الإمارات العربية المتحدة: منارة العمل الإنساني العالمي في عام 2025
شكل عام 2025 نقطة تحول بارزة في مسيرة دولة الإمارات العربية المتحدة كقوة عالمية رائدة في مجال العمل الإنساني والتنموي. فلم تقتصر جهودها على مجرد الاستجابة للأزمات الطارئة، بل تعدتها إلى بناء منظومات شاملة ومستدامة تهدف إلى تعزيز جودة الحياة وتمكين المجتمعات الأكثر ضعفًا واحتياجًا حول العالم. هذه الرؤية الاستباقية، المتجذرة في قيم العطاء والتضامن التي يتبناها المجتمع الإماراتي، وضعت الدولة في صدارة المانحين الدوليين، مؤكدةً دورها المحوري في صياغة مستقبل إنساني أكثر عدلاً وازدهارًا.
لطالما عُرفت الإمارات بالتزامها الراسخ تجاه القضايا الإنسانية، وهو ما تجلى بوضوح في عام 2025 عندما صنفتها منظمة الأمم المتحدة، عبر نظام التتبع المالي لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، كثالث أكبر مانح للمساعدات الإنسانية عالميًا، بتبرعات بلغت 1.46 مليار دولار أمريكي. لم يكن هذا الإنجاز مجرد رقم، بل كان انعكاسًا لمبادرات نوعية استهدفت التخفيف من المعاناة الإنسانية ودعم مسارات التنمية في مناطق متفرقة من العالم، مما رسخ مكانة الإمارات كشريك أساسي في مواجهة التحديات العالمية.
استجابات إنسانية عاجلة ومبادرات تنموية مستدامة
في عام 2025، امتدت أيادي العطاء الإماراتية لتشمل العديد من البؤر الساخنة والبلدان التي تعاني من تحديات إنسانية وتنموية، مقدمةً نماذج يحتذى بها في سرعة الاستجابة وعمق التأثير.
دعم قطاع غزة: استجابة إنسانية غير مسبوقة
في سياق الأزمة الإنسانية التي شهدها قطاع غزة، قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة واحدة من أضخم الاستجابات الإنسانية منذ اندلاع الأزمة وحتى مطلع ديسمبر 2025. فقد تجاوزت قيمة المساعدات الإماراتية 9.4 مليار درهم إماراتي، شملت أكثر من 100 ألف طن من الإمدادات الضرورية ومليوني جالون من المياه النقية.
لم تقتصر الجهود على الإمدادات، بل امتدت لتشمل الجانب الطبي الحيوي، حيث جرى إجلاء 3000 مريض ومرافق لتلقي العلاج في دولة الإمارات. علاوة على ذلك، استقبل المستشفى الإماراتي الميداني في غزة ما يقارب 54 ألف حالة، بينما قدم المستشفى العائم في العريش خدماته لأكثر من 21 ألف حالة، مما خفف العبء الهائل على المنظومة الصحية المنهكة في القطاع.
تخفيف معاناة الشعب السوداني: مساعدات متواصلة
واصلت الإمارات دعمها المتواصل للشعب السوداني في عام 2025، لتتجاوز قيمة مساعداتها منذ اندلاع الأزمة في عام 2023 نحو 784 مليون دولار. ومن هذا المبلغ، خصصت الإمارات 15 مليون دولار للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، في إطار جهودها الإنسانية الرامية إلى التخفيف من تداعيات النزاع هناك. وتؤكد هذه الأرقام مكانة الإمارات كـثاني أكبر مانح للسودان، حيث تخطت قيمة المساعدات التي قدمتها بين عامي 2015 و2025 حاجز الـ 4.24 مليار دولار، ما يعكس التزامًا طويل الأمد تجاه دعم استقرار السودان وشعبه.
تعزيز الحضور في اليمن: إغاثة وتنمية شاملة
عززت دولة الإمارات حضورها الإنساني والتنموي في اليمن خلال عام 2025. وقد نفذت هيئة الهلال الأحمر مشروع توزيع وجبات إفطار الصائم في المكلا خلال شهر رمضان الماضي. وفي سقطرى، أطلقت مؤسسة خليفة بن زايد للأعمال الإنسانية مبادرة نوعية بالشراكة مع منظمة الصحة العالمية لمكافحة سوء تغذية الأطفال والنساء، وهو تحدٍ صحي كبير في المنطقة.
