استراتيجية الأمن القومي الأمريكي ومستقبل الشرق الأوسط: تحولات جذرية ومآلات محتملة
تُعد وثائق استراتيجية الأمن القومي الأمريكي بمثابة البوصلة التي تهتدي بها واشنطن في رسم مسارات سياستها الخارجية وتحديد موقعها ورؤيتها للعالم. منذ أن بدأ تقديم أول تقرير منها للكونغرس عام 1987، إبان عهد الرئيس الأسبق رونالد ريغان، تطورت هذه الممارسة من مجرد عرض فني لمسائل الدفاع إلى إعلان سياسي استراتيجي شامل. مع نهاية الحرب الباردة في عام 1991، باتت هذه الوثائق تُفصّل رؤية الرئيس الأمريكي للعالم، وتُحدد المخاطر التي تهدد الأمن القومي الأمريكي، وترسم الأولويات، مُوجهةً رسائل واضحة للحلفاء والخصوم على حد سواء بشأن مواقف واشنطن تجاه القضايا الدولية. هذا التحول يعكس سعي الولايات المتحدة المستمر لإعادة تعريف دورها العالمي في ظل بيئة دولية متغيرة ومعقدة.
في سياق هذه التطورات، أعلن البيت الأبيض، في الرابع من ديسمبر من العام 2025، عن وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة. هذه الوثيقة لم تكتفِ برسم المبادئ والأهداف التي تسعى الولايات المتحدة لتحقيقها، بل وضعت آليات تنفيذها عبر توظيف الأدوات العسكرية، الاقتصادية، الدبلوماسية، والقوة الناعمة. وقد حددت الوثيقة التوجهات الأمريكية في مناطق العالم، وجاء ترتيب ورودها كالتالي: الأمريكتان، آسيا، أوروبا، ثم الشرق الأوسط، وإفريقيا. يهدف هذا التحليل إلى استكشاف مكانة منطقة الشرق الأوسط ضمن هذه الاستراتيجية الشاملة، مع التركيز على السياسة الأمريكية المتوقعة تجاه المنطقة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، وما تحمله هذه السياسة من انعكاسات على المشهد الإقليمي والدولي.
جوهر استراتيجية الأمن القومي الأمريكي: خمسة مبادئ أساسية
لفهم الرؤية الأمريكية نحو منطقة الشرق الأوسط، من الضروري إدراك الأطر العامة والمبادئ التي تحكم الأمن القومي الأمريكي. يمكن تلخيص هذه المبادئ، كما وردت في الاستراتيجية الجديدة، في خمس نقاط رئيسية تعكس تحولاً جذريًا في الفكر الاستراتيجي لواشنطن وتبنيها لنهج مختلف عن سابقاتها.
1. أولوية المصالح الوطنية الأمريكية: “أمريكا أولاً”
تُؤكد الاستراتيجية الجديدة على وضع المصالح الوطنية الأمريكية في المقام الأول، معتبرةً أن أي مساس بها يُمثل تهديدًا مباشرًا لأمن البلاد. تتجلى هذه الأولوية في جعل السياسة الخارجية خادمةً للسياسات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، ومُجسِّدةً لمبدأ “أمريكا أولاً” ضمن إطار الواقعية المرنة. هذا النهج يجمع بين حماية السيادة الأمريكية والتكيف مع التهديدات المتغيرة، انطلاقًا من منظور قومي بحت يختلف جذريًا عن مفاهيم العولمة التي سادت لعقود. لقد بات مفهوم العولمة، الذي وصفته الاستراتيجية بأنه مفهوم أجوف صُمِّم لخدمة الشركات الكبرى متعددة الجنسيات، أمرًا متجاوزًا لصالح الأمم والدول القومية.
2. احترام سيادة الدول ورفض التدخل في شؤونها الداخلية
تُبرز الاستراتيجية الجديدة أهمية احترام استقلال الدول وحقها الأصيل في اختيار نظم الحكم التي تتناسب مع تاريخها، تقاليدها، وثقافتها. يُترجم هذا المبدأ إلى ضرورة الالتزام بعدم التدخل لنشر مبادئ الليبرالية والديمقراطية في الدول الأخرى. يُمثل هذا التوجه قطيعة واضحة مع سياسات إدارات أمريكية سابقة سعت بنشاط لفرض هذه القيم على دول العالم، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط. هذا التحول يعكس اعترافًا ضمنيًا بفشل بعض تلك السياسات وتداعياتها غير المرغوبة التي أدت إلى عدم استقرار في العديد من المناطق.
