تعزيز الروابط الاجتماعية : مفتاح السعادة في مجتمعات الإمارات المتنوعة
في نسيج الحياة الحضرية المتشابك في منطقة الخليج، قد يجد المغترب نفسه محاطًا بمئات الشقق السكنية دون أن يعرف جاره. ولكن، هل يجب أن يكون هذا هو الوضع الطبيعي؟
يشير تقرير السعادة العالمي لسنة 2025 إلى أن توقع اللطف من الجيران، والذي يتم قياسه من خلال اختبار بسيط يتعلق بإعادة محفظة مفقودة، له تأثير أكبر على سعادة الفرد من دخله أو شعوره بالأمان. هذا الاختبار يوضح أن الناس غالبًا ما يقللون من أهمية اللطف في تعزيز الصحة النفسية.
أهمية التواصل الاجتماعي في المدن
أظهر استطلاع غالوب للرفاهية لعام 2023 أن الرغبة في التواصل متأصلة لدى معظم الناس، لكن القليل منهم يبادرون بتحية جيرانهم. فقط 27% من البالغين في أمريكا يحيون ستة جيران أو أكثر، وهو سلوك مرتبط بمستويات أعلى من الرضا النفسي. أما أولئك الذين لا يحيون أي جار، فإنهم يسجلون درجات أقل بكثير في الرضا عن حياتهم.
تجارب شخصية تعكس الواقع
يقول سامر، مدير التسويق البالغ من العمر 40 عامًا، إن هذه البيانات تعكس تجربته في مدينة كبيرة مثل دبي: “في بلدي، يعيش الناس في نفس المنازل أو الشقق طوال حياتهم، والجميع يعرف جاره ويتفقدون بعضهم البعض باستمرار. أما هنا في دبي، فقد عشت في نفس المبنى لأكثر من ست سنوات، ومن الشائع أن ألتقي بجيراني في المصعد دون أن يلقوا عليّ التحية أو يردّوا على ابتسامتي.”
دور المجاملات البسيطة في تعزيز الصحة النفسية
لم يكن سامر يتوقع تكوين صداقات مع جيرانه، لكنه يدرك أن التفاعل معهم يمكن أن يؤثر إيجابًا على صحته النفسية: “بعد يوم طويل مليء بالتحديات، رؤية وجه ودود في محيطي الشخصي ستكون لفتة رائعة. هذا سيقلل من شعوري بالعزلة والوحدة.”
تتزايد مشاعر الوحدة في المدن حول العالم، خاصة في المراكز الحضرية التي تعج بالمغتربين وتشهد نموًا سريعًا وتنوعًا ثقافيًا واسعًا.
أثر التنوع الثقافي والوحدة على الصحة النفسية
توضح إنسيا ديسوزا، أخصائية الإرشاد النفسي في مركز أوبن مايندز للصحة النفسية والاستشارات والعلاج العصبي بالإمارات، أن مشاعر الوحدة المرتبطة بالعيش في المدن في دبي تتشكل بفعل عوامل مثل التنقل المستمر والانقسام الثقافي. فالكثير من الناس يأتون إلى دول الخليج للعمل وتحقيق مكاسب مالية، وليس بهدف الاستقرار الطويل الأمد، مما يجعل حياتهم تتمحور حول العمل على حساب الجوانب الإنسانية والاجتماعية.
هذا النوع من الوحدة يخلق انفصالًا عن الذات والآخرين. عندما يركز المرء حياته على العمل ومسؤوليات الحياة الأخرى في مكان لا يرغب بالاستقرار فيه بشكل دائم، يؤثر ذلك على حياته الاجتماعية وبناء مجتمعه، وهما أمران أساسيان للصحة النفسية.
التحديات الاجتماعية في مجتمع الإمارات المتنوع
تُعد الإمارات من أكثر دول العالم تنوعًا، حيث تضم أكثر من 200 جنسية من مختلف أنحاء العالم. ورغم أن هذا التنوع يشكل بيئة عالمية فريدة، إلا أنه في الوقت ذاته قد يعزز الشعور بالوحدة في المدن.
الحواجز الثقافية وتأثيرها على العلاقات الاجتماعية
تشير ديسوزا إلى أن مجموعات المقيمين والمواطنين تميل إلى الانغلاق على ذاتها، مما يؤثر على مدى استعدادنا للتواصل مع جيراننا من ثقافات مختلفة. غالبًا ما نتعامل بحذر مفرط مع من ينتمون إلى أعراق أخرى، بسبب عدم الألفة، أو تصوراتنا المسبقة، أو طبيعة الحياة المتنقلة والمرتبطة بالمصالح في المنطقة، أو حتى خوفًا من الإساءة دون قصد. كل ذلك يعيق كسر الحواجز وبناء تفاعل اجتماعي حقيقي.
