من الاكتشاف إلى بزوغ أبوظبي الحديثة: 1957 إلى 1966
شهدت الفترة من عام 1957 إلى 1966 تحولات جذرية في أبوظبي، حيث بدأت ملامح الدولة الحديثة في الظهور بفضل اكتشاف النفط. هذه الحقبة الزمنية تعتبر حجر الزاوية في تاريخ الإمارة، إذ شهدت تحولها من منطقة تعتمد على موارد تقليدية إلى مركز اقتصادي عالمي بفضل الثروة النفطية.
بدايات الاكتشافات النفطية
في أواخر عام 1957، أثمرت المسوح الزلزالية التي أجريت في مربان والمناطق الغربية المحيطة بها عن نتائج واعدة. تزامن هذه النتائج مع وجود مؤشرات هيدروكربونية مشجعة في بئر “مربان-1″، مما عزز الثقة بإمكانية المضي قدماً في عمليات التنقيب. وعلى إثر ذلك، قررت الشركة حفر بئر جديدة أطلق عليها اسم “مربان (باب)-2”.
في السنوات التي أعقبت إغلاق بئر مربان الأولى، نقلت الشركة معسكرها الرئيسي من طريف إلى مناطق أكثر غربية لتسهيل الوصول إلى آبار الجزيرة والشويهات. وفي عام 1958، تم تجديد معسكر طريف بالكامل وتزويده بالمعدات اللازمة لتنفيذ برامج الحفر المقررة. كما تم بناء وحدات سكنية للمهندسين وإنشاء مهبط بدائي للطائرات الصغيرة والعمودية، التي أثبتت فعاليتها في التواصل مع فرق الجيولوجيا والمسح العاملة في الصحراء.
ونظراً لضحالة المياه قبالة ساحل طريف، تم إنشاء مرسى خاص في الضبيعية، حيث كانت المياه أعمق. كانت المعدات والمؤن تنقل إلى معسكر طريف ومن ثم إلى الصحراء عبر الشاحنات الثقيلة. وقد ظلت طريف القاعدة الرئيسية لعمليات الشركة الميدانية حتى عام 1972.
التطورات الإدارية والاجتماعية
على الرغم من بناء مكتب رئيسي ووحدات سكنية في أبوظبي عام 1966 ونقل الموظفين الإداريين من البحرين، استمر التخطيط لبئر “مربان 3”. في تلك الفترة، تم حفر أربع آبار في منطقة أبوظبي، وبدأت شركة تطوير النفط (الساحل المتصالح) تعتمد على العمالة المحلية التي اكتسبت خبرات كبيرة في أساليب الحفر وإرشاد المهندسين والجيولوجيين في الصحراء.
برنامج التدريب الأول
في عام 1960، أطلقت الشركة أول برنامج تدريبي مخصص لأهالي أبوظبي في طريف، لتزويدهم بالمعلومات الفنية الأساسية وتعليمهم القراءة والكتابة والحساب. لاقت هذه المبادرة استحساناً كبيراً وساهمت في توفير عمالة محلية مؤهلة، وتبوأ العديد من خريجي البرنامج مناصب مرموقة في الحكومة والأعمال التجارية.
دور القيادة المحلية
انتدب ثاني بن مرشد، رئيس وحدة الحرس الخاصة، لمعالجة شؤون العمالة المحلية، وكان يقضي معظم وقته في طريف. وفي الوقت نفسه، افتتح متجراً صغيراً في سوق أبوظبي، والذي شكل نواة لإحدى أبرز المؤسسات التجارية الحديثة في الإمارة.
الأمن والاستقرار
تأسست شرطة أبوظبي في العام 1957، وتولت مسؤولية الحفاظ على أمن عمليات الشركة في طريف والصحراء. ومع ازدياد الأنشطة وتوسع الاقتصاد المحلي، قررت الحكومة البريطانية عام 1957 تعيين مسؤول سياسي مقيم في أبوظبي.
الاهتمام الرسمي
أبدى كبار أعضاء الأسرة الحاكمة في أبوظبي اهتماماً وثيقاً بالأنشطة في طريف، حيث زارها الشيخ شخبوط وأشقاؤه، بمن فيهم الشيخ زايد، عدة مرات. وكان مدير الشركة يقدم تقارير منتظمة للحاكم ويسلمه الدفعات السنوية المستحقة بموجب اتفاقية الامتياز.
