الاستدامة العالمية: جهود إماراتية رائدة نحو كوكب صامد
في عالم يشهد تحولات بيئية متسارعة وتحديات مناخية معقدة، تبرز رؤية دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج ريادي يتجاوز مجرد الاستجابة، ليصبح قوة دافعة نحو صياغة مستقبل أكثر استدامة. إن الحاجة الملحة لتضافر الجهود الدولية وتقديم حلول جذرية تضع الحضور الإماراتي في المحافل العالمية، مثل جمعية الأمم المتحدة للبيئة، في صميم المشهد. لم يقتصر دور الإمارات على المشاركة فحسب، بل امتد ليشمل قيادة أجندة عالمية طموحة، مرتكزة على إرث من الاستدامة زرعه الوالد المؤسس، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه. يعكس هذا النهج فهماً عميقاً بأن مواجهة تحديات المناخ تتطلب أكثر من الطموح، بل تتطلب عملاً ملموساً واستثمارات ضخمة قادرة على تغيير مسار التنمية نحو الأفضل.
الإمارات في قلب جمعية الأمم المتحدة للبيئة: رؤية استشرافية
في ديسمبر من عام 2025، كان لدولة الإمارات العربية المتحدة حضور بارز في أعمال الدورة السابعة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة، والتي ترأست وفدها معالي الدكتورة آمنة بنت عبدالله الضحاك، وزيرة التغير المناخي والبيئة. انعقدت هذه الدورة في العاصمة الكينية نيروبي، بالمقر الرئيسي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، تحت شعار “تعزيز الحلول المستدامة لكوكب قادر على الصمود”. لم تكن المشاركة الإماراتية مجرد حضور شكلي، بل كانت منصة حيوية لتعزيز الدور المحوري للدولة في دعم مساعي الاستدامة والمرونة المناخية على الصعيد العالمي، مؤكدة التزامها بتحويل الرؤى إلى مبادرات عملية.
التزام راسخ وإرث تنموي متجذر
في كلمتها الوطنية أمام الجمعية، أعربت معالي الدكتورة آمنة الضحاك عن اعتزاز الإمارات بتبني إرث تنموي رائد، يتأسس على قيم الاستدامة التي غرسها الوالد المؤسس. هذا الإرث يشكل حجر الزاوية في التزام الدولة الثابت بالحفاظ على البيئة وتنميتها، إيماناً بأن مواجهة التحديات المناخية العالمية تستلزم عملاً ملموساً واستثمارات ضخمة تتخطى مجرد الطموحات النظرية. هذا النهج يذكرنا بالاستراتيجيات البيئية لدول أخرى سبقت في هذا المجال، حيث أدركت أن التنمية الاقتصادية يجب أن تتكامل مع الحفاظ على البيئة لضمان مستقبل مزدهر.
ولتحقيق هذا الهدف، أطلقت الإمارات في عام 2023 “صندوق ألتيرا للتمويل المناخي” بقيمة 30 مليار دولار، في خطوة حاسمة لسد الفجوة التمويلية المناخية العالمية وتسريع وتيرة التغيير الجذري. كما يتجلى جهد الدولة في ريادتها للحلول القائمة على الطبيعة، مثل قيادتها لـ “تحالف القرم من أجل المناخ” بالشراكة مع جمهورية إندونيسيا، وهو ما يعكس التزاماً بيئياً متعدد الأوجه ومتكاملاً. وتعتبر هذه المبادرات استمراراً لمسيرة تاريخية للإمارات في دعم العمل البيئي، بدأها الشيخ زايد، حيث كان سباقاً في غرس الأشجار والمحافظة على البيئة الصحراوية.
واختتمت معالي الوزيرة دعوتها إلى تعزيز قدرة جمعية الأمم المتحدة للبيئة على معالجة القضايا البيئية عبر رؤى علمية شاملة وقرارات متوازنة. ودعت إلى توحيد الجهود لترك للأرض إرثاً يليق بأجيال المستقبل، معتبرة أن التعاون الدولي هو وقود دائم لمسيرة الإنسانية نحو الاستدامة. هذه الدعوة تؤكد على أن التحديات البيئية العالمية لا يمكن مواجهتها إلا من خلال شراكات قوية وتنسيق مستمر بين الدول.
