القهوة الإماراتية: من قمرة القيادة إلى ريادة الأعمال
في قلب منطقة القوز بدبي، داخل مستودع تم تجديده بعناية، تتراقص ثريا لامعة فوق قطعة حجرية مركزية، بينما تنتشر رائحة حبوب القهوة الطازجة في الأجواء. هذا المكان ليس مجرد محمصة قهوة عادية، وكذلك الكابتن عبد العزيز النقبي، الذي لا يمثل نموذجًا تقليديًا لرائد الأعمال.
النقبي، كابتن الطيران، حول مساره المهني من قمرة القيادة إلى عالم تحميص القهوة، ليؤسس علامة هارفستر، التي أصبحت من بين أسرع العلامات التجارية المتخصصة في القهوة نموًا في دولة الإمارات العربية المتحدة. المقر الرئيسي للشركة، المعروف باسم “ذا ويرهوس”، تحول إلى ملتقى نابض بالحياة للقهوة والثقافة، حيث يعج بالعروض الفنية، والمناقشات، والطاقة التعاونية.
رحلة ملهمة نحو الإنجاز
بدأت هذه الرحلة في عام 2020، عندما أدت جائحة كوفيد-19 إلى تعليق الرحلات الجوية التجارية في جميع أنحاء العالم، مما أثر على رحلات النقبي. ويتذكر قائلاً: “فجأة، وجدت نفسي أمام وفرة من الوقت الحر. لطالما كنت من محبي القهوة، ففي مجال الطيران، نستهلك كميات كبيرة منها. لكن لم يخطر ببالي أبدًا تحويل هذا الشغف إلى مشروع تجاري.”
نقطة التحول
كانت نقطة التحول زيارة لمركز DMCC للقهوة في جبل علي، والتي قام بترتيبها صديقه أحمد بن سليم، الرئيس التنفيذي لمركز دبي للسلع المتعددة (DMCC). لقد ترك هذا المرفق المتطور، الذي يضم كل شيء من مخازن القهوة الخضراء ذات درجة الحرارة المتحكم بها إلى مختبرات التحميص والتذوق الدقيقة، انطباعًا عميقًا لديه.
يقول النقبي: “في طريقي إلى المنزل ذلك اليوم، اتصلت بأختي وأخبرتها: سأؤسس شركة قهوة. لم تفارقني هذه الفكرة. فالقهوة هي ثاني أكثر المشروبات استهلاكًا في العالم بعد الماء. وقلت لنفسي: لماذا لا؟”
خبرة سابقة في ريادة الأعمال
لحسن الحظ، لم تكن ريادة الأعمال غريبة عليه. “عندما كنت طفلاً، بدأت بقالة صغيرة في الحي”، يقول بابتسامة. “لاحقًا، في بداية مرحلة المراهقة، أنشأت مشروعًا لتصنيع الأبواب المقاومة للحريق.”
تلك التجربة المبكرة، بالإضافة إلى سهولة ممارسة الأعمال التجارية في دبي، جعلت الانتقال إلى هذا المجال سلسًا. ويضيف: “استغرق الحصول على رخصتي التجارية ما لا يزيد عن 10 دقائق. هذا هو جمال دبي.”
هارفستر: تكريم لجذور القهوة
اختار النقبي اسم “هارفستر” للشركة، والذي يعني “الحصّاد”، مستوحيًا ذلك من صورة لنساء أفريقيات يجمعن حبوب البن يدويًا. ويوضح: “هذا الاسم هو تكريم لجذور القهوة، وللنساء، والمزارعين، والمجتمعات التي تقف وراء كل فنجان.”
بداية متواضعة
بالاعتماد على معرفة اكتسبها من مقاطع الفيديو التعليمية على يوتيوب حول التحميص والتعبئة، طلب النقبي أول دفعة له: 600 كيلوغرام من البن البرازيلي و600 كيلوغرام من البن الكولومبي. قام بتحميصها بنفسه، ووضع الملصقات على كل كيس يدويًا، وقام بتوصيلها عبر المدينة إلى المقاهي والعملاء.
“لقد بيعت الكمية بسرعة كبيرة. ثم بدأت قصة جنون الجوافة بالموز”، كما يقول.
الجوافة بالموز: قصة نجاح فريدة
أحد أبرز منتجات هارفستر هو قهوة “الجوافة بالموز”، وهو اسم وُلد من خطأ لغوي. كانت الحبوب، التي تم الحصول عليها من مزرعة كولومبية محاطة بأشجار الجوانابانا، تحمل رائحة فاكهية خفيفة.
