حاله  الطقس  اليةم 10.6
مرتفعات وودلاند,الولايات المتحدة الأمريكية

إحياء دور الحسبة في العصر الحديث: نحو مجتمع أكثر عدالة

admin
أعجبني
(0)
مشاهدة لاحقا
شارك
إحياء دور الحسبة في العصر الحديث: نحو مجتمع أكثر عدالة

الحسبة في الحضارة الإسلامية: حماية الحقوق وتنظيم العمران

مقال يعرض لمحة تاريخية وتحليلية حول نظام الحسبة في الحضارة الإسلامية، وكيف كان هذا النظام يهدف إلى حفظ الحقوق وتنظيم الحياة العامة. يتم استعراض أصوله الشرعية، وتطبيقاته المتنوعة في مختلف المجالات، مع التركيز على دوره في حماية المستهلك، وضبط الأسواق، وضمان الجودة، ومنع الغش والاحتكار.

الحسبة: رؤية تاريخية وتحليلية

النص التالي، الذي يعود إلى القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، كتبه قاضٍ شهير في الأندلس. يدعو هذا النص إلى حماية حقوق الملكية الفكرية للمؤلفين، وضمان عدم انتشار المعرفة الزائفة في الحضارة الإسلامية.

هذا النص يستشرف ما سيحدث في الحضارة الغربية مستقبلًا. الحضارة الغربية لم تعرف الأنظمة التي تحكم العمران والصناعات والتجارة إلا في عصور متأخرة. هذه الأنظمة كانت موجودة في حضارة الإسلام منذ فجرها، وتُعرف بـ “ولاية الحسبة”. هذا أدى إلى نهب غير مسبوق لتراث المسلمين وخبراتهم العلمية وأدواتهم الصناعية والفنية، وانتحالها من لصوص المعرفة في أوروبا قبل القرن الثامن عشر الميلادي، وذلك بشهادة مؤرخين غربيين.

النص يشير أيضًا إلى أن الحسبة لم تكن مجرد أداة لنشر الرعب والفظاظة في المجتمع، ولم تكن وظيفتها التجسس على العورات والتحسس على السرائر أو اقتحام الخصوصيات. هذه قراءات مُختزِلة لم تتعمق في التاريخ التطبيقي للحسبة ولم تقدّرها حق قدرها. الحسبة لم توضع في إطارها النظري والتاريخي الصحيح، ولم يُوزن دورها الحضاري بما يكافئ ثمارها العظيمة في ازدهار عمران المدن الإسلامية وتنظيم وضبط مصالح المجتمعات التي عاشت في كنف الحضارة الإسلامية طوال 12 قرنًا.

إن تعهد حقوق الملكية الفكرية وبراءة الاختراعات العلمية بالرقابة والضبط هو تجسيد أمثل للمقاصد الشرعية والقيم الإنسانية العليا التي قامت عليها فكرة منظومة الحسبة. في ظلالها الإيمانية والعمرانية توازت مسارات الحضارة متجاورة متآزرة، وسرت في أوصالها تيارات الجودة والكفاءة والعدالة التي نألفها اليوم في كثير من مراكز المدنية الحديثة. هذا يبدأ من الحقوق الإنسانية وتأمينها وتحصينها، مرورًا بالأسواق والأسعار وتقنينها، والمهن والآداب المؤسسية وتدوينها، وانتهاء بالمرافق العمرانية من أبنية وشوارع وهندستها وتنظيمها.

الحسبة بين الولاية والمهنة

على الرغم من أن الحسبة ولاية، إلا أنها أيضًا مهنة. ولعل أجمع ما قيل عنها في كتب التراث أنها علم يبحث في أسباب التمدن. هذا التعريف مفهوم صدوره من كاتب دوّنه قبل أربعة قرون، لأن الحسبة في عصره وصلت مستوى من التطبيق والتدوين جعلها مهيَّأة لتكون علمًا يتصل بـ خمسين قطاعًا عامًّا دينيًا وخِدْمِيًا. هذا العلم يلمّ به متخصصون من أهل الاحتساب والتجويد والتحسين وضبط الجودة لمعايش الناس حتى تكون حياتهم كريمة. لا يكتفي صاحبها بأن يكون مجرد شخص ذي سلطة تمنحه الجاه والمكانة، بل يرى أن عليه قبل ذلك أن يكون صاحب علم وخبرة، حتى يكون حَكَما أمينا على تقييم أصحاب الصنائع وأرباب البضائع وضبط ذوي المناصب والمراتب.