وفد إماراتي يجمع بين الخبرة والشباب
ضم وفد الدولة المشارك في الاجتماعات نخبة من القيادات والخبراء، مما يعكس التزام الإمارات بتسخير أفضل الكفاءات لخدمة أجندتها البيئية. شارك في الفعاليات سعادة محمد سعيد النعيمي، وكيل وزارة التغير المناخي والبيئة، وسعادة الدكتورة العنود الحاج، وكيل الوزارة المساعد لقطاع التنمية الخضراء والتغير المناخي بالوكالة، والمهندسة عائشة العبدولي، مدير إدارة التنمية الخضراء وشؤون البيئة بالوزارة. وقد حظي الوفد بدعم دبلوماسي رفيع من سعادة الدكتور سالم إبراهيم بن أحمد محمد النقبي، سفير الدولة لدى جمهورية كينيا، الذي ساهم في تعزيز التواصل الدبلوماسي وتسهيل مهام الوفد. هذا التنوع في الخبرات يضمن تمثيل الدولة بأفضل شكل ممكن في المحافل الدولية.
الأمن المائي: أولوية إماراتية على الساحة الدولية
في إطار الاجتماع الخاص رفيع المستوى لعام 2026: “المياه في العمليات متعددة الأطراف”، أكدت دولة الإمارات التزامها الراسخ بتعزيز الأمن المائي العالمي والحلول المبتكرة لدعم استدامة الموارد المائية. تأتي هذه المشاركة في سياق يبرز فيه تزايد ندرة المياه حول العالم كأحد أبرز التحديات التي تهدد الاستقرار البيئي والاقتصادي والاجتماعي. هذه المسألة تكتسب أهمية خاصة في منطقة الخليج، حيث تتسم الموارد المائية بندرتها، مما يدفع الدول إلى تبني حلول مبتكرة.
مبادرات إماراتية رائدة لتعزيز الأمن المائي
خلال حديثها عن التطلعات لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2026، أشارت معالي الضحاك إلى مساهمة الإمارات الفاعلة في قيادة جهود الأمن المائي العالمي، من خلال حلول مبتكرة أبرزها “مبادرة محمد بن زايد للماء”. وتطلعت إلى استقبال العالم في مؤتمر الأمم المتحدة للمياه الذي ستستضيفه الإمارات بالتعاون مع جمهورية السنغال، مما يؤكد دورها المحوري في هذا المجال الحيوي. هذه المبادرة تعكس رؤية استراتيجية لمواجهة تحديات المياه التي تتفاقم عالمياً نتيجة التغيرات المناخية والزيادة السكانية.
تتجلى التزامات الإمارات بالأمن المائي في تعهداتها المالية واستراتيجياتها الوطنية. فخلال COP28، أعلنت الدولة عن تعهد بقيمة 150 مليون دولار لحلول ندرة المياه. كما أطلقت “برنامج الأنهار النظيفة” الذي رصد ما يصل إلى 60 مليون دولار لمعالجة تحديات النفايات والمياه في إندونيسيا والفلبين والبرازيل. على الصعيد المحلي، تقود “استراتيجية الأمن المائي لدولة الإمارات 2036” النهج الوطني الشامل، مما يضمن اتساق الجهود على المستويين الوطني والدولي. هذه الاستراتيجية الشاملة تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من المياه وضمان استدامة الموارد للأجيال القادمة.
الحد من الانبعاثات والتحول نحو الحياد المناخي
تؤكد الإمارات باستمرار على الحاجة الملحة للخفض التدريجي للمركبات المسببة للاحتباس الحراري، وهو ما تجلى خلال الحدث رفيع المستوى حول التصديق العالمي على تعديل كيغالي الذي عُقد أثناء انعقاد الجمعية. هذا الموقف يتماشى مع التزام الدولة بتحقيق “الحياد المناخي” بحلول عام 2050، وهو هدف طموح يتطلب تحولاً شاملاً في جميع القطاعات.
التزام بتعديل كيغالي وجهود وطنية حثيثة
أكد سعادة محمد سعيد النعيمي، وكيل وزارة التغير المناخي والبيئة، خلال الحدث، الحاجة الملحة للخفض التدريجي لمركبات الهيدروفلوروكربون (HFCs) المسببة للاحتباس الحراري، مؤكداً دعم الإمارات لهذا الاتفاق العالمي. يبرز هذا التركيز الاستراتيجي لدولة الإمارات على حماية البيئة، ويعكس جهودها في تطبيق مستهدفات خفض الانبعاثات الكربونية عبر مختلف القطاعات للوصول إلى الحياد المناخي بحلول عام 2050. هذا التوجه يعكس رؤية متقدمة مقارنة بالعديد من الدول التي لا تزال في مراحل مبكرة من التخطيط لخفض الانبعاثات.
