الأصوات النابضة للقوز: جدارية تحكي قصة دبي الإبداعية
في قلب دبي، وتحديدًا في المنطقة الإبداعية المتجددة، يبرز جدار فني ضخم ينبض بالحياة، حافلًا بالألوان والحركة والمعاني العميقة. هذه الجدارية، التي تحمل اسم “الأصوات النابضة للقوز”، تغطي مساحة 500 متر مربع، وسرعان ما تحولت إلى معلم ثقافي بارز ومحط أنظار الجميع. الفنانة المصرية المقيمة في دبي، رباب طنطاوي، لطالما اشتهرت بقدرتها الفائقة على دمج عناصر التراث والمجتمع والتواصل في أعمالها الفنية. هذا العمل الفني العام، الذي جاء بتكليف من دبي للثقافة كجزء من مبادرة تهدف إلى تكريم فناني الجداريات المحليين، لا يقتصر على تجميل واجهة صناعية فحسب، بل يمنح صوتًا مميزًا للحي وساكنيه.
رُسمت الجدارية في ليالي يوليو الحارة، لتروي قصة منطقة القوز، وهي منطقة فريدة بتناقضاتها، حيث تتعايش المستودعات الفولاذية مع الاستوديوهات الملونة بالدهانات. تقول رباب: “القوز تحمل هويتين في آن واحد، هوية صناعية وأخرى إبداعية. أردت أن تكون الجدارية بمثابة جسر يربط بين هذين العالمين. طاقتها تعكس العمال والفنانين والشركات التي تجعل المنطقة تزدهر. والتكوين مستوحى من اللغة البصرية للسوق العربي—الحركة، التبادل، والحرفية.”
الفنانة دائمة التطور
تعود ذكريات رباب الأولى عن الفن إلى طفولتها في مصر، حيث كانت والدتها نادية تبدع في المنزل باستخدام أي مواد متاحة—قصاصات القماش، الدهانات القديمة، والأشياء التي تجدها. تتذكر رباب: “إبداع والدتي كان فطرياً. لم تنتظر المواد المثالية أو اللحظة المناسبة—لقد صنعت الفن لأنها كانت بحاجة إليه. تلك الحرية، وتلك الجرأة على الصنع بلا توقعات، بقيت معي.”
هذه الفلسفة لا تزال تشكل عملها اليوم: عمل خام، حدسي، وإنساني بعمق. ما بدأ كرسومات ولوحات صغيرة تطور إلى جداريات ومنشآت نحتية واسعة النطاق. بمرور الوقت، أصبحت أشكالي أكثر تجريداً ومعمارية، لكن الجوهر ظل كما هو—التواصل الإنساني.
قصة المجتمع
أثناء عمل رباب، تفاعل المجتمع معها بشكل ملحوظ. السائقون كانوا يبطئون لمشاهدتها، والعمال كانوا يعرضون عليها الشاي، والفنانون كانوا يتوقفون للدردشة. تتذكر قائلة: “الرسم طوال الليل على جدار ضخم كهذا كان مرهقاً ولكنه مجزٍ للغاية. الناس الذين توقفوا للتحدث جلبوا إحساساً بالدفء أبقاني مستمرة. وجودهم ذكرني بأن الفن العام يتعلق حقاً بالتواصل؛ حوار مستمر بين الجمهور والفنان.”
وهذا الحوار هو بالتحديد ما حوّل “الأصوات النابضة للقوز” من مجرد لوحة إلى معلم حي. تبتسم رباب قائلة: “أخبرني أحد العمال أن الجدارية جعلت طريقه يبدو نابضاً بالحياة. وقال آخر إنه ينزل الآن من الحافلة قبل محطة واحدة فقط ليمشي بجوارها. هذه الإيماءات الصغيرة تعني أكثر من أي اعتراف رسمي.”
