المشهد الفني في الإمارات: بين الذاكرة والهوية ورؤية 2025
في قلب منطقة الكونكريت الصناعي بدبي، يجسد الفنان الباكستاني عمران قريشي عمله الفني “نقاط التلاشي”، وهي عبارة عن سرد بصري فريد. يتكون هذا العمل من حبال نايلون مصبوغة تمتد من الأرض إلى السقف، لتشكل تركيبًا فنيًا يحاكي المخطوطات القديمة. يستوحي قريشي فكرته من نسيج “شارباي”، وهي حرفة يدوية تقليدية في جنوب آسيا تواجه خطر الاندثار في ظل التطور التكنولوجي السريع، فيسعى إلى إحياء هذا التراث من خلال عقدة تلو الأخرى.
نقاط التلاشي: إحياء للتراث في فضاء معاصر
يهيمن على المعرض تركيب ضخم يمتد لأكثر من 30 مترًا، ويتميز بتكرار الألوان الأحمر والأصفر والأزرق. يطل هذا العمل الفني على حديقة السركال النابضة بالحياة، وتحته توجد كراسي “شارباي” بسيطة، تدعو الزوار للتوقف والتأمل في هذا التراث الذي تم تصوره في إطار معاصر.
المخطوطة المعلقة: أنماط سماوية برؤية فنية
لقد صمم قريشي “نقاط التلاشي” كمخطوطة معلقة في الفضاء، حيث تحمل كل لوحة إطارًا وحوافًا غير منتظمة، على غرار التصاميم الإسلامية المنمنمة. تتوسط هذه اللوحات أنماط سماوية مرصعة بالنجوم، وتتراوح ألوانها بين الأحمر والأزرق. يستلهم الفنان هذه الأنماط من التقاليد الفنية، لكن الألوان المستخدمة، المستوحاة من العلم الأمريكي، تحمل تفسيرًا هادئًا ومتعدد الأوجه، مما يترك للمشاهد حرية استكشاف المعاني الكامنة فيها.
تفاعل الفن مع المكان: رؤى معاصرة في شارع السركال
تتجلى فكرة تفاعل الفن مع المكان في معرض “بين شاطئ ومنحدر” في شارع السركال، تحت إشراف فاتوس أوستيك. ترى أوستيك أن موقع السركال يمثل منطقة وصل بين جغرافيات مختلفة، مما يخلق تداخلًا ماديًا ومجازيًا.
منحوتات ضوئية: أصوات مهمشة في دائرة الضوء
في هذا السياق، تقدم شيلبا غوبتا منحوتة ضوئية تحمل عبارة معكوسة: “ما زالوا لا يعرفون ما أحلم به”. تجبر هذه الكلمات المتوهجة والمقلوبة المشاهد على التمهل وفك رموزها، مما يعكس فكرة إسكات الأصوات المهمشة أو إساءة فهمها. تؤكد أوستيك أن انفتاح الشارع على التجريب يجعله مكانًا مثاليًا للمشاريع التي تعتمد على الحركة والغموض والتفاعل العام، مما يخلق ألفة متجذرة في الصدفة والاكتشاف.
المشهد الفني في الإمارات: دعم الفنانين المحليين
ترى أوستيك أن المشهد الفني المتطور في الإمارات واعد، حيث يرفض العديد من الفنانين التصنيف ويستحقون منصات تعكس تعقيد أعمالهم. وتؤكد على أهمية دور القيّمين الفنيين في تسليط الضوء على القصص المغفلة التي شكلتها الهجرة والمعرفة المحلية.
الذاكرة والحركة: استكشاف الهوية في أعمال هادية شفيع
يتجلى نفس التعقيد في أعمال الفنانة الإيرانية هادية شفيع، المتجذرة في النزوح والذاكرة والحركة. تقدم شفيع في أول معرض منفرد لها في دبي سلسلة “Resonant Turns”، وهي أعمال مقطوعة يدويًا ومتعددة الطبقات تمزج بين الرسم والتصوير والنص، لاستكشاف مرور الوقت. في سلسلة “Sapphire”، تضع شفيع طبقات من النص الفارسي على لوح قطني، ثم تقطعه وتلفه في دوائر، لتخلق دوامات من اللون والشعر والحركة، تشبه رمي الحجارة على الماء. عملها شخصي للغاية ولكنه مفتوح النهاية، متجذر في المكان ولكنه دائمًا في حركة.
