إينياك: قصة أول حاسوب إلكتروني في العالم
يمكن تتبع تاريخ الحوسبة إلى بدايات بعيدة، حيث شهد تطورات وتحولات كبيرة. بدأت الرحلة بالآلات الحاسبة الميكانيكية، التي كانت تعمل بشكل كامل دون الحاجة إلى كهرباء. مع التقدم التكنولوجي وظهور المكونات الإلكترونية، ظهرت الحواسيب الإلكترونية. لنتعمق في قصة أول حاسوب من هذا النوع، ونستكشف مواصفاته وتاريخ صنعه.
إينياك: الرائد الأول في عالم الحواسيب
يعتبر إينياك (ENIAC)، أو “المكامل العددي الإلكتروني والحاسوب”، أول حاسوب رقمي إلكتروني في العالم. يعود تاريخ هذا الإنجاز إلى أربعينيات القرن الماضي. كان إينياك قادراً على حل المشكلات الرقمية والمعادلات الحسابية الأساسية مثل الجمع والطرح والضرب والقسمة، بالإضافة إلى العمليات المنطقية.
كان إينياك أول حاسوب إلكتروني رقمي قابل للبرمجة في ذلك الوقت، ولكن مفهوم البرمجة كان مختلفاً عما نعرفه اليوم. كان يتطلب توصيل الأسلاك يدوياً لتنفيذ وظائف محددة، وكان تشغيله يحتاج إلى فريق من المهندسين والفنيين المتخصصين.
نظرة على مواصفات حاسوب إينياك
حجم ووزن غير مسبوقين
كان حجم إينياك هائلاً ووزنه ثقيلاً للغاية، إذ بلغ وزنه 30 طناً وامتد طوله إلى 30 متراً، مغطياً مساحة تقدر بـ 167 متراً مربعاً. تكون من 40 لوحاً مرتبة على شكل حرف U، حيث بلغ عرض وطول اللوح الواحد 0.6 متر وارتفاعه 2.4 متر.
مكونات معقدة بالآلاف
تألف حاسوب إينياك من آلاف المكونات المتشابكة والمعقدة. احتوى على ما يقرب من ستة آلاف مفتاح كهربائي، وخمسة ملايين وصلة ملحومة يدوياً، و70 ألف مقاومة كهربائية للتحكم في مرور التيار الكهربائي، بالإضافة إلى 10 آلاف مكثف لتخزين الطاقة الكهربائية، و18 ألف صمام مفرغ للتحكم في التيار الكهربائي، وغيرها الكثير.
تجدر الإشارة إلى أن حاسوب إينياك كان يولد حرارة تصل إلى حوالي 150 كيلو واط في الساعة الواحدة، وهي طاقة كافية لإضاءة حوالي 15 ألف مصباح منزلي لمدة ساعة كاملة!
سرعة فائقة في زمنه
على الرغم من أن برمجة حاسوب إينياك كانت عملية يدوية تستغرق أياماً، إلا أنه كان أسرع بألف مرة من أي جهاز كهروميكانيكي آخر في إجراء الحسابات. كان ذلك بفضل مكوناته الإلكترونية بالكامل، التي لم تكن تحتوي على أي أجزاء ميكانيكية تعيق عمله. كان قادراً على إجراء خمسة آلاف عملية حسابية في الثانية الواحدة، وكل عملية تتكون من 10 أرقام، وهو رقم قياسي في ذلك الوقت.
قصة صناعة إينياك
بدأ العمل على تصميم حاسوب إينياك في عام 1943، واكتمل في عام 1946. تعاقدت قيادة البحث والتطوير في سلاح الذخائر بالجيش الأميركي مع المهندسين جون بريسبر إيكيرت وجون ماوكلي في يونيو 1943 لتصميم حاسوب رقمي قابل للبرمجة يخدم أغراضهم العسكرية.
بدأ المهندسان العمل سراً على المشروع تحت الاسم الرمزي “(Project PX)” في كلية مور للهندسة الكهربائية بجامعة بنسلفانيا. استغرق العمل على التصميم وحده حوالي عام، ثم 18 شهراً للتنفيذ، بتكلفة تجاوزت 400 ألف دولار أمريكي. تم تشغيله رسمياً في فبراير 1946.
في البداية، استخدم إينياك لأغراض متنوعة، مثل إجراء الحسابات لتصميم القنابل وحل المسائل الرياضية والهندسية المعقدة. في عام 1946، قام ماوكلي وإيكيرت بتطويره ليصبح مخصصاً لمهمة واحدة: حساب المسافة بين المدفعية والهدف بدقة في ظل ظروف مختلفة.
نهاية حقبة إينياك
في 2 أكتوبر 1955، في تمام الساعة 11:45 مساءً، تم إيقاف تشغيل حاسوب إينياك. على الرغم من فترة عمله القصيرة نسبياً، إلا أنه كان رائداً في مجال التكنولوجيا، ونموذجاً إبداعياً مهد الطريق للتقدم الهائل الذي نشهده اليوم في أنواع الحواسيب الرقمية.
يمكن لعشاق التكنولوجيا والمهتمين برؤية أجزاء من هذا الاختراع العملاق زيارة جامعة بنسلفانيا أو معهد سميثسونيان في الولايات المتحدة، حيث توجد بعض أجزاء ومكونات حاسوب إينياك.
و أخيرا وليس آخرا:
في الختام، يبقى إينياك علامة فارقة في تاريخ التكنولوجيا، حيث جسد بداية عصر الحوسبة الإلكترونية ومهد الطريق للابتكارات المستقبلية. على الرغم من حجمه الهائل وتعقيداته، إلا أنه أثبت إمكانية بناء آلات قادرة على إجراء العمليات الحسابية بسرعة وكفاءة لم تكن ممكنة من قبل. تُرى، ما هي الإنجازات التكنولوجية التي ستحملها لنا السنوات القادمة؟










