المساعدات الإسرائيلية لغزة: تكتيكات التهدئة أم تخفيف المعاناة؟
في تحليل معمق، تتبع المؤرخ الفرنسي جان بيير فيليو مسار المساعدات الغذائية التي سمحت بها إسرائيل لغزة عبر الجو والبحر، بعد إحكامها إغلاق المعابر البرية وفتحها على فترات متباعدة. يؤكد فيليو أن الهدف الأساسي من هذه المساعدات لم يكن تخفيف معاناة الشعب الفلسطيني، بل مجرد تهدئة الرأي العام العالمي.
المساعدات الجوية: وسيلة للضغط
في مقاله، تناول فيليو، الأستاذ الجامعي البارز والخبير في شؤون الشرق الأوسط، عمليات الإنزال الجوي التي نُفذت في قطاع غزة المحاصر في مارس/آذار 2024. وأشار إلى أن إسرائيل تستخدم المساعدات كأداة للضغط على سكان غزة.
وأوضح في عموده في صحيفة لوموند، أن الإنزال بالمظلات في مناطق النزاع هو من بين أقل الطرق فعالية لتوزيع المساعدات الإنسانية. وقد توصل الجيش الأميركي إلى هذا الاستنتاج بعد حملة الإنزال الجوي الضخمة التي نفذتها طائرات ثقيلة شمال العراق في ربيع عام 1991 لصالح الأكراد.
الإنزال الجوي: خسائر فادحة وفوضى
تسببت عمليات الإنزال الجوي تلك في خسائر فادحة بين صفوف اللاجئين، حيث سُحق العديد منهم تحت المظلات، ونشبت خلافات دموية حول المساعدات، وفُقدت طرود المساعدات في المناطق الملغومة. لم يكن ذلك سوى حل مؤقت قبل أن يُضمن تدفق الشاحنات، وهو ما يمثل عملاً إنسانياً جديراً بالاهتمام.
المساعدات البحرية: فشل ذريع
مع عدم جدوى الإنزال الجوي، لجأت الولايات المتحدة إلى حل آخر: توزيع المساعدات عن طريق البحر، عبر رصيف أُنشئ بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي. ولكن هذا الحل أيضاً باء بالفشل الذريع. بعد شهر، لم يصل ما يكفي من الضروريات الأساسية ليوم واحد. وفي 12 يونيو/حزيران، أعلنت الأمم المتحدة أن 32 شخصًا، بينهم 28 طفلاً دون سن الخامسة، قد ماتوا جوعًا في قطاع غزة.
إغلاق المعابر وتفاقم الأزمة
أدى الهجوم الإسرائيلي على رفح إلى إغلاق آخر معبر مع مصر، كما تعرضت بضع عشرات من الشاحنات التي كانت تدخل يوميًا قطاع غزة للنهب بشكل منتظم على يد عصابات إجرامية مدعومة من إسرائيل. ولم يستأنف التدفق الطبيعي لشاحنات المساعدات إلا خلال الهدنة القصيرة بين 19 يناير/كانون الثاني والثاني من مارس/آذار 2025، حسبما ذكر فيليو.
“ألعاب الجوع” في غزة
اليوم، تُستبعد الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية من توزيع المساعدات من قِبل مؤسسة تمولها الولايات المتحدة ويحميها الجيش الإسرائيلي. وتتحول عمليات التوزيع هذه بانتظام إلى مذابح، يطلق عليها الفلسطينيون اسم “ألعاب الجوع”. وقد أجبرت الصور الصادمة والشهادات الدامغة عن المجاعة في غزة مؤخرًا إسرائيل على تخفيف قبضتها بعض الشيء.
ومع ذلك، لا يزال عدد الشاحنات المسموح بدخولها أقل بكثير من الحد الأدنى لمستوى المعيشة للسكان. وقد بدأت عمليات إنزال جوي نفذتها الأردن والإمارات وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، إلا أنها تبقى أقرب إلى الدعاية الإعلامية. ويشير فيليو إلى أن إجمالي المساعدات التي ألقتها إسبانيا مؤخرًا بالمظلات لا تعادل سوى نصف حمولة شاحنة إنسانية واحدة.
وأخيرا وليس آخرا
إن المساعدات التي تقدمها إسرائيل إلى غزة، سواء كانت جوية أو بحرية، تثير تساؤلات حول دوافعها الحقيقية. فهل هي مجرد محاولة لتهدئة الرأي العام وتجميل الصورة، أم أنها تهدف فعلاً إلى تخفيف المعاناة الإنسانية المتفاقمة في القطاع؟ يبقى هذا السؤال مفتوحًا، في ظل استمرار الحصار وتدهور الأوضاع المعيشية للفلسطينيين في غزة.