اكتشافات نفطية واعدة
منحت أولى عمليات الحفر في رأس صدر الأمل لأهالي أبوظبي بالخيرات القادمة من اكتشاف النفط. وعلى الرغم من خيبة الأمل الأولية بعد حفر آبار استكشافية جافة، إلا أن الصبر أتى بثماره في النهاية.
بئر مربان -2
في أكتوبر 1958، تم حفر بئر “مربان -2” لتقييم وجود المواد الهيدروكربونية في تكوين ثمامة. وبعد ثلاثة عشر شهراً من الحفر، أظهرت الاختبارات أن طبقة ثمامة كانت حاملة للنفط والغاز.
بئر مربان -3
بعد إجراء مسوحات زلزالية أخرى، تم حفر بئر مربان -3 في ديسمبر 1959، وأثبتت الاختبارات وجود مواد هيدروكربونية في مناطق ثمامة. أنتجت البئر النفط الخام بمعدل 3764 برميلاً في اليوم، وكان النفط المنتج عالي الجودة.
إعلان الاكتشاف
بعد تحليل النتائج، قرر مسؤولو الشركة أن الإنتاج التجاري للنفط ممكن. وتم إبلاغ الحاكم رسمياً بالاكتشاف في 27 أكتوبر 1960، مع تأكيد دفع المبالغ المنصوص عليها في اتفاقية الامتياز، وعلى الرغم من أن تصدير أول برميل نفط استغرق ثلاث سنوات، إلا أن هذه المبالغ ساهمت في تمويل حكومة أبوظبي.
شركة مناطق أبوظبي البحرية المحدودة (أدما)
في أوائل الخمسينات، منحت الحكومة امتيازاً للتنقيب في المناطق البحرية لشركة (أدما)، التي أعلنت اكتشاف النفط بكميات تجارية في حقل أم الشيف البحري في عام 1958.
التنمية التجارية والاقتصادية
ساعد النشاط المتزايد لشركتي تطوير النفط (الساحل المتصالح) وأدما على تنشيط النمو التجاري في أبوظبي. استفادت السوق المحلية من خلال تزويد الشركات الأجنبية وموظفيها بالمؤن، وافتتح البنك البريطاني للشرق الأوسط أول فرع له في جزيرة أبوظبي عام 1958.
التعليم والبنية التحتية
في عام 1958، تم تأسيس أول مدرسة حديثة في جزيرة أبوظبي تحت اسم الفلاحية، وتم الشروع في إنشاء هيكل إداري حكومي رسمي. ومع استمرار نمو صناعة النفط، بدأت عجلة تنمية الاقتصاد المحلي تدور بخطى متسارعة، وقررت الحكومة البريطانية رفع مستوى تمثيلها في أبوظبي إلى مستوى معتمدية سياسية كاملة في عام 1961.
تطوير حقل باب
مع تأكيد الجدوى الاقتصادية لحقل باب، انخرطت الشركة في عملية إعداده للإنتاج. وتم حفر بئر رابعة، هي مربان (باب)-4، وتم اكتشاف النفط فيها في طبقة ثمامة، مما شجع الشركة على المضي قدماً في تطوير الحقل.
تحديات وظروف العمل
كانت الظروف المعيشية لموظفي الشركة في حقول النفط صعبة في البداية، حيث كانوا يعيشون في معسكرات من الخيم وسط الكثبان الرملية، وكانوا مضطرين لإحضار كل مؤنهم واحتياجاتهم بالشاحنات أو المروحيات.
فرص جديدة للمواطنين
فتح التوسع في النشاط الطرق أمام بروز فرص جديدة لأهالي أبوظبي لتأسيس شركات مقاولات ونقليات، وأصبحت شركة أدكو واحدة من أكبر المشترين للخدمات من السوق المحلية.
إنشاء البنية التحتية النفطية
تم بناء جهاز لفصل الغاز عن النفط في موقع شامس، وتم تمديد الأنابيب إلى محطة تجميع وفصل الغاز في منطقة حبشان، التي أصبحت أحد المراكز الرئيسية في صناعة النفط والغاز في أبوظبي. كما توفرت فرص عمل جديدة لأهالي أبوظبي، وفرص الوصول إلى المرافق الطبية.
اختيار موقع التصدير
تم اختيار موقع يبعد أكثر من 100 كيلومتر إلى الغرب، عند جبل الظنة، لإنشاء ساحة لصهاريج تخزين النفط وميناء يتم تحميل النفط منه على متن الناقلات وتصديره.
جبل الظنة
يحتوي جبل الظنة على مخزون هائل من الكبريت الطبيعي، وقد أظهرت الف