3. إعادة تشكيل التحالفات الدولية: من القيادة الليبرالية إلى المصالح الواقعية
تُشير الاستراتيجية إلى إعادة ترتيب للعلاقات والتحالفات الدولية، وتحول في الدور الأمريكي من قيادة نظام دولي ليبرالي متعدد الأطراف إلى بناء تحالفات قائمة على المصالح الأمريكية الواقعية. ينصب التركيز بشكل أكبر على العلاقات الثنائية، مع توقعات متزايدة من الشركاء في أوروبا وآسيا بتحمل مسؤوليات دفاعية أكبر. هذا المنهج يعكس رغبة واشنطن في تخفيف الأعباء عن كاهلها وإعادة توزيعها، في سياق يضع المصلحة الوطنية المباشرة في صميم أي شراكة أو تحالف، مما قد يُفضي إلى نظام دولي أكثر تعددية وذو مصالح متقاطعة بشكل مختلف.
4. ربط الأمن القومي بالأمن الاقتصادي والتكنولوجي
تُقدم الاستراتيجية رؤية متكاملة تربط الأمن القومي ارتباطًا وثيقًا بالأمن الاقتصادي والتكنولوجي. يتحقق ذلك من خلال ضمان الهيمنة في مجال الطاقة، وحماية سلاسل التوريد الحيوية، وتقليل الاعتماد على الخصوم في الحصول على التقنيات الحساسة. يعكس هذا التركيز إدراكًا متزايدًا لتداخل القوة الاقتصادية والتكنولوجية مع القدرة على حماية المصالح الوطنية، خاصة في عصر تتسارع فيه وتيرة الابتكار التقني وتتزايد فيه التحديات الاقتصادية العالمية مثل الهجمات السيبرانية والتنافس على الموارد الحيوية.
5. السلام من خلال القوة: تعزيز القدرات الأمريكية
تُشدد الاستراتيجية على مبدأ السلام من خلال القوة، بمعنى تعزيز القوة الأمريكية الشاملة كوسيلة لتحقيق السلام وضمان استمراره. يشمل ذلك مختلف عناصر القوة، سواء العسكرية والاقتصادية أو التكنولوجية، بهدف ردع التهديدات وحماية الاستقرار. هذه الرؤية تؤكد أن التفوق الأمريكي في جميع هذه المجالات هو الضامن الأفضل للأمن والازدهار، وأن القوة هي الأداة الأساسية لفرض الإرادة وتحقيق الأهداف الاستراتيجية. إنها تعيد التأكيد على مبدأ قديم في السياسة الخارجية الأمريكية، ولكنه يُعاد تقديمه بصبغة أكثر شمولية تتجاوز القوة العسكرية.
بعيدًا عن الخطاب الدبلوماسي التقليدي، تترك قراءة هذه الاستراتيجية انطباعًا واضحًا بأن هدفها الأسمى هو الحفاظ على دور القيادة الأمريكية للعالم، من خلال ضمان بقاء الولايات المتحدة الدولة الأكثر ثراءً، والأسبق تكنولوجيًا، والأقوى عسكريًا. لقد وصفت المجد الإماراتية هذه الاستراتيجية بأنها خارطة طريق لضمان بقاء الولايات المتحدة أعظم وأنجح دولة في التاريخ البشري، في تحليل يعكس عمق التغييرات في الفكر الاستراتيجي لواشنطن.
تراجع مكانة الشرق الأوسط في الأجندة الأمريكية
لطالما كانت منطقة الشرق الأوسط محورًا لاهتمام السياسة الخارجية الأمريكية، نظرًا لمصالحها الحيوية المتعلقة بالطاقة والأمن الإقليمي. إلا أن استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة انتقدت سابقاتها لاهتمامها المبالغ فيه بكل القضايا والصراعات في مختلف أنحاء العالم، واصفةً ذلك بأنه غير واقعي. وأكدت على أهمية تحديد الأولويات، موضحة أن الهدف الأساسي للسياسة الخارجية هو حماية المصالح الحيوية أو الجوهرية للدولة، وليس إدارة كل قضايا العالم.