ظلت الحسبة متصلة بـ المجال العام، تعمل في عمقه على ضمان تحضُّره وتطوُّره وتهيئته دائما ليكون وسيطا تلتقي فيه الجماعات الإنسانية بعدالة وأخوة، وتعمل عبره المؤسسات بكفاءة وقوة. الأجهزة الاحتسابية كانت تسهر لكفالة انفتاح المجال العام وتقوية مناعته وتحسين جودته، وتعبيد طريقه نحو النمو والألق الحضاري. كانت تعمل كذلك على ردْع ورقْع الخروق التي تعتريه بحكم الحيف أو التطفيف البشري، ليس فقط بالعقوبة والزجر -اللذين لم يكن منهما بُدٌّ في حالات كثيرة- ولكن كذلك بالتكوين وتحصين المعايير المهنية التي يجب ألا يسقط اعتبارها نظريا تحت أي مبرر حتى وإن لم تتوافر عمليا في جميع الأحيان.

مؤسسة الحسبة كانت تؤدي واجبها في الاتجاه العمودي القاصد إلى رقابة مؤسسات الدولة وولاياتها وأجهزتها، وكذلك في الاتجاه الأفقي الهادف إلى ضبط المؤسسات الاجتماعية وتنظيم حركة الناس. الدور الرقابي والضبطي في الاتجاهين لا تفطن إليه غالبية الكتابات في موضوعها، والحال أنه حاضر بقوة في الكتب التراثية التي تناولت الحسبة أحكاما ونظاما، ومتجسد في فتاوى الفقهاء حيث نصوا على أنه ينبغي للمحتسب أن يتردد إلى مجلس الولاة (= السلطة التنفيذية) ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر.

بل إن ولاة الحسبة شملت رقابتهم صيانة صناعة الفتوى الدينية من التسيب حفظا لها من أن يتسوَّر محرابَها غيرُ المؤهلين لها من أهل العلم الراسخين. أحد كبار الأئمة طالب بأن تكون الحسبة على المفتين من ضمن اختصاص المحتسبين حين تساءل بحق: يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب؟!

هذا المقال الضافي في رصده النظري والتاريخي لمؤسسة الحسبة يفتح بابا واسعا نُشرف منه على هذه تاريخ المنظومة الشرعية العمرانية، ويقدم إضاءة لعالمها عبر استعراض نماذج بالغة الدلالة من موجِّهاتها النظرية وجوانبها الحضارية وأهدافها الوظيفية في خدمة المجتمعات الإنسانية، ويسعى إلى تحريرها من القوالب والأنماط التحكمية القاصرة عن استيعاب مقاصدها تأسيسا وتسييرا. القراءة التاريخية المسيئة لهذه المؤسسة أغلقت الباب دون خبرة بشرية ثرية هي -في معظم مواريثها- خير ما يمكن استدعاؤه اليوم والبناء عليه لإصلاح واقعنا وإنجاح مستقبلنا.

نشأة الحسبة وتطورها

لم تكن هناك وظيفة عملية في الحضارة الإسلامية أوثق اتصالًا بالشارع من جهاز الحسبة. كما لم تظهر وظيفة تضاهيها في تشعب الأدوار الرسمية والمجتمعية. الحسبة وظيفة تتداخل مع الشؤون القضائية والعدلية من جهة، ومع النظر الفقهي الإفتائي من زاوية ثانية، ومع آليات الضبط الاجتماعي من جهة ثالثة. لذا، يمكن القول إنها كانت إحدى الروافع الضابطة لإيقاع حركة المجتمع في سلوكه الأخلاقي والتزامه التديني.

بهذا الاعتبار، يمكن توكيد التلازم بين ثنائية العُرف والشرع في ممارساتها وأفعالها. هذا ما يبرر التنوع في مجالاتها بين الفتوى الفقهية التشريعية، والإجراءات الضبطية القضائية، والأدوات التأديبية التنفيذية، والهيكلة الإدارية التنظيمية. نجد المحتسب فقيهًا يفتي ويشرّع اجتهادًا؛ وقاضيًا يمارس التحقيق الجنائي، ثم سلطة تصدر ما يمكن وصفه في أيامنا هذه بـالأمر التنفيذي، ثم رجل دولة يدير ويدبر جهازًا ضخمًا متشعب الصلاحيات.

المحتسِب يقوم بإنفاذ أنواع من العقوبات الشرعية ذات المقاصد الدينية والدنيوية. هذه العقوبات تهدف إلى صيانة سكينة المجتمع وحفظ النظام العام لقيمه وآدابه، وحماية المستهلك في كسبه المادي وتوفير مقومات الحياة الكريمة له في معاشه.

العهد النبوي وتأسيس الحسبة

العهد النبوي مهّد لترتيبات مراقبة الأسواق وتقاليد حماية المستهلك في الحضارة الإسلامية. المؤرخ نور الدين ابن برهان الدين الحلبي (ت 1044هـ/1634م) ذكر -في كتابه ‘إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون‘ المعروف بـ‘السيرة الحلبية‘- عن ولاية السوق في زمن النبي ﷺ، لافتًا إلى أن تلك الولاية هي الأصل في جهاز الحسبة. قال: وتصديق (= تمثيل) هذه الولاية الآن بالحسبة، ومتوليها بالمحتسب. و