تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة
المحمية البريطانية وإمارات الساحل المهادن
مثّل الهجوم البريطاني سنة 1819م نقطة تحول جذرية بالنسبة للقواسم، محدداً مسار المنطقة على مدى 151 عاماً، حيث رسخ التفوق البريطاني كقوة مهيمنة سياسياً وعسكرياً. منذ توقيع معاهدة السلام العامة سنة 1820م حتى انسحاب بريطانيا من الخليج العربي في الأول من ديسمبر 1971م، لعبت المملكة المتحدة دوراً محورياً في تشكيل دولة الإمارات العربية المتحدة. ما بدأ كحملة عسكرية للحد من القرصنة، تطور إلى مسعى لإرساء سلام بحري دائم، والقضاء على العبودية، وإقامة محمية غير رسمية.
إثر تدمير رأس الخيمة، أولت بريطانيا اهتماماً خاصاً بحماية طرقها التجارية، ففي 8 يناير 1820م، وقّع اللواء ويليام كير غرانت معاهدة السلام العامة مع شيوخ القبائل على ما سمته بريطانيا “ساحل القراصنة”. شمل الموقعون حسن بن رحمة القاسمي، شيخ خت والفحلين وحاكم رأس الخيمة سابقاً، والشيخ سلطان بن صقر القاسمي، حاكم الشارقة سابقاً، إضافة إلى رجب بن أحمد، شيخ الجزيرة الحمراء، وحسن بن علي شيخ ضاية (الرمس)، وحكام أبوظبي، ودبي، وعجمان، وأم القيوين والبحرين.
تضمنت المعاهدة أحد عشر بنداً، أكدت على “إنهاء أعمال السطو والقرصنة في البر والبحر من قِبَل العرب الأطراف في هذه المعاهدة إلى الأبد”، وإلزام كل قبيلة بحمل “راية حمراء بحروف أو من دون حروف، كما تراه مناسبًا، ويجب أن يكون ذلك بحدٍّ أبيض” كرمز للسلام. كما أدانت المعاهدة تجارة الرقيق، وأدخلت نظام تسجيل للسفن يعتمد على الطول والعرض، مع اشتراط حمل وثيقة “تخليص ميناء” موقعة من الرئيس، تتضمن اسم المالك، وقائد السفينة، وعدد الأفراد والأسلحة، والوجهة المقصودة.
الاحتلال البريطاني لرأس الخيمة
بقيت رأس الخيمة تحت الاحتلال البريطاني حتى يوليو 1820م، حين غادرت حامية قوامها 800 جندي إلى قشم. قبل المغادرة، أمر النقيب توماس بيرونيت ثومبسون، الذي شارك في صياغة معاهدة السلام العامة، بتدمير دفاعات المدينة. يذكر لوريمر في دليله الجغرافي عن الخليج أن القوات “دمرت في البداية جميع المباني في رأس الخيمة تقريباً، وجميعها تحصينات بدرجة أكبر أو أقل، ثم أخلت الموقع في 18 يوليو، وبعد يومين نزلت القوات في مدينة قشم”.
الوكيل السياسي للخليج الأدنى
في الشهر ذاته، أنشأ البريطانيون منصب الوكيل السياسي للخليج الأدنى للإشراف على تنفيذ المعاهدة. تمركز الوكيل في جزيرة قشم مع قوة بريطانية، وبقي هناك حتى عام 1822م، حين استُبدل بنظام “السيطرة البحرية”، الذي تضمن إنشاء سَرِيَّة من الساحل الشرقي للخليج لحراسة الساحل باستمرار. انتقلت المسؤولية العامة عن المنطقة إلى بوشهر، حيث تمركز أول بريطاني مقيم في الخليج العربي، الملازم أول جون ماكلويد. في يناير 1823م، بدأ ماكلويد جولة ساحلية لزيارة كبار الشيوخ، وأصبحت هذه الجولة تقليداً سنوياً استمر حتى القرن العشرين.
الشيخ سلطان بن صقر القاسمي
بحلول زيارة ماكلويد، أصبح الشيخ سلطان بن صقر القاسمي زعيماً لكل موانئ القواسم، إذ أقرّ معظم شيوخ الساحل بتفوقه. وفي رسالة إلى فرانسيس ووردن، كتب ماكلويد: “إن القاسمي كان الشخصية الأبرز في الخليج العربي، وإن رأس الخيمة تابعة تماماً لسلطان بن صقر، وشقيقه الشيخ محمد مسؤولاً عن الحكومة”. وأشار ماكلويد أيضاً إلى أن “المدينة الجديدة رأس الخيمة، تتكون من العديد من أكواخ البوص (القصب)، ومنزل واحد أو منزلين من الطّينِ، ولا يزال الميناء يُستخدم لقواربهم”.