في الجزء المخصص لمنطقة الشرق الأوسط، والذي جاء تحت عنوان “نقل الأعباء وبناء السلام”، أشارت الاستراتيجية إلى تراجع ملحوظ في أولوية الشرق الأوسط ضمن المنظور الأمريكي. وقد أكدت الوثيقة أن الهيمنة اليومية للمنطقة على جدول أعمال السياسة الأمريكية انتهت إلى غير رجعة، حيث لم تعد المنطقة تحتل الأهمية ذاتها التي كانت لها في الفترات الماضية. هذا التغير يُعزى إلى تبدل الظروف الجيوسياسية والاقتصادية، فلم يعد الشرق الأوسط يُنظر إليه كمصدر لتهديد مباشر للأمن القومي الأمريكي بقدر ما أصبح ساحة للشراكات التجارية والاستثمارية بين الولايات المتحدة ودول المنطقة.
أسباب تراجع الأهمية الاستراتيجية للمنطقة
ترى الاستراتيجية أن الأسباب التاريخية التي دفعت واشنطن إلى التركيز الشديد على منطقة الشرق الأوسط لم تعد قائمة. فعلى سبيل المثال، لم يعد الاعتماد الأمريكي على نفط المنطقة كما كان عليه في السابق، بفضل الاكتفاء الذاتي المتزايد للولايات المتحدة من مصادر الطاقة. كما أن المنطقة لم تعد مسرحًا للتنافس الرئيسي بين القوى العظمى بالحد الذي كان سائدًا خلال الحرب الباردة، ولم تعد تُعتبر مجالًا لصراعات تهدد بالاتساع عالميًا حتى تصل إلى الأراضي الأمريكية. في المقابل، ازدادت فرص التعاون والشراكة التجارية والتكنولوجية، والتي تشمل مجالات واعدة كالاستثمار في الطاقة النووية، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات الدفاع، وتأمين سلاسل الإمداد العالمية، وغيرها من القطاعات الحيوية التي تخدم المصالح الأمريكية المباشرة.
وحسب ما ورد في الوثيقة، فإن هذا التراجع في الاهتمام بالشرق الأوسط دعم تحول الاهتمامات الأمريكية نحو قضايا أخرى ذات أولوية أعلى. أبرز هذه القضايا تتجلى في المنافسة الشديدة مع الصين في منطقة الإندوباسيفيك، ومكافحة الكارتلات وعصابات التهريب والمخدرات في منطقة الأمريكتين، والتي أعطتها الوثيقة أولوية متقدمة حتى قبل أوروبا، مما يعكس تحولاً جذرياً في تحديد التهديدات الرئيسية.
قبول الواقع السياسي الإقليمي وتوسيع الشراكات
تؤكد الاستراتيجية الجديدة على القبول الأمريكي بالأوضاع السياسية الراهنة لدول المنطقة. وقد أشارت صراحة إلى تخلي الولايات المتحدة عن المحاولات الفاشلة لتغيير النظم السياسية من الخارج، معتبرة أن مفتاح العلاقة الناجحة يكمن في قبول المنطقة وقادتها وشعوبها كما هي، مع التركيز على المصالح المشتركة بدلاً من فرض نماذج معينة.
في المقابل، أشارت الاستراتيجية إلى العمل مع هذه الدول على تنمية المصالح المشتركة في مجالات التجارة والاستثمار. كما لفتت إلى التزام واشنطن بضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، وهو ما يُعد جزءًا أساسيًا من استقرار سلاسل الإمداد العالمية وحركة التجارة الدولية. وتضمنت الأولويات أيضًا ألا تكون المنطقة حاضنة أو مصدرًا للإرهاب ضد المصالح أو الأراضي الأمريكية، بالإضافة إلى حماية أمن إسرائيل وتوسيع الاتفاقات الإبراهيمية لتشمل دولًا عربية وإسلامية أخرى. وفي الوقت نفسه، أوضحت الوثيقة الالتزام الأمريكي بالعمل لمنع أي قوة أخرى من السيطرة على المنطقة، ولكن دون التورط في عمليات عسكرية طويلة أو مكلفة، مما يعكس نهجًا حذرًا وتجنبًا للتدخلات المباشرة المكلفة.
