ارتفاع حالات السكتة الدماغية بين الشباب في الإمارات: نظرة تحليلية
تشهد دولة الإمارات العربية المتحدة ارتفاعًا مقلقًا في حالات السكتة الدماغية بين الشباب، مما يثير قلق الأطباء ويدعو إلى ضرورة اتخاذ تدابير وقائية. ففي حين أن المتوسط العالمي للإصابة بالسكتة الدماغية يبلغ 65 عامًا، تشير الدراسات إلى أن نصف حالات الإصابة في الإمارات تحدث لمن هم دون سن الـ 45، أي أصغر بـ 20 عامًا من المعدل العالمي.
حالات واقعية تعكس خطورة الوضع
سجل مستشفى زليخة الشارقة حالتين حديثتين تجسدان هذا الاتجاه المقلق. الحالة الأولى لمقيم يبلغ من العمر 45 عامًا، يعاني من مرض السكري ويدخن، وقد أُصيب بضعف مفاجئ في الجانب الأيسر من وجهه وذراعه. وبعد الفحوصات، تبين أنه يعاني من سكتة دماغية حادة، وتم علاجه بنجاح.
أما الحالة الثانية فكانت لمريض يبلغ من العمر 42 عامًا، ويعاني من ارتفاع ضغط الدم ويتناول الأدوية بشكل غير منتظم. كما كان يعاني من انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم ونظام غذائي غير صحي، مما أدى إلى إصابته بسكتات دماغية طفيفة متكررة. وكشفت الفحوصات عن وجود تضيق في أحد الشرايين الرئيسية في المخ، وقد تحسنت حالته بشكل كامل بعد تلقي العلاج المناسب.
وأكد الأطباء أن كلا المريضين كانا يعانيان من عوامل خطر الإصابة بالسكتة الدماغية، والتي تفاقمت بسبب نمط الحياة المستقرة.
السكتة الدماغية: الوقاية ممكنة
تعتبر السكتة الدماغية ثاني أكثر أسباب الوفاة شيوعًا في الإمارات بعد النوبة القلبية، وهي أيضًا سبب رئيسي للإعاقة الدائمة. وتحدث نتيجة انسداد مفاجئ لإمدادات الدم إلى المخ، مما يؤدي إلى موت أنسجة المخ في غضون دقائق.
دور العلاج الفوري في إنقاذ حياة المرضى
أوضح الدكتور سانديب بوراتوكي، استشاري الأشعة التداخلية في مستشفى دبي الدولي الحديث، في تصريح لـ “المجد الإماراتية” أن السكتة الدماغية يمكن الوقاية منها، مشيرًا إلى أن المرضى الذين يصلون إلى المستشفى خلال أربع ساعات ونصف من ظهور الأعراض يمكن علاجهم بأدوية تذيب الجلطات.
كما أشار إلى التقدم في علاج الجلطات الدموية، والذي يسمح بإزالة هذه الجلطات من الدماغ باستخدام شبكة معدنية خاصة أو مضخة تفريغ، حتى بعد ثماني ساعات من ظهور السكتة الدماغية، وفي بعض الحالات حتى 24 ساعة. وأكد على أن تعديل نمط الحياة يمكن أن يمنع السكتة الدماغية في 50 إلى 80% من الحالات.
التركيز على الجيل الشاب: ضرورة ملحة
أشارت الدكتورة جين آن توماس، أخصائية طب الأعصاب في مستشفى زليخة الشارقة، إلى أن ارتفاع معدل الإصابة بالسكتة الدماغية بين الشباب في الإمارات أمر مقلق للغاية، خاصة وأن نسبة كبيرة من السكان تنتمي إلى هذه الفئة العمرية.
عوامل الخطر وأهمية التوعية
أوضحت الدكتورة توماس أن السكتة الدماغية ترتبط بالعديد من العوامل القابلة للتعديل، مثل نمط الحياة المستقر، والنظام الغذائي غير الصحي، والضغط في العمل. كما أشارت إلى أن جائحة كوفيد-19 والتدخين قد ارتبطا أيضًا بزيادة خطر الإصابة بالسكتة الدماغية. وأكدت على أهمية الاهتمام بالنظام الغذائي، وممارسة الرياضة، والسيطرة على عوامل الخطر بدءًا من الجيل الشاب.
كما سلطت الدكتورة بهارة بازويار، أخصائية طب الأعصاب في مستشفى الكندي التخصصي بدبي، الضوء على الاتجاه المقلق لمرضى السكتة الدماغية الأصغر سناً في الإمارات، مشيرة إلى أن متوسط عمر بداية الإصابة الآن هو 45 عامًا. وأوضحت أن البيئة الحضرية السريعة في البلاد تشجع على أسلوب حياة غير صحي، مما يزيد من خطر ارتفاع ضغط الدم والسكري بين الشباب. وأكدت على ضرورة التركيز على التوعية والفحص المبكر لتحديد عوامل الخطر في الفئات العمرية الأصغر سنا.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: أدوات واعدة
أكد الدكتور فيكتور أوروتيا، أستاذ علم الأعصاب السريري ومدير معهد الشيخ خليفة للسكتة الدماغية، أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يساعدان في العثور على عوامل الخطر والعلاجات المستقبلية للسكتات الدماغية.
التطبيب عن بعد وتطوير نظام رعاية السكتة الدماغية
أوضح الدكتور أوروتيا لـ “المجد الإماراتية” أن المعهد يعمل على توسيع نطاق المستشفيات باستخدام التطبيب عن بعد، لضمان أن تكون حتى المستشفيات البعيدة مستشفيات جاهزة لعلاج السكتات الدماغية الحادة. وأشار إلى أن المعهد عمل مع العاملين في مجال الرعاية الصحية المحليين لتطوير نظام رعاية السكتة الدماغية، وساعد مستشفى توام على أن يصبح مركزًا للسكتة الدماغية الانضغاطية، وزار منطقة الظفرة لمساعدة المستشفيات على الاستعداد لعلاج السكتة الدماغية.
وفي السياق ذاته، نصح الدكتور أنوب نارندران، أخصائي جراحة الأعصاب في مستشفى ميدكير رويال التخصصي، بضرورة اتخاذ تدابير وقائية لتجنب مخاطر السكتة الدماغية، وإجراء فحوصات صحية منتظمة لمراقبة ضغط الدم وسكر الدم ومستويات الكوليسترول. كما حذر من إهمال السكتات الدماغية التي تتعافى من تلقاء نفسها، مؤكدًا أن المرضى الذين يعانون من نوبة نقص تروية عابرة يكونون أكثر عرضة للإصابة بسكتة دماغية في المستقبل.
وأخيرا وليس آخرا
في ختام هذا التحليل، يتبين أن ارتفاع حالات السكتة الدماغية بين الشباب في الإمارات يمثل تحديًا صحيًا واجتماعيًا يستدعي تضافر الجهود. فالتوعية بعوامل الخطر، والتشخيص المبكر، وتعديل نمط الحياة، واستخدام التكنولوجيا الحديثة، كلها عناصر أساسية للحد من انتشار هذا المرض الخطير. فهل ستنجح جهود الوقاية والتوعية في تغيير هذا الواقع المرير، وحماية شباب الإمارات من خطر السكتة الدماغية؟