وصف ماكلويد المرفأ بأنه يضم “عدد كبير جداً من السفن الجميلة، ربما لا تقل عن ثلاثين، قادرة على استيعاب ما يراوح بين خمسين إلى مائة رجل؛ ويقوم الشيخ سلطان ببناء سفينة تجارية ضخمة يبلغ وزنها نحو 120 طناً، يقال إنّها مخصصة للتجارة مع الهند. أما الزعماء الآخرون فلديهم عدد قليل جداً من القوارب إلى جانب تلك المستخدمة في صيد الأسماك، وربما لا يمتلك أحدهم أكثر من ثلاثة أو أربعة قوارب”. ووصف الشيخ سلطان بأنه “رجل شديد البأس وطموح”، و”معترف بتفوقه على جميع القبائل الساحلية من الكباش حتى الشارقة، باستثناء عجمان”. وأضاف ماكلويد أنه على الرغم من سلطة الشيخ سلطان المباشرة على القادة الآخرين، وانتخاب حكام كل ولاية من قِبَل أفراد قبائلهم، “يبدو أن سلطان بن صقر يتمتع ببعض القوة في التأثير على خياراتهم، على الرغم من أنه لا يستطيع فرض شيخٍ رغماً عنهم. في الواقع، يبدو أنهم مستقلون فيما يتعلق بقبيلتهم، لكنهم يدينون بالولاء العام للشيخ سلطان باعتباره قائد القبيلة المتفوقة”.
اقترح ماكلويد إنشاء وكالة محلية لبناء علاقات جيدة مع الحكّام، والإشراف على النشاطات على طول الساحل المهادن، والمساعدة في إنفاذ معاهدة السلام العامة. ومع ازدياد عدد المعاهدات، ازدادت أهمية هذا الدّور، وكان معظم الوكلاء إمّا من المسلمين الناطقين بالعربية من الساحل الشرقي للخليج، أو من شبه القارة الهندية. وكتب ماكلويد: “أعتقد أن هدفنا الرئيس هو احتواء العمل العسكري في البحر قدر الإمكان، ومنع نشوء الخلافات بينهم، خشية أن تؤدي إلى تجدّد الاضطرابات. وفي الوقت نفسه، يجب ألا نتدخل كثيراً ويجب أن نكون حريصين جداً على عدم الإساءة؛ يمكن فعل الكثير من خلال المثابرة على نظام المراقبة المستمرة جنباً إلى جنب مع العلاقات الوديّة التي تحرص الحكومة عليها”.
تطورات لاحقة
رغم تسيير السفن الدوريات في الخليج العربي للقضاء على القرصنة، تجنبت بريطانيا التدخل في الشؤون السياسية للدول. معاهدة السلام العامة لسنة 1820م “قيّدت حق القادة في شن حرب معترف بها مع بعضهم بعضاً في البحر”. وذكر تشارلز أيتشيسون استمرار الهجمات بين زعماء القبائل، الأمر الذي استمر في القرن العشرين وكان مصدراً للكراهية. ازدادت الخلافات القبلية وتغير الولاءات والحروب المفتوحة.
في ديسمبر 1831م، أعلن الشيخ سلطان وحَليفهُ زعيم عجمان الحرب على بني ياس. وفي عام 1833م، حاصر القواسم ميناء بني ياس في أبوظبي، ولم تتوقف الأعمال العدائية حتى عام 1834م. استمرت النزاعات مع عُمان أيضاً، ومع القبائل الأخرى على طول الساحل والبدو في الداخل، لدرجة أن الشيخ سلطان طلب الإذن من ماكلويد لبناء تحصينات دفاعية على طول ساحل رأس الخيمة.
الهدنة البحرية
في عام 1835م، اقترح مساعد المقيم البريطاني في الخليج، الكابتن صموئيل هينيل، هُدْنة تحظر الهجمات البحرية خلال موسم الغوص. ضمنت الهدنة التي وقّعها حكام أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان السلام لهم مدة ستة أشهر، وبضمان المقيم البريطاني وتنفيذ الطرادات البحرية، عمّ السلام وتم توقيع اتفاقيات سلام ومعاهداتٍ جديدة ٍفي عامي 1836 و1837م. في العام التالي تم تمديد فترة الهدنة إلى اثني عشر شهراً بناءً على اقتراح من القاسمي، وكتب كيمبال عن الهدنة: “سلام دائم في البحر”.
تم ت