يمتد الإبداع الفني لرباب إلى ما هو أبعد من جدران المدينة. منشأتها “الحراس”—التي كُشف عنها لأول مرة في مهرجان تنوير الافتتاحي عام 2024—ستجد قريباً موطناً دائماً لها في بوابة منتزه مليحة الوطني. تقف هذه الحراس النحتية الشاهقة والعازمة كرموز للتحمل والحراسة، مرددة حوارها المستمر بين الإنسانية والتراث والطبيعة.
تقول بهدوء: “الصحراء لا تتنافس، بل تستوعب. رؤية المنحوتات مقابل ذلك المشهد الطبيعي الذي يعود إلى عصور ما قبل التاريخ جلبت التواضع. لقد ذكرتني بأن الفن يجب ألا يتغلب على الطبيعة؛ بل يجب أن يصغي إليها.”
تضاريس الإبداع
تتنوع محفظة رباب الفنية بقدر تنوع لوحة ألوانها. تعاونها مع فريق ماكلارين لسباق الفورمولا 1 دفع بممارستها الفنية إلى بعد جديد. تطلب ترجمة أسلوبها العضوي المرسوم يدوياً على سيارة مصممة للسرعة طريقة تفكير جديدة تماماً. تقول: “لقد فرض ذلك الدقة. كان عليّ أن أفكر في الديناميكا الهوائية، والحركة، والأداء. لقد وسّع ذلك فهمي لكيفية انتقال الفن عبر الفضاء.”
عندما لا تكون رباب منشغلة بتحويل مناظر المدن أو آفاق الصحراء، فإنها ترعى فنانين آخرين من خلال استوديو ثيرتين (Studio Thirteen)—وهو مركز إبداعي قامت بتصميمه وقيادته. تشرح قائلة: “كان الفنانون المستقلون بحاجة إلى مساحة للعمل والمشاركة والنمو دون حواجز مؤسسية. ما بدأ كمستودع متواضع تطور إلى نظام بيئي مزدهر من ورش العمل والمحادثات والمعارض والتعاونات. النجاح الحقيقي لاستوديو ثيرتين يكمن في الزخم الذي يخلقه—عندما يتواصل الفنانون ويتعاونون ويستمرون في التعلم.”
مشروعها القادم، ثيرتين + ون (Thirteen + One)، سيوسع هذه الروح أكثر—موفراً مساحة أكبر للتجريب والحوار والمشاركة العامة.
متجذرة في التراث
على الرغم من أن فن رباب عالمي في مداه، إلا أنه يظل متجذراً في تراثها المصري والنوبي. يتشكل استخدامها للألوان والتكوين من ذكريات الوحدة والمرونة وسرد القصص. تعكس قائلة: “الشخصيات في الأثواب البيضاء والعمائم تستحضر التقاليد النوبية. أنا أترجم تلك الرموز إلى أشكال حديثة—مجسّرة الماضي بالحاضر.”
يمتد إيمانها بالفن كمحفز للتغيير إلى رؤيتها للمشهد الإبداعي المستقبلي لدولة الإمارات العربية المتحدة. وتضيف: “آمل أن أرى المزيد من التعاون متعدد التخصصات—بين الفن والبيئة والتكنولوجيا—وجسراً أقوى بين التعليم والممارسة الإبداعية حتى يتمكن الفنانون الشباب من الحفاظ على مسيرات مهنية طويلة الأمد هنا.”
الجدار ذو الرسالة
إذا كان يمكن لـ”الأصوات النابضة للقوز” أن تتحدث، فماذا ستقول؟ لا تتردد رباب: “ستقول: نحن الصُنّاع، والمحركون، ونبض قلب هذا المكان. استمروا في الإبداع، استمروا في التواصل.”
و أخيرا وليس آخرا: من خلال جدارياتها ومنحوتاتها ومساحاتها المجتمعية، تواصل رباب طنطاوي إثبات أن الفن ليس مجرد شيء ننظر إليه؛ بل هو شيء نعيش معه، ونتحدث إليه، ونتغير بسببه، فهل يمكن للفن أن يكون مرآة تعكس أحلامنا وتطلعاتنا المستقبلية؟