تُعد بعض الفئات السكانية، مثل الأفراد غير المتزوجين، وذوي الإعاقة، والأقليات، ومن لا يعملون في وظائف تقليدية، أكثر عرضة للشعور بالوحدة المرتبطة بالعيش في المدن. هذا النوع من الوحدة لا يرتبط فقط بالبعد أو القرب من الآخرين، بل بالانتماء، وسهولة الاندماج، والشعور بالثقة. وفي غياب الجهود المتعمدة لبناء علاقات جيرة حقيقية، تزداد احتمالية شعور هذه الفئات بالتهميش أو اللاوجود في الأماكن التي يسكنونها.
تأثير الوحدة على الصحة النفسية
توضح ديسوزا أن الوحدة في المدن لا تعني دائمًا أن تكون معزولًا فعليًا، بل قد تعني ببساطة أنك لا تجد أحدًا تلجأ إليه حين تكون الحاجة ماسّة.
من واقع خبرتها، يدرك العملاء مدى تأثير الوحدة على توترهم وقلقهم واكتئابهم ومشاكلهم النفسية الأخرى. كما يلاحظون الفرق في صحتهم النفسية عندما يشعرون بالاهتمام والفهم. لذلك، يركز العلاج على التعاطف مع الذات وبناء مهارات التواصل ليتمكنوا من تشجيع أنفسهم لتلبية احتياجاتهم في التواصل.
مبادرات بسيطة لتغيير الواقع
على الرغم من الإحصائيات المثيرة للقلق، فإنه ليس من المستحيل السيطرة على الشعور بالوحدة في المدن الكبرى مثل دبي.
قوة اللطف في تعزيز الروابط الاجتماعية
تقول سونال تشيبر، مستشارة أولى في مجال الاتصالات المؤسسية ومقيمة في الإمارات العربية المتحدة منذ 18 عامًا، إن تصرفًا بسيطًا من جارتها خلال الجائحة غيّر كل شيء: “كانت تطمئن على أحوالنا، وتوصل لنا البقالة، وترسل لنا الطعام. ذكّرني ذلك بالوطن، وبمدى قوة اللطف عندما نكون بعيدين عن كل ما هو مألوف.”
بالنسبة لتشيبر، الجيران في الهند هم أشبه بأفراد من العائلة الكبيرة. أما في الإمارات، فالعلاقات لا تتشكل من تلقاء نفسها.
أهمية المبادرة في بناء العلاقات
تضيف تشيبر: “يجب أن تبادر عن قصد. لكن بمجرد كسر الحاجز، تجد أن الناس أكثر انفتاحًا مما تظن. ابتسامة في الممر، كوب شاي مشترك، أو كلمة لطيفة في المصعد… لسنا بحاجة دائمًا إلى مبادرات عظيمة، بل إلى تصرفات إنسانية بسيطة.”
آراء من المجتمع الإماراتي
سألنا سكان الإمارات العربية المتحدة عن تجاربهم في العيش في البلاد، وكانت هذه بعض الردود:
- شالاكا، خبيرة أولى في استراتيجيات الاتصال: “لم أكن أتوقع أن أجد مجتمعًا من الجيران الطيبين في دبي كما كان الحال في بلدي. في البداية، لم أجد المكان ودودًا أو مرحبًا بالوافدين الجدد. لكن ذلك تغير عندما سألني جار مسنّ عن حالي… لقد مضت 15 سنة وأنا أعيش في نفس المبنى، وإحدى الأسباب التي تمنعني من الانتقال هي أنني أحب جيراني!”
- مدير مالي، 37 عامًا: “انتقلت إلى دبي بدون عائلتي. كان الأمر صعبًا… لكان الأمر أسهل لو كانت عائلتي معي هنا.”
- لالين سوخيرا، 48 عامًا، مؤسسة الرابطة الاجتماعية: “أنشأت مجموعة واتساب في حيّي، وأصبح الكثير منا أصدقاء مقربين… تقديم المساعدة هو لغة حبي، وإلا فقد يسود الشعور بالوحدة والعزلة للكثير منا.”
- إيبشي، 43 عامًا، وكيل سفر: “أفضل كيف يتركك الجيران في دبي وشأنك، على عكس المتطفلين في مومباي. أعتقد أن هذا ما يحسن صحتي النفسية.”
وأخيرا وليس آخرا
تظهر هذه الشهادات أن تكوين الروابط الاجتماعية في الإمارات ممكن، ولكنه يتطلب مبادرة واعية وجهدًا مستمرًا. وبينما يفضل البعض الخصوصية التي توفرها الحياة في المدن الكبرى، يجد آخرون أن اللطف والتواصل البسيط يمكن أن يحدث فرقًا كبيرًا في تعزيز الصحة النفسية وتقليل الشعور بالوحدة. فهل يمكن لمبادرات بسيطة أن تحول مجتمعاتنا الحضرية إلى أماكن أكثر دفئًا وترابطًا؟