قوة أمريكية مستمرة وتحديات إقليمية متراجعة
طبقًا لـاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي المعلنة في 2025، ما زالت الولايات المتحدة تتمتع بالمكانة الأقوى في المنطقة، مدعومةً بنجاح الرئيس ترامب في إعادة إحياء التحالفات في الخليج ومع شركاء عرب آخرين ومع إسرائيل. وعلى الرغم من وجود الصراعات في المنطقة، وكونها سمة غالبة فيها، إلا أنها أصبحت أقل خطورة بكثير مما تعكسه عناوين الصحف، وذلك بفضل الجهود الدبلوماسية والعسكرية التي قامت بها الإدارة الأمريكية.
لقد جرى تقييم الوضع في إيران، القوة الأكثر قدرة على زعزعة الأمن الإقليمي، بأنها تم إضعافها بشكل كبير بسبب العمليات العسكرية ضدها عام 2025. أما بالنسبة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فقد وصفته الاستراتيجية بأنه ما زال ملفًا معقدًا؛ لكنها أشارت إلى إحراز تقدم نحو سلام أكثر استدامة بفضل وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن الذي تفاوض عليه الرئيس ترامب. أما سوريا، فقد كان تقييم الاستراتيجية أنها مشكلة محتملة؛ لكنها قد تستقر وتستعيد مكانتها الطبيعية كفاعل إيجابي وأساسي في المنطقة، بدعم أمريكي وعربي وإسرائيلي وتركي. كما أشارت الوثيقة إلى تزايد تعاون دول المنطقة في مجال مكافحة التطرف بتشجيع من واشنطن، مما يعكس رغبة أمريكية في تفعيل الشراكات الإقليمية لمواجهة التحديات الأمنية المشتركة.
تداعيات الاستراتيجية الأمريكية على الشرق الأوسط
ما يمكن استخلاصه من استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة هو أن الولايات المتحدة تولي الأولوية القصوى للعلاقات التجارية والاستثمارية في تفاعلاتها مع دول المنطقة. ورغم حرصها على حل النزاعات الإقليمية، إلا أنها ليست مستعدة للتدخل العسكري المباشر، مما يؤدي إلى إعطاء الأولوية للعمل السياسي والدبلوماسي، وربما الاعتماد على الشركاء الإقليميين لتحمل مسؤوليات أكبر.
تتبلور معالم النظرة الأمريكية إلى منطقة الشرق الأوسط بوصفها منطقة مهمة، ولكنها لم تعد مصدر إزعاج دائم وكارثة محتملة. ويعزى ذلك، حسب الاستراتيجية، إلى نجاح الدبلوماسية الأمريكية في ظل إدارة ترامب الثانية في إضعاف الخصوم وتخفيض التهديدات النابعة من المنطقة لمصالحها. نتيجة لذلك، لم يعد للشرق الأوسط الأولوية السابقة في مركز الاهتمام الأمريكي الاستراتيجي، بل تحول التركيز إلى المنافسة الكبرى مع الصين في منطقة الإندوباسيفيك، وكذلك على التهديدات الأقرب جغرافيًا في نصف الكرة الغربي، مثل الهجرة غير الشرعية وتهريب المخدرات. وقد دعت الاستراتيجية إلى سياسة نشطة في هذا الصدد، شبهتها بمبدأ الرئيس الأسبق، جيمس مونرو، الذي تولى الحكم خلال الفترة (1817-1825)، والذي يُعرف بالتركيز على المصالح الإقليمية.
وفقًا لنص الاستراتيجية، فقد انتهت الحقبة التي هيمن فيها الشرق الأوسط على السياسة الخارجية الأمريكية، سواء في التخطيط طويل الأمد أو في التنفيذ اليومي. فالشرق الأوسط، كما تراه الاستراتيجية، ليس ساحة صراع تتطلب تدخلًا دائمًا؛ بل هو فرصة للشراكة والاستثمار. وتتطلع الاستراتيجية إلى أن تكون بعض دول الشرق الأوسط مصدرًا للاستثمار في الولايات المتحدة في مجالات حيوية مثل الذكاء الاصطناعي والتقنيات العسكرية المتقدمة، مما يعكس نظرة براغماتية تركز على المنافع المتبادلة والتعاون الاقتصادي والتكنولوجي.
