رحلة كافيتا سرينيفاسان من الإعلام إلى التنمية الذاتية ودعم الأبوة في الإمارات
في قلب الإمارات العربية المتحدة، تتجلى قصة ملهمة لسيدة حولت مسار حياتها من قمة الإعلام إلى رحاب التنمية الذاتية ودعم الأبوة. كافيتا سرينيفاسان، التي كانت في يوم من الأيام رئيسة تحرير مجلة كوزموبوليتان الشرق الأوسط، وجدت نفسها أمام تحديات لم تكن تتوقعها، مما قادها إلى اكتشاف رسالة جديدة وهدف أسمى.
من قمة الإعلام إلى اكتئاب ما بعد الولادة
في سن السادسة والثلاثين، كانت كافيتا سرينيفاسان تتربع على عرش النجاح، بلقب مرموق ووظيفة أحلام وأمومة طال انتظارها. كرئيسة تحرير لمجلة كوزموبوليتان الشرق الأوسط، كانت شخصية بارزة في عالم الإعلام بجنوب آسيا. لكن خلف هذا المشهد المثالي، كانت تعاني بصمت.
تجربة شخصية قاسية
“لم أستطع التنفس”، هكذا تصف كافيتا تلك الفترة، مضيفةً: “دخلت في حالة اكتئاب عميقة. لم أستطع البقاء وحدي مع ابني. كنت أرتجف وأعاني من نوبات هلع، ولم أفهم ما يحدث لي”. الأمومة، التي كانت حلمًا يراودها دائمًا، تحولت إلى كابوس بسبب اكتئاب ما بعد الولادة الذي استمر لسنوات.
صراع الهويات والتحديات
لم يكن هناك ما يهيئ كافيتا لمواجهة تحديات الأمومة المصاحبة للاكتئاب. الاستيقاظ لإرضاع طفلها، ثم التوجه إلى المكتب لإدارة مجلة عالمية، والعودة إلى المنزل لرعاية طفلها، كل ذلك جعلها تشعر بالعجز. “لقد حصلت على مساعدة، لكنني كنت في حالة يرثى لها. كنت أعمل حتى الواحدة صباحًا، وعدت إلى العمل قبل انتهاء إجازة الأمومة لأنني اعتقدت أن هذا ما أريده. لكن حتى العمل بدأ يشعرني بالفراغ. تساءلت: من أنا؟ لم يعد هذا الأمر يخصني.”
نقطة التحول والبحث عن الذات
استمرت كافيتا في قيادة المجلة لثلاث سنوات أخرى، لكن الصراع الداخلي تفاقم حتى بلغت الأربعين. “لا يمكنكِ إنكار حقيقتكِ بعد الآن في الأربعين. ستنهارين. وقد انكسرتُ أنا”. كان هذا الانهيار نقطة تحول حاسمة في حياتها.
كلمة غيرت المسار
خلال مقابلة مع عالمة النفس الدكتورة شيفالي تساباري، شاركت كافيتا معاناتها، فردّت عليها الدكتورة شيفالي بجملة بسيطة: “لا يمكنكِ إعطاء ما لم تحصلي عليه”. هذه الكلمات لامست وترًا حساسًا لدى كافيتا، التي نشأت مع أم مريضة نفسيًا واعتنت بها طوال حياتها. أدركت كافيتا أن هذه التجربة أثرت عليها بعمق عندما أصبحت أمًا.
فترة السكون والتحول
تركت كافيتا وظيفتها، وخلال جائحة كوفيد، لم تفعل شيئًا بالمعنى التقليدي. لكنها كانت تمر بواحدة من أشد التحولات في حياتها. “وجدت المعالج المناسب، وانهارت، وعشت طفولتي بأكملها بحضورٍ حاضر. هذا هو الشفاء، الشعور بالألم بحضورٍ حاضر، لا الهروب منه”.
من علم النفس الشمولي إلى دعم الأبوة
في فترة السكون، بدأت رحلة كافيتا الحقيقية. التحقت ببرنامج علم نفس شمولي في معهد كاليفورنيا للدراسات المتكاملة، وتدربت على يد الدكتورة شيفالي، وأصبحت مدربة معتمدة في تربية الأبناء. لم تتعجل كافيتا في بناء علامة تجارية، بل واصلت دراستها وقضت وقتًا مع ابنها، وتركت هويتها تتغير تدريجيًا. “عندما تعملين في مجال الإعلام، وخاصة كامرأة، تصبح قيمتك مرتبطة بمدى ظهورك. لكنني لم أعد أرغب في الأداء، ولم أعد أرغب في السعي وراء المقاييس. أردت فقط أن أكون صادقة مع نفسي.”