بالإضافة إلى ذلك، قدمت الإمارات مساعدات عاجلة لـ 960 أسرة تضررت من السيول في الساحل الغربي، وواصلت توزيع السلال الغذائية الأساسية. وفي إطار دعم التعليم، افتتحت مدرسة جديدة في حضرموت، وأطلقت مشروع “الحقيبة المدرسية” في تعز والحديدة، لضمان استمرارية العملية التعليمية.
في خطوة تعكس التزام الدولة بدعم التنمية المستدامة، خصصت الإمارات مليار دولار لدعم قطاع الطاقة في اليمن. وقد شهد قطاع الطاقة المتجددة نقلة نوعية بفضل المشاريع التي نفذتها الشركات الإماراتية، ومنها محطتا عدن وشبوة اللتان تساهمان في تزويد أكثر من مليون منزل بالكهرباء النظيفة، مما يدعم استقرار الحياة اليومية ويسهم في النمو الاقتصادي على المدى الطويل.
مبادرات دبلوماسية وإنسانية في أوكرانيا
استمرت الإمارات في دعم المبادرات الإنسانية في أوكرانيا خلال عام 2025. وقد أثمرت وساطاتها الدبلوماسية عن تبادل 4641 أسيرًا بين الجانبين الروسي والأوكراني منذ اندلاع الأزمة بينهما، مما يعكس دورها في تخفيف التوترات والمساهمة في بناء جسور التواصل.
وعلى صعيد المساعدات الإنمائية، وقعت وكالة الإمارات للمساعدات الدولية اتفاقية بقيمة 4.5 مليون دولار مع مؤسسة أولينا زيلينسكا. تهدف هذه الاتفاقية إلى تطوير مراكز رعاية الأيتام والأسر الحاضنة في أوكرانيا، استكمالًا لمرحلة أولى شملت إنشاء مراكز مجهزة بالكامل، مما يؤكد التزام الإمارات بدعم الفئات الأكثر ضعفًا في أوقات النزاع.
انتشار عالمي للعطاء: من إغاثة الكوارث إلى دعم التعليم والصحة
شمل الحضور الإنساني لدولة الإمارات العربية المتحدة في عام 2025 العديد من الدول التي واجهت كوارث طبيعية وأزمات صحية، مما أظهر مرونة وسرعة في الاستجابة للاحتياجات الملحة.
دعم المتضررين من الكوارث الطبيعية
في الصومال، أرسلت الإمارات 700 طن من الإمدادات الغذائية لدعم عشرات الآلاف من المتضررين جراء الفيضانات. وفي تشاد، بلغ حجم المساعدات التي قدمتها أكثر من 1000 طن لدعم 150 ألف متضرر من الفيضانات. كما نفذت الإمارات حملات مساعدات شتوية في ألبانيا وبنغلاديش، موفرة الدفء والمأوى للمحتاجين في ظل الظروف القاسية.
تغطية شاملة للمساعدات الإنسانية
قدمت الإمارات دعمًا واسعًا لميانمار والفلبين وأفغانستان وسريلانكا عبر فرق الإغاثة المتخصصة. واختتمت العام بإعلان تعهد بقيمة 10 ملايين دولار لدعم المتضررين في شرق الكونغو الديمقراطية والدول المجاورة، مؤكدةً على منهجها الشامل في التعامل مع الأزمات الإنسانية عبر مختلف القارات.
تعهدات دولية لدعم خطط الاستجابة الإنسانية
وفي تأكيد على دورها القيادي، أعلنت الإمارات عن تعهد جديد بقيمة 550 مليون دولار لدعم خطة الاستجابة الإنسانية الشاملة التي أطلقتها الأمم المتحدة. تهدف هذه الخطة إلى جمع 33 مليار دولار في عام 2026 لتقديم الإغاثة لما يقارب 135 مليون شخص في 23 عملية إنسانية حول العالم، مما يبرز الثقة الدولية في الشراكة مع الإمارات.
بناء المستقبل: مشاريع صحية وتعليمية لتمكين المجتمعات
لم يقتصر العطاء الإماراتي على الإغاثة الطارئة، بل امتد إلى مشاريع استراتيجية تهدف إلى بناء قدرات المجتمعات وتمكين أفرادها على المدى الطويل، في مجالات الصحة والتعليم.
