لدى مُربيها، بل لدى مجتمعاتهم أيضًا. فرعاية الصقر وتدريبه يُرسخ قيم الصبر والنزاهة، نظرًا لمستوى الالتزام اللازم.
و أخيرا وليس آخرا
في الختام، يبقى مزاد الصقور في أبوظبي أكثر من مجرد فعالية تجارية؛ إنه تجسيد لتراث عريق يتشابك مع الهوية الوطنية والقيم الثقافية لدولة الإمارات. وبينما تتطور الصقارة من أداة للبقاء إلى رمز للمكانة، يبقى السؤال مفتوحًا حول كيفية الحفاظ على جوهر هذا التقليد في عالم يتسم بالتغير السريع. فهل ستنجح الأجيال القادمة في الحفاظ على هذا التوازن الدقيق بين التراث والرفاهية، أم أن الصقارة ستتحول إلى مجرد ذكرى باهظة الثمن؟










