الرؤية المستقبلية للقطاع المالي الإماراتي بمناسبة اليوبيل الذهبي لمصرف الإمارات المركزي
يمثل اليوبيل الذهبي لمصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي علامة فارقة في رحلته نحو ترسيخ مكانته كمؤسسة مالية رائدة ومستعدة لمواكبة تحديات المستقبل. على مدار العقود الخمسة الماضية، شهد المصرف تطورات هامة تزامنت مع التغيرات المتسارعة في المشهد المالي العالمي. وقد أسهم المصرف بدور محوري في بناء أسس متينة للقطاع المصرفي، ودعم الابتكارات في مجال التحول الرقمي والتمويل الإسلامي، وذلك لتلبية الاحتياجات الاقتصادية المتزايدة لمواطني دولة الإمارات العربية المتحدة.
من خلال تبني التحول الرقمي، يعزز المصرف المركزي مكانته كمؤسسة سباقة ومبتكرة، مما يدعم رؤية الإمارات الطموحة لتصبح مركزاً مالياً عالمياً. ولا يقتصر دور المصرف على اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان التنافسية والشفافية، بل يمتد ليشمل تعزيز التمويل الإسلامي بما يتماشى مع الأهداف الاقتصادية المستدامة لدولة الإمارات.
أكد خالد محمد بالعمى، محافظ مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي، في التقرير السنوي لعام 2024، أن المصرف المركزي واصل مسيرته نحو التميز والريادة خلال العام الماضي، وهو ما تجسد في تحقيق إنجازات استثنائية. وشملت هذه الإنجازات إصدار التشريعات واللوائح التي تهدف إلى تعزيز الإطار التنظيمي والإشرافي، وتقديم التوجيهات لضمان الامتثال، وتحسين حوكمة المؤسسات المالية المرخصة، وإدارة المخاطر بكفاءة عالية.
مبادرات رائدة للتحول المالي
أشار المحافظ إلى اعتزازه بالعمل على إطلاق منصة التمويل المفتوح، والتي ستكون الأولى من نوعها على مستوى العالم، وستتميز بمزايا فريدة تراعي مصالح المستهلكين وتضمن تجربة عملاء محسنة.
تطوير التكنولوجيا الإشرافية
كما أضاف المحافظ أن المصرف يواصل تطوير مشروع التكنولوجيا الإشرافية الخاص به، والذي يهدف إلى تعزيز كفاءة وفعالية العمليات الإشرافية من خلال أتمتة بعض الأنشطة وتوفير الوصول إلى بيانات تنظيمية أكثر شمولاً.
برنامج تصفير البيروقراطية الحكومية
وتماشياً مع رؤية القيادة الرشيدة وتوجيهاتها بشأن تطوير الخدمات الحكومية، عمل المصرف المركزي على تحقيق أهداف برنامج تصفير البيروقراطية الحكومية على مستوى الدولة، وذلك من خلال تحسين جودة الخدمات المقدمة في القطاع المالي.
برنامج التحول في البنية التحتية المالية (FIT)
في إطار برنامج التحول في البنية التحتية المالية (FIT)، الذي بلغت نسبة إنجازه 85% بحلول عام 2024، أطلق مصرف الإمارات المركزي مبادرات رائدة مثل الدرهم الرقمي وعملة المصرف المركزي الرقمية (CBDC)، والتي تم استعراضها خلال الاحتفال باليوبيل الذهبي من خلال تنفيذ دفعة عبر الحدود باستخدام منصة (mBridge). وتسهم منصة الدفع الفوري “آني” ومبادرة التمويل المفتوح في تعزيز المعاملات السلسة والآمنة، مما يدعم الشمول المالي في الدولة.
دمج التقنيات المتقدمة
في إطار استراتيجيته للتحول الرقمي، نجح المصرف المركزي في دمج التقنيات المتقدمة، مثل سلسلة الكتل (البلوك تشين)، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات الحوسبة السحابية، والعملات الرقمية، مما عزز الكفاءة التشغيلية والشفافية وسهولة الوصول. ويضمن هذا النهج الاستباقي توفير الخدمات المالية بسهولة لجميع شرائح المجتمع، مما يعزز الشمول المالي والوعي المالي.
ريادة في التمويل الإسلامي
يتبوأ المصرف المركزي مكانة رائدة في مجال التمويل الإسلامي، حيث يحرص على أن تتوافق ممارساته المصرفية مع المبادئ الشرعية والأخلاقية. وقد أدى هذا التوجه إلى تنويع المنظومة المالية وجذب رؤوس الأموال من داخل الدولة وخارجها، مما يعزز النمو والاستقرار الاقتصادي.
نمو أصول البنوك الإسلامية
تجاوزت أصول البنوك الإسلامية في دولة الإمارات العربية المتحدة حاجز تريليون درهم إماراتي في عام 2024، مما يعكس نجاح مبادرات وسياسات المصرف المركزي، بالإضافة إلى ثقة المستثمرين العالميين في خدماته المصرفية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية. وبلغت حصة البنوك الإسلامية من إجمالي الأصول المصرفية 24% بنهاية عام 2024، وفقاً لتقديرات وكالة موديز العالمية للتصنيف الائتماني.
