قطارات الاتحاد : تحولات مرتقبة في سوق العقارات بالإمارات
من المتوقع أن تبدأ شبكة السكك الحديدية الوطنية للركاب “قطارات الاتحاد” عملياتها بحلول عام 2026، حاملةً معها آمالًا عريضة في إحداث نقلة نوعية في قطاع النقل والمواصلات بالإمارات. وبحلول عام 2030، من المتوقع أن يصل عدد المسافرين السنوي عبر هذه الشبكة إلى حوالي 36.5 مليون راكب.
ويترقب المراقبون انعكاسات إيجابية كبيرة على المدن والبلدات الأقل نموًا في الدولة، حيث يُمكن لخدمات الركاب الجديدة أن تعزز من جاذبيتها وترتقي بها إلى مصاف المدن الكبرى.
ويتوقع خبراء العقارات أن يسهم تحسين سرعة الربط بين المراكز الحيوية مثل دبي وأبوظبي والمناطق الأخرى مثل الذيد والرويس والفجيرة في زيادة الطلب على العقارات في هذه المناطق، مما قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار سواء للبيع أو الإيجار.
تحولات جذرية في المشهد العقاري
ويرى مارك كاستلي، الرئيس التنفيذي للعقارات في هوسبي، أن إطلاق قطارات الاتحاد سيحدث تحولًا كبيرًا في سوق العقارات السكنية بالإمارات، وذلك من خلال تسهيل وتسريع التنقل بين مختلف الإمارات.
كما أضاف كاستلي أن المناطق التي كانت تعتبر بعيدة عن مراكز التوظيف الرئيسية، مثل رأس الخيمة والفجيرة والمجتمعات الجديدة في أبوظبي والشارقة، ستشهد ارتفاعًا ملحوظًا في الطلب على العقارات قيد الإنشاء والعقارات الجاهزة. وأكد أن مشاريع البنية التحتية الكبرى، مثل قطارات الاتحاد، تعمل على تحفيز النمو العقاري في المناطق المحيطة بها، وذلك من خلال تحسين إمكانية الوصول وفتح آفاق جديدة للطلب.
عادةً ما تتميز المدن الكبرى بتطورها، وحضريتها، وبنيتها التحتية القوية، وارتفاع تكلفة المعيشة، وتوفر فرص العمل. بينما تكون المدن الأقل نموًا أقل تكلفة وأقل كثافة سكانية. ومع تحسن وتيرة التنقل، من المتوقع أن ينتقل المزيد من السكان إلى مناطق أبعد بحثًا عن مساحات أكبر وقيمة أفضل مقابل المال، مما سيرفع أسعار الإيجارات في المناطق التي كانت تعتبر نائية بسبب الازدحام المروري أو طول أوقات التنقل.
تقريب المسافات وخلق الفرص
ويرى فراس المسدي، الرئيس التنفيذي لشركة فام بروبرتيز، أن قيم الأراضي في المدن الأقل نموًا مثل الفجيرة والذيد والرويس ستشهد ارتفاعًا في الأسعار مدفوعًا بالطلب الحقيقي وليس بالمضاربات.
مشاريع تطويرية بالقرب من المحطات
وأشار المسدي إلى أن مشاريع التطوير الموجهة نحو النقل ستظهر بالقرب من مناطق المحطات الرئيسية، مثل المجمعات متعددة الاستخدامات التي يمكن الوصول إليها سيرًا على الأقدام حول محطات المدينة الجامعية وسكمكم ومصفح.
إعادة تعريف أسواق المنازل الثانوية
كما أوضح المسدي أنه ستتم إعادة تعريف أسواق المنازل الثانوية، حيث يمكن للعائلات المقيمة في دبي امتلاك وحدات شاطئية في الفجيرة لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، وذلك بفضل قرب المسافة الذي لا يتجاوز الساعة. وستظل دبي مركزًا رئيسيًا، ولكن نطاق هيمنتها سيتوسع، وستصبح محطة جميرا للجولف بمثابة ممر جديد عالي الأداء.
السرعة والترابط والإنتاجية
وأضاف المسدي: “نحن لا نتحدث فقط عن النقل، بل عن السرعة والترابط والإنتاجية، وكيف تساهم هذه العوامل في تقليل المسافات والوقت، وبالتالي تقليل تكلفة الفرصة البديلة، وهذا هو جوهر القيمة الحقيقية”.
إن هذا التحول سيغير وجه الإمارات، فكل إمارة لديها ما يميزها، ولكن تكلفة الفرصة البديلة للتنقل كانت مرتفعة جدًا سواء للأفراد أو السلع أو رأس المال. وستعمل قطارات الاتحاد على تغيير هذا الواقع، فتقليل وقت السفر بين المدن من ساعتين إلى 50 دقيقة لن يوفر الوقت فحسب، بل سيعيد تشكيل الأماكن التي يختارها الناس للعيش والعمل والاستثمار، وما كان يُعتبر بعيدًا جدًا سيصبح قريبًا.
الفجيرة البوابة الشرقية للإمارات
وأكد فراس أن الفجيرة لم تعد الطرف الشرقي للإمارات، بل أصبحت البوابة الشرقية، ورأس الخيمة سوقًا جذابًا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع للعائلات المقيمة في دبي، والعين قاعدة مناسبة للمهنيين الذين يمكنهم الآن الوصول إلى العاصمة أو الساحل في أقل من ساعة. وهذا يخلق إعادة تقييم لقيمة الأراضي، ليس بناءً على الموقع الجغرافي، بل بناءً على سهولة الوصول.
دروس مستفادة من تجارب عالمية
واستشهد المسدي بدراسة حالة حول تحول المدن التابعة في اليابان بعد إدخال خط شينكانسن بين طوكيو وأوساكا. ففي غضون خمس سنوات من بدء تشغيل الخط، شهدت المدينتان زيادة تتجاوز 40% في قيم الأراضي التجارية وأكثر من 60% في الطلب على الإسكان المرتبط بالسكان.
مدينة ناغويا مثالاً
وأضاف أن مدينة ناغويا، على وجه الخصوص، انتقلت من سوق من الدرجة الثانية إلى واحدة من أكثر أسواق الخدمات اللوجستية والمكاتب تنافسية في اليابان، وذلك بفضل تسهيل حركة الأعمال والسياحة والتنقل المرن الذي أتاحته القطارات.
وأكد فراس أن نفس المبدأ ينطبق على الإمارات، ولكن مع ميزة إضافية، وهي أن الإمارات تبني هذا المشروع في وقت لا توجد فيه تحديات قديمة، فهي تمتلك أحدث وأكثر أنظمة السكك الحديدية تطوراً من الناحية التقنية في العالم.
وأخيرا وليس آخرا
تعد قطارات الاتحاد مشروعًا طموحًا يحمل في طياته إمكانات هائلة لإعادة تشكيل المشهد العقاري والاقتصادي في دولة الإمارات. فمن خلال تقريب المسافات، وتعزيز الترابط، وتحفيز النمو في المناطق الأقل نموًا، يمكن لهذا المشروع أن يساهم في تحقيق تنمية شاملة ومستدامة في جميع أنحاء الدولة. ويبقى السؤال: كيف ستستفيد الإمارات من هذه الفرصة التاريخية لتحقيق أقصى قدر من الازدهار والتقدم؟









