المنح التعليمية في الحضارة الإسلامية: دعمًا للمعرفة وتنمية للمجتمع
في جمادى الآخرة من العام 630 هـ، الموافق لعام 1233م، شهدت بغداد اكتمال بناء الجامعة المستنصرية، وذلك قبيل سقوطها في يد المغول سنة 656هـ/1258م. وقد خُصصت للجامعة أوقاف ضخمة لتغطية النفقات التعليمية، بما في ذلك رواتب المدرسين وإعالة الطلاب. وقدّر الإمام شمس الدين الذهبي هذه المخصصات بحوالي 900 ألف دينار ذهبي، وهو ما يعادل تقريبا 200 مليون دولار أمريكي في وقتنا الحالي، معتبرا أن هذا الوقف لا يضاهيه إلا أوقاف جامع دمشق، بل ربما كان أوسع منها.
لقد أولت الحضارة الإسلامية اهتمامًا بالغًا بالحركة التعليمية، حيث استمر بناء المدارس والجامعات حتى في أحلك الظروف السياسية. ويتجلى ذلك في التزامن بين بناء الجامعة المستنصرية واستعداد هولاكو لاقتحام بغداد. ويعكس هذا الاهتمام أحد أسباب صمود المجتمع الإسلامي أمام الهجمة المغولية، وقدرته على تحويل الهزيمة السياسية إلى نصر ثقافي وحضاري، وتغيير مسار الغزاة نحو اعتناق الإسلام.
قوة العلم في مواجهة المحن
إن استمرار بناء المؤسسات العلمية لم يكن مجرد قوة وعي وتنوير، بل كان أيضًا قوة صمود وثبات في مواجهة الأزمات والمحن. وقد أدرك المسلمون أن الحركة العلمية لا تزدهر إلا بالمال الذي يكفل لأبنائها العزة والكرامة. فالطالب النبيه الفقير قد يواصل دراسته بعصامية، ولكن عطاءه سيكون أسرع وأوفر معرفة إذا كُفي همَّ المعيشة بالمنح التعليمية. والأستاذ إذا مُنح فرصة التفرغ لتعليم الناشئة وتصنيف المدونات العلمية، وهو ما أدى إلى شيوع ظاهرة المنح في المجتمعات الإسلامية عبر الأوقاف وتجسيد قيم البذل والإنفاق التي حثت عليها تعاليم الإسلام.
العدالة الاجتماعية والمنح التعليمية
في الوقت نفسه، كانت المنح التعليمية إحدى صور العدالة الاجتماعية؛ فقد كان التعليم وسيلة ناجعة لأبناء الطبقات المهمشة للارتقاء في المجتمع بجهودهم الذاتية، وذلك من خلال دعم مالي سخي لا يفرق بين الطلاب، وهو دعم كانت تمده روافد متعددة خُصصت لها أسهم من الزكاة، وحُبِّست لأجلها موارد الأوقاف والكفالات من الأغنياء ورجال السلطة السياسية.
صور المنح التعليمية وتنوعها
للمنح التعليمية صور كثيرة ومتنوعة؛ منها جوائز التفوق العلمي التي ينالها الطالب المتفوق، والتكريم المادي الذي يحصل عليه الأستاذ المبدع في التصنيف والابتكار، والوقف المخصص لدعم طلاب العلم وتوفير أدوات الدراسة من كتب وقرطاسيات ومأوى وإعاشة.
المنح التعليمية في العصر الحديث
في عصرنا الحالي، يتطلع الطلاب في جميع أنحاء العالم للحصول على المنح العلمية التي تعينهم على مواصلة مسيرتهم التعليمية. ويعرّف معجم أوكسفورد المنحة العلمية بأنها مبلغ مالي يعين الطالب على مواصلة تعليمه يحصل عليه عن طريق استحقاق أو إنجاز. وتشهد دول العالم الأول تنافسًا كبيرًا للحصول على المنح التعليمية، حيث تُرصد لها مبالغ طائلة من جهات رسمية ومؤسسات أهلية.
الحضارة الإسلامية وريادة المنح التعليمية
لقد سبق المسلمون عصرنا هذا إلى فكرة المنح التعليمية لدعم التفرغ للمعرفة والتدريس والتلمذة، وهو ما تسعى هذه المقالة إلى بيانه من خلال عرض جوانب من عناية الحضارة الإسلامية بالعلم والإنفاق على نشره بين عامة الناس، متخذةً من المنح العلمية –بمفهومها الحضاري الإسلامي الواسع- دليلا على هذه العناية والرعاية، عبر استعراض أنواع ومصادر الدعم والإسناد المادي الذي كان يُرصد للطلاب والمعلمين.