انطلاقاً من الحاجة الماسة للحد من الاحتباس الحراري، تعمل الدولة بنشاط على التخلص التدريجي من مركبات الهيدروفلوروكربون بحلول عام 2047، من خلال قوانين اتحادية تفرض إجراءات صارمة للإبلاغ والتصاريح للأنشطة المتعلقة بهذه المركبات. وحث سعادته جميع الدول على الانضمام لجهود الحد من تلك المركبات والمساهمة بفاعلية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. هذه الدعوة تؤكد على أهمية التعاون الدولي في مواجهة التحديات البيئية العابرة للحدود.
الحوكمة الشاملة والتمويل المستدام
في حوار حول أهمية دعم استقرار النظام المالي العالمي، تناول سعادة النعيمي نهج الإمارات الشامل الذي يدمج التخطيط الاقتصادي والبيئي والمالي. أشار إلى أن نجاح الإمارات يكمن في خلق بيئة مرنة تدمج الاستدامة في التنظيم المالي، والتنمية الصناعية، واستراتيجيات الاستثمار، مما يخلق مسارات تحول واضحة للقطاعات عالية التأثير. هذا النهج الشمولي يضمن أن تكون الجهود البيئية جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاقتصادي للدولة.
واستعرض سعادته نهج الحوكمة الشاملة الذي تتبناه الدولة لدمج السياسات المالية مع الأهداف المناخية. وكشف عن أرقام تعكس حجم الالتزام الوطني، حيث أشار إلى تعهد اتحاد مصارف الإمارات بتخصيص أكثر من تريليون درهم للتمويل المستدام بحلول عام 2030. كما شدد على ضرورة توحيد معايير التمويل المستدام عالمياً، مشيراً إلى انخراط المؤسسات المالية الإماراتية في مبادرات أممية كبرى مثل مبادرة تمويل برنامج الأمم المتحدة للبيئة والتحالف المصرفي لصفر انبعاثات. ودعا المجتمع الدولي إلى استثمار هذه الأطر لتمكين دول الجنوب العالمي من الوصول إلى التمويل المناخي، وتسريع وتيرة الاستثمار في المشاريع التي تضمن الأمن البيئي والاجتماعي العابر للحدود.
نموذج الإمارات في دمج الالتزامات الدولية
في جلسة الحوار الأولى للاتفاقيات البيئية متعددة الأطراف، تحت عنوان “حوار الاتفاقيات البيئية 1: من التوقيع إلى التنفيذ الفعلي؟”، استعرضت سعادة الدكتورة العنود الحاج، وكيل الوزارة المساعد لقطاع التنمية الخضراء والتغير المناخي بالوكالة، النموذج الإماراتي الرائد في دمج الالتزامات الدولية ضمن النسيج الوطني للدولة. هذا النهج المبتكر يضمن أن تتحول التعهدات الدولية إلى خطط عمل ملموسة على أرض الواقع.
مواءمة الأهداف الوطنية والدولية
أكدت سعادتها أن الدولة نجحت في مواءمة التزاماتها البيئية مع الرؤى الوطنية الكبرى مثل “نحن الإمارات 2031″ و”استراتيجية الإمارات للحياد المناخي 2050”. وقد تم دعم ذلك بأنظمة بيانات وطنية موحدة ومنصات تمويل خضراء تضمن استدامة التنفيذ. كما أكدت أن التنفيذ الفعال يتطلب إشراك كافة فئات المجتمع، مستشهدة بمبادرة “تعهد الشركات المسؤولة مناخياً” التي تضم مئات الشركات، والدور المحوري للشباب في صياغة السياسات عبر مجالس الشباب. هذا النهج يضمن أن تكون جهود حماية البيئة جزءاً لا يتجزأ من مسيرة التنمية الشاملة للدولة، ويعكس تفهماً عميقاً للترابط بين الأبعاد المختلفة للتنمية.