رايزنج هارتس: مجتمع لدعم الآباء والأمهات في الإمارات
تبلورت هذه الحقيقة في مبادرة “رايزنج هارتس”، وهو مجتمع للآباء والأمهات في الإمارات يضم أكثر من 350 عضوًا. بدأت المبادرة بمنشور صادق: “أخبرت الناس أنني أبدأ مشروعًا جديدًا، وأنني لا أملك جميع الإجابات، لكنني أردت تقديم الدعم”. ونمت المبادرة ببطء ولكن بوتيرة طبيعية.
رؤية وأهداف
“نحن قلوب قبل أن نكون عقولًا. أول ما تسمعه في الرحم هو دقات القلب، لذا شعرت أن رفع القلوب هو الخيار الأمثل”. تهدف كافيتا إلى تقديم دعم حقيقي وملموس وعملي للآباء والأمهات، من خلال تقسيم الفئات الفرعية وتقديم ورش عمل أسبوعية مجانية وجلسات دعم محلية. هدفها واضح: “لا ينبغي لأحد أن يشعر بالوحدة. ستحصل على ورش عمل، وإرشاد، ودعم علاجي، ومجتمع حقيقي. أشخاص يمكنك الاتصال بهم عندما تشعر بالإرهاق، شخص ما ليأخذ طفلك لمدة ساعتين عندما تكون على وشك الانهيار.”
إعادة بناء شخصية الأبناء
لا يقتصر عمل كافيتا على دعم الوالدين، بل يشمل أيضًا إعادة بناء شخصية الأبناء. “أقوم بالكثير من العمل على تنمية الطفل الداخلي. يأتي إليّ معظم الناس معتقدين أنهم بحاجة إلى مساعدة أطفالهم، لكن الأمر لا يتعلق بالطفل حقًا، بل بالوالدين. الطفل مجرد مرآة.”
التركيز على السنوات السبع الأولى
يغطي عمل كافيتا كل شيء، بدءًا من مرحلة ما قبل الحمل وإرشاد الوالدين خلال فترة الحمل، وصولًا إلى دعم من يمرون بفترة حزن وتوفير مساحة للبالغين الذين يعانون من صدمة طفولة اتسمت بالإهمال العاطفي أو الإساءة. “يعود كل شيء إلى السنوات السبع الأولى. إذا كان الطفل يعاني من القلق أو نوبات الغضب أو حتى شد شعره، فهذه إشارة. ليست على سوء السلوك، بل على الإرهاق العاطفي. ونحن لا نحاول إصلاح هذا السلوك، بل ندعم الشفاء منه.”
دليل التربية المفقود
تتضمن رؤية كافيتا لمشروع تربية القلوب مجموعات صغيرة في الأحياء لتوفير الدعم الحياتي، والتعليم الميسر، ومساءلة الأقران. “يقول الناس إن التربية لا تأتي مع دليل. أنا أقول إنها كذلك. التربية تأتي مع دليل، ولكننا لم نتلقَّه قط.”
التدريب العاطفي قبل الإنجاب
من خلال دورتها القادمة حول التدريب العاطفي قبل إنجاب طفل، تأمل كافيتا في سد هذه الفجوة. “إن أعظم هبة يمتلكها هذا الجيل هي الوعي. يمكننا أن نتساءل إن كنا نرغب في أن نكون آباءً. يمكننا أن نتوقف للحظة، ويمكننا أن نتعلم، ويجب علينا ذلك.”
و أخيرا وليس آخرا
في عالم كافيتا، ليست الأبوة والأمومة مجرد دور جديد نضطلع به، بل هي مرآة، ورحلة مدى الحياة، نبدأ في كتابة دليلها من خلال القيام بالعمل الداخلي بأنفسنا أولاً. قبل أن نربي الطفل بوقت طويل، يجب أن نتعلم كيف نربي أنفسنا. قصة كافيتا سرينيفاسان هي شهادة على قوة التحول الذاتي وأهمية دعم المجتمع في رحلة الأبوة والأمومة. هل يمكن لمبادرات مماثلة أن تحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الأسر في الإمارات وخارجها؟