بيئة مستقرة للنمو
أشار محللون في موديز إلى أن البنوك في دولة الإمارات تعمل حالياً في بيئة مستقرة مدعومة بجهود التنويع والإصلاحات الهيكلية التي ستواصل تعزيز النمو في الاقتصاد غير النفطي.
خطط لتعزيز التمويل الإسلامي
في مايو 2024، أعلنت الإمارات العربية المتحدة عن خطط لزيادة أصول البنوك الإسلامية في الدولة وزيادة قيمة الصكوك المدرجة محلياً بشكل ملحوظ بحلول عام 2031. وتهدف الحكومة تحديداً إلى زيادة أصول البنوك الإسلامية من 986 مليار درهم (268 مليار دولار) إلى 2.56 تريليون درهم (697 مليار دولار)، وزيادة إجمالي الصكوك الإسلامية المحلية المدرجة إلى أكثر من 660 مليار درهم (180 مليار دولار)، وزيادة إجمالي الصكوك الدولية إلى 395 مليار درهم (108 مليارات دولار).
إصدارات الصكوك في الإمارات
في عام 2024، صدرت صكوك بقيمة 12.7 مليار دولار في الإمارات، منها 4 مليارات دولار أصدرتها البنوك الإماراتية، وفقاً لوكالة موديز.
تعزيز مكانة الإمارات في سوق التمويل الإسلامي
وأضافت الوكالة أن الزيادة المتوقعة في أصول المصارف الإسلامية من شأنها أن تعزز مكانة دولة الإمارات العربية المتحدة كثالث أكبر مساهم في سوق التمويل الإسلامي.
دور المصرف المركزي في دعم القطاع المالي
يعزو محللون وخبراء في القطاع المالي نجاح البنوك التقليدية والإسلامية في الإمارات العربية المتحدة إلى الدور المحوري الذي يلعبه المصرف المركزي، مؤكدين أن ذلك ما كان ليتحقق لولا الأسس المتينة التي أرساها المصرف. وبالإشارة إلى أحدث بيانات المجد الإماراتية، أكدوا أن البنوك المدرجة في الإمارات حافظت على ريادتها في منطقة الخليج، حيث تصدرت مجدداً دول مجلس التعاون الخليجي بأعلى عائد على حقوق الملكية في نهاية الربع الأول من عام 2025، بنسبة 16.6%.
ريادة البنوك الإماراتية في المنطقة
احتلت البنوك الإماراتية مرة أخرى المرتبة الأولى في دول مجلس التعاون الخليجي من حيث هوامش صافي الفائدة (NIMs) التي بلغت 3.34% في الربع الأول من عام 2025 مقارنة بـ 3.39% خلال الربع الرابع من عام 2024. وأظهرت البنوك المدرجة في الإمارات العربية المتحدة أكبر نمو مطلق في صافي الأرباح بزيادة قدرها 639.6 مليون دولار أمريكي أو 11.8% خلال الربع، حسبما ذكرت شركة المجد الإماراتية في تقريرها للربع الأول.
يتطلع المصرف المركزي إلى مواصلة دوره الريادي في بناء منظومة مالية قوية، مستفيداً من الابتكار الرقمي والتمويل الإسلامي لمواجهة تحديات الاقتصاد العالمي. ومع احتفاله باليوبيل الذهبي، يقف المصرف على أعتاب مرحلة جديدة، مستعداً لاغتنام الفرص المستقبلية لضمان التنمية الاقتصادية المستدامة للأجيال القادمة.
احتفال اليوبيل الذهبي بمسكوكات فضية تذكارية
في يناير، أعلن مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي عن إصدار مسكوكات تذكارية فضية احتفالاً بمرور 50 عاماً على تأسيسه. وتجسّد هذه العملة الفضية الخاصة باليوبيل الذهبي إنجازات المصرف في تطوير القطاعين المصرفي والمالي على مدى العقود الماضية.
أصدر مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي 3000 مسكوكة تذكارية، تزن كل منها 60 غراماً. يحمل وجه العملة صورة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، محاطاً باسمه باللغة العربية وعبارة رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة. أما وجه العملة الآخر، فيحمل رسماً لمبنى مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي، وعبارة 50 عاماً على تأسيس مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي على الحافتين العلوية والسفلية باللغتين العربية والإنجليزية، والأعوام 1973-2023، والقيمة الاسمية 50 درهماً.
وأخيرا وليس آخرا
في ختام هذه الرحلة التحليلية حول اليوبيل الذهبي لمصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي، نرى بوضوح كيف أن هذا الصرح المالي لم يكن مجرد مؤسسة مصرفية، بل كان ولا يزال، حجر الزاوية في تحقيق الاستقرار المالي والنمو الاقتصادي المستدام لدولة الإمارات. من خلال تبني أحدث التقنيات وتعزيز التمويل الإسلامي، يواصل المصرف المركزي رسم ملامح مستقبل مالي مزدهر. فهل سيتمكن المصرف، في ظل التحديات الاقتصادية العالمية المتزايدة، من الحفاظ على هذا الزخم وتحقيق المزيد من الإنجازات التي تخدم رؤية الإمارات الطموحة؟