العمل البيئي كمحرك للنمو
في جلسة الحوار الثانية بعنوان “الوفاء بالوعد”، التي ركزت على تسريع تحقيق أهداف التنمية المستدامة، أكدت سعادتها أن الإمارات تنظر إلى العمل البيئي كمحرك للنمو الاقتصادي والاجتماعي، وليس مجرد التزام. سلطت الضوء على الحلول القطاعية التي تحقق فوائد مضاعفة، مثل مشاريع الطاقة المتجددة والنووية التي تخفض الانبعاثات وتخلق المزيد من الوظائف الخضراء، ومشاريع تحويل النفايات إلى طاقة. هذا يدعم التزام الدولة باتفاقيتي بازل وستوكهولم ويعزز الاقتصاد الدائري، مما يجسد رؤية متكاملة للتنمية المستدامة. هذه الرؤية تعد تحولاً جذرياً في فهم العلاقة بين البيئة والاقتصاد، من اعتبارها عبئاً إلى فرصة للنمو.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن الإمارات تعيد تشكيل الحوافز الاقتصادية والأنظمة المالية لتوجيه رؤوس الأموال نحو المشاريع المستدامة، منتقلة بذلك من مرحلة إدارة الضرر البيئي إلى مرحلة الوقاية الفعالة منه، لضمان مستقبل مرن ومزدهر للأجيال القادمة. هذا الانتقال يعكس نضجاً في السياسات البيئية والاقتصادية للدولة.
تحسين جودة الهواء وتعزيز التعاون الإقليمي
خلال مشاركتها في نسخة 2025 من الاجتماع الوزاري لتحالف المناخ والهواء النظيف، رحبت سعادة العنود الحاج بالخطوات التي اتخذها برنامج الأمم المتحدة للبيئة لتفعيل القرار 6/10 بشأن تعزيز التعاون الإقليمي حول تلوث الهواء. أكدت سعادتها أن هذه المبادرات تعد أدوات هامة لتسريع التعاون وتسهيل الوصول للخبرات العلمية في هذا المجال الحيوي. إن جودة الهواء تمثل تحدياً صحياً وبيئياً عالمياً، وتتطلب حلولاً مشتركة.
استثمارات إماراتية لرصد جودة الهواء
سلطت سعادتها الضوء على استثمارات الإمارات لتحسين رصد جودة الهواء، بما في ذلك نشر محطات رصد متطورة، وقوائم جرد وطنية للملوثات، وإطلاق “الأجندة الوطنية لجودة الهواء 2031”. هذه الجهود تعكس التزام الدولة بتوفير بيئة صحية لمواطنيها والمقيمين، وتتماشى مع أفضل الممارسات الدولية في مجال إدارة جودة الهواء. هذه الإجراءات الوقائية تساهم بشكل مباشر في تحسين نوعية الحياة وتقليل المخاطر الصحية المرتبطة بتلوث الهواء.
الدور التفاوضي لوفد الدولة
لعب وفد الدولة التفاوضي دوراً جوهرياً خلال الاجتماعات التحضيرية ولجنة المندوبين الدائمين التي سبقت انطلاق الفعاليات الرئيسية لجمعية الأمم المتحدة للبيئة. أدارت المهندسة عائشة العبدولي، مدير إدارة التنمية الخضراء وشؤون البيئة في الوزارة، فريق التفاوض الوطني الذي تميز بكونه فريقاً إماراتياً خالصاً، جمع بين حيوية الشباب وخبرة المختصين. يعكس هذا التكوين الرؤية الإماراتية في بناء القدرات الوطنية وتمكين الأجيال الجديدة من قيادة مسيرة الاستدامة. هذا النهج يضمن استمرارية الجهود البيئية وتعزيز القيادة الشابة في هذا المجال.
و أخيراً وليس آخراً
لقد جسدت مشاركة دولة الإمارات العربية المتحدة في الدورة السابعة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة، التي اختتمت أعمالها بالإعلان عن عقد الدورة الثامنة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة UNEA-8 في ديسمبر 2027 برئاسة جامايكا، التزاماً وطنياً راسخاً تجاه القضايا البيئية العالمية. من خلال القيادة الفاعلة في مجالات التمويل المناخي، والأمن المائي، والحد من الانبعاثات، ودمج الالتزامات الدولية في الأطر الوطنية، أثبتت الإمارات أنها ليست مجرد مشارك، بل شريك رئيسي يسهم بفاعلية في صياغة مستقبل مستدام. السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف يمكن للعالم أن يستلهم من هذا النموذج المتكامل لتحقيق قفزة نوعية في مواجهة التحديات البيئية المشتركة، وتحويل الخطط الطموحة إلى واقع ملموس يحفظ كوكبنا للأجيال القادمة؟