يضحك النقبي قائلاً: “تقول الأسطورة إن الأمريكيين سمعوا كلمة جوانابانا خطأً على أنها جوافة بالموز، واستمر الاسم هكذا. وبغض النظر عن الاسم، فقد نال المنتج إعجاب الناس. حتى أن البعض أتى إلى مركز DMCC يسأل عما إذا كان قد تم حظره!”
فريق متكامل
مع تزايد الطلبات، أدرك النقبي أنه لا يستطيع الاستمرار في العمل من المنزل. في تلك اللحظة، انضمت زميلته وصديقته الطيارة بخيتة المهيري، وهي واحدة من أصغر الطيارين التجاريين الإناث في الإمارات، إلى المشروع.
يقول النقبي: “أضافت بخيتة طاقة مذهلة. إنها طيارة ورائدة، وشخص يفهم حقًا قوة التمثيل.”
من مستودع إلى مركز إبداعي
افتتح النقبي والمهيري “ذا ويرهوس” معًا في عام 2021، وهي مساحة متواضعة في القوز كان الهدف منها في البداية أن تكون مكتبًا، لكنها سرعان ما تطورت لتصبح أكثر من ذلك بكثير.
تم تحقيق التوازن بين الهيكل الصناعي للمستودع، الذي يتميز بعوارض حديدية وجدران عارية، وثريا كريستالية كبيرة، تم تركيبها لإضفاء لمسة راقية على المكان. لكن كان لا يزال هناك شيء مفقود.
يتذكر النقبي: “قالت بخيتة، دعنا نضع صخرة تحتها. في البداية ضحكت، صخرة؟ لكنها قالت: لدينا المعدن، لدينا الكريستال، فلنُضِف شيئًا عضويًا. ونجحت الفكرة، لقد أضفت أساسًا للمكان.”
وجهة ثقافية
منذ ذلك الحين، أصبح “ذا ويرهوس” واحدًا من أكثر الأماكن انتقائية في دبي، حيث يستضيف عشاءات خاصة، ومعارض مؤقتة، ومعارض فنية، وفعاليات تعاونية. وقد استضاف معارض فنية لسفارات، بما في ذلك اليابانية والتركية، وأصبح مساحة إبداعية للفنانين ومحبي القهوة على حد سواء.
يقول النقبي: “نحن نؤمن بخلق مساحة يزدهر فيها المجتمع. إنها ترحب بالجميع، وروحها إماراتية في الصميم.”
سوق القهوة في الإمارات
يأتي صعود هارفستر في وقت يشهد فيه سوق القهوة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نموًا سريعًا، وتعتبر دبي مركزًا رئيسيًا لهذا النمو. ومن المتوقع أن يصل حجم القطاع إلى 11.5 مليار دولار (42.2 مليار درهم) في عام 2025، وتستهلك الإمارات وحدها ما معدله 3.5 كيلوغرام من القهوة للفرد سنويًا. ومع وجود أكثر من 4,000 مقهى ومتجر قهوة متخصص، تُعد دبي واحدة من أكثر أسواق القهوة تنافسية في المنطقة.
تكريم وتقدير
هذا العام، تم تصنيف هارفستر كواحدة من أفضل 50 شركة مستقبلية في الإمارات، وهي مبادرة من وزارة الاقتصاد ومكتب تطوير الحكومة والمستقبل، تسلط الضوء على المشاريع التي يقودها إماراتيون في القطاعات ذات الإمكانات العالية.
بالنسبة للنقبي، هذا التكريم يمثل شعورًا بالتواضع والتحفيز في الوقت نفسه. ويقول: “بدأت هارفستر بفكرة بسيطة لتقديم قهوة أفضل. اليوم، نحن نبني علامة تجارية تمثل الابتكار والتراث والفخر.”
ويرى بن سليم أن نجاح الشركة يعكس تحولًا أوسع، قائلاً: “تعكس هارفستر ذوق أمة متطورًا، وروح ريادة الأعمال لدى الطيارين، وثقافة متنامية من الابتكار في الإمارات.”
ويؤكد النقبي على أهمية التركيز على الأساسيات، قائلاً: “القهوة كانت دائمًا جزءًا من ضيافتنا وتجمعاتنا. نحن فقط نقدمها بطريقة تتناسب مع عالم اليوم.”
و أخيرا وليس آخرا
من قمرة القيادة إلى تأسيس علامة قهوة متخصصة، يمثل الكابتن عبد العزيز النقبي نموذجًا فريدًا لريادة الأعمال. هارفستر، التي بدأت كفكرة بسيطة، نمت لتصبح علامة تجارية إماراتية بارزة، تجمع بين الابتكار، والتراث، والفخر. فهل يمكن لمثل هذه القصص أن تلهم المزيد من الشباب الإماراتي لتحويل شغفهم إلى مشاريع ناجحة تساهم في تنمية الاقتصاد الوطني؟










