الإمارات تتجه نحو مستقبل التصنيع المتقدم
تعمل دولة الإمارات العربية المتحدة على تطوير قاعدتها الصناعية القوية نحو آفاق جديدة في التصنيع عالي التقنية، مع التركيز بشكل خاص على الطاقة المتجددة، وأشباه الموصلات، ومكونات الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى المركبات الكهربائية. وقد تم عرض هذه الاستراتيجية التحولية بالتفصيل خلال الدورة السابعة للاجتماعات السنوية لحكومة الإمارات في أبوظبي.
وفي كلمته خلال الاجتماعات، قدم الدكتور سلطان الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، رؤية مستقبلية للقطاع الصناعي، تعتمد على تعزيز نقاط القوة الحالية للدولة، مع التركيز على الاستثمار في القطاعات ذات النمو المرتفع والمدفوعة بالتكنولوجيا.
أكد الدكتور الجابر على أهمية مواكبة التغيرات المتسارعة في العالم، مشيراً إلى أن المؤشرات الحالية قد تتبدل بسرعة، مما يستلزم الاستعداد والمرونة للتعامل مع هذه التحولات المستمرة.
تعزيز القدرات الحالية
أكد الوزير على أن الاستراتيجية الصناعية الجديدة تهدف إلى استغلال القدرات الراسخة لدولة الإمارات في مجالات البتروكيماويات والألمنيوم والصلب وغيرها من الصناعات القائمة على الموارد، وذلك كأساس للتوسع في التصنيع المتقدم.
وأوضح أن التركيز الحالي ينصب على تطوير صناعات جديدة تعتمد على مصادر الدولة القوية، مثل البتروكيماويات والألمنيوم والصلب والمواد الأرضية النادرة.
دمج الصناعات التقليدية مع التقنيات الناشئة
يعكس هذا التوجه استراتيجية واعية لإنشاء مجمعات صناعية تدمج بين نقاط القوة التقليدية والتقنيات الناشئة. كما أن التركيز على الطاقة المتجددة وأشباه الموصلات ومكونات مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي وبطاريات تخزين الطاقة والمركبات الكهربائية يمثل دفعة قوية نحو القطاعات التي من المتوقع أن تحدد التنافسية الاقتصادية العالمية في العقود القادمة.
نمو ملحوظ منذ عام 2020
تستند هذه الرؤية المستقبلية الطموحة إلى الإنجازات الكبيرة التي تحققت منذ إنشاء وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة في عام 2020، في فترة ذروة جائحة كوفيد-19.
وكشف الدكتور الجابر عن ارتفاع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 62% لتصل إلى 120 مليار دولار، في حين نمت الصادرات الصناعية بنسبة 68% لتصل إلى 197 مليار دولار.
وأشار الدكتور الجابر إلى أن هذه النتائج جاءت نتيجة للعمل الجاد والخطط والاستراتيجيات، بالإضافة إلى الرؤية والدعم المباشر من القيادة الرشيدة.
برنامج القيمة الوطنية المضافة
حجر الزاوية في النجاح
كان برنامج القيمة الوطنية المضافة (ICV) عنصراً محورياً في هذا النجاح، حيث أحدث تحولاً جذرياً في طريقة تدفق الإنفاق الوطني عبر الاقتصاد.
وقد نجح البرنامج في إعادة توجيه 210 مليارات درهم إلى الاقتصاد الوطني في عام 2024، وهو ما يمثل زيادة كبيرة بنسبة 244% مقارنة بعام 2020.
وبالإضافة إلى التأثير المالي، أصبح برنامج ICV أداة فعالة للتوطين، حيث وصل عدد المواطنين الإماراتيين العاملين في شركات القطاع الخاص من خلال البرنامج إلى 22,000 مواطن، وهو ما يمثل معدل نمو بنسبة 260%.
ويشمل البرنامج الآن قطاعات اقتصادية رئيسية مثل الطاقة والرعاية الصحية والطيران والاتصالات والبنية التحتية والمؤسسات المالية.
دور الشركات الوطنية في قيادة النمو الصناعي
سلط الدكتور الجابر الضوء على الدور الحيوي للشركات الوطنية في دفع النمو الصناعي، مع إبراز شركة أدنوك كمثال بارز على نجاح الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
وبصفتها شركة وطنية، ساهمت أدنوك بأكثر من 242 مليار درهم في الاقتصاد الوطني، وخصصت 90 مليار درهم تحديداً للتصنيع المحلي للمنتجات بالتعاون مع الشركات العالمية.
ويعد مشروع تآزر (TA’ZIZ)، وهو مشروع مشترك لأدنوك في مجال الكيماويات والمشتقات، لاعباً رئيسياً آخر، حيث يستثمر أكثر من 30 مليار درهم في الصناعات الكيميائية والتحويلية. وينتج مجمع الرويس الصناعي حالياً أكثر من 5 ملايين طن من البوليمرات سنوياً، يتم تصديرها إلى أكثر من 50 دولة حول العالم.
منصة صُنع في الإمارات
توحيد الجهود نحو التصنيع المحلي
تعتبر مبادرة صُنع في الإمارات محوراً أساسياً في استراتيجية الوزارة، وقد تطورت لتصبح برنامجاً وطنياً شاملاً يوحد المطورين والمصنعين والشركات تحت إطار عمل موحد.
ومنذ إطلاقها، حددت المنصة أكثر من 4,800 منتج للتصنيع المحلي، بقيمة إجمالية تبلغ 168 مليار درهم.
ولدعم هذه الجهود الطموحة في مجال التصنيع، دخلت الوزارة في شراكة مع مصرف الإمارات للتنمية لتقديم حلول تمويل تنافسية. وقد خصص البنك 40 مليار درهم لدعم تمويل المشاريع الصناعية الوطنية، مع ضمان شراء المنتجات من قبل الشركات الوطنية منذ البداية، مما يوفر للمصنعين طلباً مؤكداً ويقلل من مخاطر الاستثمار.
التحول من التصنيع التقليدي إلى الذكي
أكد الدكتور الجابر على أهمية التحول الرقمي في قطاع التصنيع، مشيراً إلى الانتقال من الصناعات التقليدية إلى الصناعات الذكية التي تعتمد على التقنيات الحديثة والتكنولوجيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي والثورة الصناعية الرابعة.
وأوضح أن هذا التحول يهدف إلى تعزيز كفاءة الإنتاج وتعزيز تنافسية المنتج المحلي على المستوى العالمي.
إن هذا التركيز على تقنيات التصنيع المتقدمة يضع الإمارات في موقع يمكنها من المنافسة ليس فقط على التكلفة، بل أيضاً على الابتكار والجودة والسرعة، وهي عوامل حاسمة في قطاعات التكنولوجيا العالية التي تستهدفها الدولة حالياً.
وأخيرا وليس آخرا
تجسد هذه الاستراتيجية الطموحة رؤية الإمارات لتحقيق تحول جذري في قطاع الصناعة، من خلال التركيز على التكنولوجيا المتقدمة والابتكار، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، ودعم الشركات الوطنية. ويبقى السؤال: كيف ستنعكس هذه الجهود على مكانة الإمارات في الاقتصاد العالمي، وهل ستنجح في تحقيق التنمية المستدامة والازدهار للأجيال القادمة؟