توسيع البنية التحتية الصحية
انسجامًا مع رسالتها الحضارية، وقعت الإمارات اتفاقية لبناء مستشفى إماراتي متكامل لطب العيون في عنتيبي بأوغندا بقيمة 20 مليون دولار، مما سيوفر خدمات طبية حيوية للملايين. وفي القدس الشرقية، خصصت الدولة منحة بقيمة 64.5 مليون دولار لدعم مستشفى المقاصد، أحد أهم المراكز الطبية الفلسطينية، لضمان استمرارية خدماته الحيوية.
كما وقعت الإمارات اتفاقية لبناء مستشفى الشيخة فاطمة بنت مبارك ومركز لغسيل الكلى في تشاد على مساحة تتجاوز 11 ألف متر مربع، وذلك لتوفير منظومة علاجية متقدمة في قلب أفريقيا، مما يعكس التزامها بتحسين الرعاية الصحية في المناطق المحرومة.
دعم اللاجئين وتمكين الشباب
أكدت مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية التزامها بدعم اللاجئين، عبر مساهمة جديدة بقيمة 36.7 مليون درهم للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين. وبهذا، وصل إجمالي تعهداتها منذ عام 2021 إلى 163.6 مليون درهم، مما يسهم في توفير الحماية والاحتياجات الأساسية للملايين من اللاجئين حول العالم.
وتابعت الإمارات جهودها في تمكين الشباب عبر التعليم الرقمي، إذ دشنت “المدرسة الرقمية” بالتعاون مع مشروع “عطايا”. كما أطلقت مبادرة “أكاديميات المهارات” لتأهيل 5 ملايين شاب وشابة في أفريقيا، بمهارات مهنية تتوافق مع احتياجات سوق العمل، مما يفتح آفاقًا جديدة للتوظيف والتنمية الذاتية.
مبادرات إنسانية مبتكرة: أوقاف وحملات مجتمعية
تميز عام 2025 بإطلاق مبادرات إنسانية نوعية تعكس روح الابتكار في العمل الخيري. من أبرزها حملة “وقف الأب” التي تهدف لإنشاء صندوق وقفي يخصص ريعه لتوفير العلاج والرعاية الصحية للفقراء والمحتاجين وغير القادرين. كما أطلق بنك الإمارات للطعام بالشراكة مع مبادرة “نعمة” لتوفير مليون وجبة من فائض الطعام خلال رمضان، مما يعزز الاستدامة الغذائية.
وحققت حملة “وقف الحياة” التي تستهدف دعم المصابين بالأمراض المزمنة إنجازات كبيرة، حيث نجحت في جمع 509 ملايين درهم خلال أسبوعين فقط من إطلاقها، مما يدل على استجابة مجتمعية هائلة وثقة في هذه المبادرات.
مشروع “حي محمد بن راشد الوقفي”: نموذج عالمي للعطاء المستدام
شكل إطلاق مشروع “حي محمد بن راشد الوقفي” علامة فارقة في جهود دولة الإمارات الإنسانية. يُعد هذا المشروع أول حي وقفي متكامل في المنطقة، ويمتد على مساحة مليوني قدم مربعة، باستثمارات تقدر بـ 4.7 مليار درهم. ستخصص عوائد المشروع لدعم قطاعي التعليم والصحة عالميًا، مما يجسد رؤية طويلة الأمد في بناء أصول مستدامة تخدم الأجيال القادمة وتترك بصمة إيجابية عالميًا.
وأخيرا وليس آخراً
لقد رسخت دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 2025 مكانتها كشريك عالمي لا غنى عنه في ميادين العمل الإنساني والتنموي، مقدمةً نماذج يحتذى بها في العطاء بلا حدود. من الاستجابات الطارئة في غزة والسودان، إلى المشاريع التنموية المستدامة في اليمن وأوغندا، مروراً بالمبادرات المبتكرة لتمكين الشباب ودعم الأوقاف، أثبتت الإمارات أن العمل الإنساني ليس مجرد فعل خير، بل هو استثمار في كرامة الإنسان ومستقبل البشرية جمعاء. فهل ستستمر هذه الرؤية الشاملة في إعادة تشكيل مفهوم المساعدات الإنسانية، وتلهم المزيد من الدول لتبني مقاربات أكثر استدامة وتأثيرًا في السنوات القادمة؟