غرزة برية: ملتقى الفن في دبي
يقام أسبوع السركال الفني هذا العام تحت شعار “غرزة برية”، وهو تعبير مناسب لمنطقة ينسج فيها الفنانون باستمرار بين الذاكرة والهوية والمكان بطرق شخصية وسياسية. وبالتوازي، يواصل السركال ترسيخ الجانب الشعبي للفن، بينما نما آرت دبي ليصبح معرضًا فنيًا عالميًا يجذب أصواتًا من دول الجنوب العالمي.
دبي: مركز ثقافي عالمي
تعكس هذه الفعاليات تحولًا كبيرًا، حيث لم تعد دبي مجرد محطة على خريطة الفن، بل أصبحت تشكل المصطلحات، وتمزج بين الهوية المحلية والزخم العالمي لتبني مشهدًا فنيًا بشروطها الخاصة. هذا التحول ليس جماليًا فحسب، بل هيكليًا أيضًا، حيث تُطلق دبي للثقافة مبادرات لدعم الفنانين والمعارض المحلية على الساحة العالمية.
ميدان: أغورا حية في آرت دبي
في أسبوع الفن، يتعاون معرض داستان وباراليل سيركيت مع معارض أخرى لتقديم معرض مشترك بعنوان “ميدان: أغورا حية”، يجمع فنانين يتفكرون في معنى مشاركة الفضاء ماديًا واجتماعيًا ومفهوميًا. وفي آرت دبي، يقدم معرض دستان أعمالًا في قسمي المعاصر وبوابة، بينما يقدم الدائرة الموازية عرضًا فرديًا للفنان محمد بيرايا، الذي تبدو منحوتاته ورسوماته وكأنها انتُشلت من ماضٍ دفين، لتتماشى مع موضوع المعرض لهذا العام: إيجاد أرضية مشتركة من خلال الذاكرة في زمن النزوح.
نادي النقد: منصة حوارية لتطوير المشهد الفني
مع التطور الذي شهده المشهد الفني في الإمارات العربية المتحدة، من حيث الاتساع والنضج والاحترافية، يبرز نادي النقد في منطقة القوز كساحة اختبار حقيقية لهذه الديناميكية. تقدم السركال من خلاله سلسلة حوارية فريدة، تحول النقد العلني إلى تجربة أقرب إلى المسرح الحي: عفوية، مشحونة بالتوتر، مضحكة أحيانًا، وغالبًا ما تتسم بالفوضى الخلاقة. تبدأ كل جلسة بسؤال جوهري يُطرح على الجمهور، فتُرفع الأيدي بالإجابة بنعم أو لا، معلنةً عن بداية نقاش تفاعلي.
مساحة مُفتعلة للخلاف الحقيقي
ابتكر هذا المفهوم Cem A.، الفنان ذو الخلفية الأنثروبولوجية والعقل المدبر وراء صفحة ميم الفن الشهيرة @freeze_magazine. يهدف نادي النقد إلى الابتعاد عن الشكل التقليدي المصقول لجلسات النقاش، الذي وصفه بـ “الهش وغير المناسب”. كانت الفكرة الأساسية هي خلق مساحة مُفتعلة للخلاف الحقيقي، حتى وإن كان في إطار تمثيلي. تتداخل في كل محادثة عناصر النقاش الجاد، والمواجهة المُدبّرة، والبحث الصادق عن الوضع الراهن لعالم الفن.
دبي: صياغة مستقبل الفن
في مقابل شهر أبريل المخصص في معظمه للمظاهر البراقة من معارض وافتتاحات وأجنحة مصقولة، يشير نادي النقد إلى عمق أبعد: مشهد فني يتعلم التفكير بصوت عالٍ. ومع تزايد حضور عالم الفن في الإمارات العربية المتحدة واكتسابه المزيد من الاحترافية، تتضاعف أهمية مثل هذه المساحات، التي لا تقتصر على عرض الأعمال الفنية، بل تسهم بفاعلية في صياغة هذا المشهد وتطوره.
وأخيرا وليس آخرا
تعكس المشهد الفني في دولة الإمارات مزيجًا فريدًا من التراث والمعاصرة، حيث يتبنى الفنانون المحليون والوافدون أساليب مبتكرة للتعبير عن الهوية والذاكرة والمكان. من خلال فعاليات مثل أسبوع السركال الفني وآرت دبي، بالإضافة إلى مبادرات مثل نادي النقد، تواصل الإمارات ترسيخ مكانتها كمركز ثقافي عالمي يسهم في صياغة مستقبل الفن. يبقى السؤال مفتوحًا حول كيف ستتطور هذه الديناميكية في ظل رؤية الإمارات الطموحة للعام 2025، وما هي المساحات الجديدة التي ستُفتح أمام الإبداع والتعبير الفني؟