تحديات واقعية قد تعترض الرؤية الأمريكية
على الرغم من أن الصورة التي رسمتها الاستراتيجية قد تبدو منطقية ومتناسقة، إلا أن تطورات الأمور في الواقع، بتشابكاتها وتعقيداتها، قد تجعل هذه الصورة غير ممكنة التحقق بشكل كامل. فإيران لم تعلن قبولها للتصورات والترتيبات الأمريكية في المنطقة، وما زال موقفها يشكل تحديًا دائمًا، وقد تسعى لتعزيز نفوذها بطرق تتصادم مع الأهداف الأمريكية.
كما أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ما زال أمامه طريق طويل قبل الاطمئنان إلى استدامة وقف إطلاق النار الهش الذي يُنتَهك بشكل دوري، وتنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب في غزة. وما لم يتم القبول بحق تقرير المصير للفلسطينيين، فإن الحديث عن استقرار مستدام في المنطقة قد يكون سابقًا لأوانه. علاوة على ذلك، لا تزال الصراعات والأزمات في دول أخرى مثل ليبيا والسودان واليمن تمثل مصادر دائمة لعدم الاستقرار، وتتطلب اهتمامًا أكبر مما قد تُشير إليه الاستراتيجية الجديدة، مما قد يفرض على واشنطن تدخلاً أكبر مما تتوقع.
وهناك أيضًا ما يُمكن ملاحظته من صمت أمريكي عن الانتهاكات العسكرية الإسرائيلية لاتفاق منع الأعمال العدائية في لبنان، والخروقات اليومية لسيادة سوريا باقتحام أراضيها وإقامة حواجز مرور فيها وتفتيش المنازل والتحقيق مع السوريين واعتقال بعضهم والعودة بهم إلى داخل إسرائيل. هذه الممارسات تشكل تحديًا لمفهوم الاستقرار الذي تسعى الاستراتيجية لترسيخه، وتضعف مصداقية النهج الأمريكي.
وثمة عامل آخر، وهو أن قرارات الرئيس ترامب، لا سيما تركيزه على العلاقات الثنائية مع دول المنطقة والتي تُعطي الأولوية للصفقات الآنية، قد يكون من شأنها عدم استقرار التحالفات طويلة الأجل، وربما تحقيق عكس ما تهدف إليه الاستراتيجية على المدى الطويل، من خلال إضعاف الإطار متعدد الأطراف الذي قد يوفر استقرارًا أكبر ويسهم في بناء توافقات إقليمية أوسع.
و أخيرًا وليس آخرا: تأملات في مستقبل الشرق الأوسط
في ختام المطاف، تُعد استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة التي أعلنت في 2025 بمثابة وثيقة مفصلية تعكس تحولًا عميقًا في رؤية واشنطن للعالم ولمكانة منطقة الشرق الأوسط فيه. لقد رسخت الوثيقة مبدأ “أمريكا أولاً” عبر التركيز على المصالح الوطنية المباشرة، وأعادت تشكيل مفهوم التحالفات نحو نموذج ثنائي براغماتي، مع ربط الأمن القومي بالأبعاد الاقتصادية والتكنولوجية، والسعي لتحقيق السلام من خلال استعراض القوة. وقد تميزت هذه الاستراتيجية بتراجع واضح في أولوية الشرق الأوسط على الأجندة الأمريكية، معتبرة إياه منطقة شراكة استثمارية وتجارية لا ساحة صراع أو عبء عسكري.
ومع أن الصورة التي رسمتها الاستراتيجية تبدو متماسكة نظريًا، فإن تعقيدات الواقع الإقليمي تفرض تحديات جمة. فإيران لم تزل لاعباً إقليمياً مؤثراً، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي ما زال يئن تحت وطأة هشاشة التهدئة، وتتصاعد التساؤلات حول مدى استدامة هذه الرؤية في ظل الانتهاكات المستمرة والصراعات المتجذرة في دول مثل ليبيا وسوريا واليمن. فهل يمكن لواشنطن، من خلال هذه الاستراتيجية الجديدة، أن تُوازن بنجاح بين سعيها لتعظيم مصالحها الوطنية وتقليص أعبائها، وبين ضرورة التعامل مع واقع الشرق الأوسط المعقد دون أن تُفقد المنطقة توازنها الهش، وهل ستسمح للدول العربية بتنويع تحالفاتها مع قوى عالمية أخرى دون المساس بمصالحها؟ إن الإجابة على هذا التساؤل ستشكل ملامح المستقبل القريب للمنطقة والعلاقات الدولية.