سابقة نبوية في دعم العلم
بُعث النبي ﷺ في أمة أميّة، وكان عدد من يحسن الكتابة في قريش قليلًا. وقد اختلف المؤرخون في أول من تعلمها منهم، وقيل إنه حرب بن أمية، وعنه أخذها ابنه أبو سفيان، وعلى الأخير تعلمها عمر بن الخطاب وجماعة من قريش. ولم يتهيأ لنا الوقوف على شيء محدَّد في تكاليف التعليم في ذلك العهد، سوى ما نعرفه من حديث مفاداة الأسرى بعد غزوة بدر سنة 2هـ/624م، وعليه فإننا نقدر أن تكلفة التعليم الأوّليّ للطالب الواحد كانت تدور حول 400 درهم فضي.
القرآن الكريم وتفضيل أهل العلم
حين طلعت شمس الإسلام؛ جاء القرآن الكريم بتفضيل أهل العلم على من سواهم في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾؛ (سورة الزُّمَر/الآية: 9). ووردت أحاديث نبوية كثيرة في فضل طلب العلم والتعليم، فكان النبي ﷺ يحض أصحابه على التعلم، ويفرّغهم لاكتسابه حيث كان يتولى تعليمهم بنفسه.
أهل الصُّفَّة: أول سكن طلابي في الإسلام
كان النبي ﷺ يجعل أهل الصُّفَّة مصرفًا للزكاة والصدقات والهدايا باعتبارهم أضياف الإسلام، وخصص لهم حصصا غذائية يومية. وبذلك يكون النبي ﷺ أقام أول سكن طلّابي كان يستضيف طلّاب العلم والتفقه في الدين الوافدين على المدينة، وصار ساكنوه يعرفون بـأهل الصُّفَّة!
الصحابة الكرام والإحسان إلى طلاب العلم
وقد وردت عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في الإحسان إلى طلاب العلم والعناية بهم، وتشرّب منه ذلك الاهتمامَ بهم صحابتُه الكرام؛ ففي ‘سُنن الترمذي‘ عن التابعي أبي هارون العبدي قال كنا نأتي أبا سعيد الخدري فيقول: مرحبا بوصية رسول الله ﷺ، إن رسول الله ﷺ قال: إن الناس لكم تَبَعٌ، وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرضين يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوْصُوا بهم خيرا.
رعاية مبكرة للمواهب
ولما انقضى العصر النبوي؛ سرعان ما بدأ تقليد المنح العلمية يشيع في الثقافة الإسلامية، فعرف المجتمع الإسلامي تقديم المنح الشخصيّة بأشكال متعددة، كان من أوائلها رعاية موهبة خاصة يلحظ وجودها المانحُ في الممنوح له كتعدّد اللغات مثلا.
ابن عباس ورعاية المترجمين
فقد جاء عند الإمام الذهبي -في ‘سِيَر أعلام النبلاء‘- ضمن ترجمته لأبي جمرة نصر بن عمران الضُّبَعي قولُ الأخير: كنت أقعد مع ابن عباس وكان يجلسني معه على سريره، فقال لي: أقم عندي حتى أجعل لك سهما من مالي، فأقمت معه شهرين. وكان أبو جمرة هذا يتولى الترجمة الفورية لمجالس ابن عباس العلمية لمن يتكلم اللغة الفارسية من حاضريها.
المنح العلمية وأثرها في قيام المذاهب الفقهية
ولا أدل على رسوخ تقاليد المنح العلمية في الثقافة الإسلامية من كونها كانت أساسا متينا لقيام المذاهب الفقهية التي يتعبّد المسلمون ربّهم بأقوال أئمتها وفقهائها؛ فلو لم تكفِ المنحُ العلمية مؤسسي المذاهب الفقهية في الإسلام همَّ الرزق لاشتغلوا بتحصيل كسب المعاش عن الإمامة في العلم، ولَمَا قامت ربما مذاهبهم على النحو الذي عرفناه من الثراء العلمي والرسوخ التاريخي.
الإمام أبو حنيفة وتعهده لتلميذه أبي يوسف
فهذا الإمام أبو حنيفة يلمس من تلميذه أبي يوسف البَجَلي نبوغًا واستعدادًا ذهنيا عظيما لحمل علمه، فيخصه بمنحة علميّة ويفرّغه للطلب والتحصيل المعرفي. فحين أجبرت ظروف الفقر وحاجة الأهل الشاب أبا يوسف على التوقف عن طلب الحديث والفقه على شيخه؛ تفقد الإمام أبو حنيفة حاله حتى علم سبب










